يولد الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية، ولا سيما الابتكار في مجال المدفوعات ـ وهي خدمة مالية بالغة الأهمية يستخدمها معظم الناس كل يوم ـ تحديات جديدة وأولويات متنافسة في كثير من الأحيان بالنسبة إلى البنوك المركزية.
فمن ناحية، ترغب البنوك المركزية في تهيئة بيئة مواتية كي يتسنى للتكنولوجيا المالية أن تزدهر ويمكن للناس جني منافع الابتكار. ويصدق هذا خصوصا على الاقتصادات النامية التي لا تزال تواجه فجوات واسعة في الشمول المالي. من ناحية أخرى، يتمثل التفويض القانوني الأساس للبنوك المركزية في حماية الاستقرار المالي وحماية عملاء الخدمات المالية. ولفعل ذلك، يجب عليها تقييم وإدارة الأخطار، التي قد تجلبها المنتجات الجديدة وقنوات التسليم الجديدة لكليهما.
ويتمثل دور البنوك المركزية والجهات الرقابية في التوفيق بين الثقة والابتكار لتشجيع هذه الأخيرة مع ضمان حماية الناس بشكل معقول من الأخطار وحماية ثقتهم. ولم تعد البنوك المركزية قادرة على الحد من مشاركتها في النظام الوطني للمدفوعات بوصفها جهات إصدار العملة السيادية ومشغلة لنظام مدفوعات الجملة. ويشارك عديد منها بالفعل مشاركة عميقة في سوق مدفوعات التجزئة، وعليها العمل على تعزيز التوحيد القياسي والتشغيل البيني لضمان خدمات الدفع الآمنة والكفؤة والشاملة للجميع وتمكين الابتكار، ومن ثم تعزيز المنافسة.
ويعد عديد من البنوك المركزية عوامل تحفيزية بالغة الأهمية لإحداث تحول في سوق المدفوعات، إما من خلال تهيئة بيئة داعمة ومواتية، أو من خلال صدارة الابتكارات نفسها من خلال مشاريع البنك المركزي للعملة الرقمية.
كما يتعين على البنوك المركزية التوفيق بين الفرص والسيادة. وكانت الآثار الأكثر وضوحا للابتكار على هيكل السوق هي تأثيره في المنافسة، من خلال فتح سوق المدفوعات أمام غير البنوك لجني الفرص، التي يتيحها مقدمو الخدمات الجدد، والمنتجات الجديدة، ونماذج الأعمال الجديدة. ورغم أن الداخلين الجدد إلى السوق يتحدون البنوك القائمة، فإن الابتكار يمكن أن ينتهي به المطاف إلى إحداث أثر مركزي متناقض وميل إلى زيادة التركيز، مع التحول الرئيس هو تحول المراكز السوقية المهيمنة من البنوك إلى شركات التكنولوجيا الكبيرة.
ويعتمد عديد من أنظمة المدفوعات الوطنية بصورة متزايدة على مقدمي الخدمات الأجانب على مستوى العالم، مثل أنظمة البطاقات العالمية و/أو شركات التكنولوجيا الضخمة، ويجلب صعود التكنولوجيا الكبيرة كمقدمين رئيسين لخدمات الدفع تحديات جديدة للسلطات. وقد أعربت بعض البنوك المركزية عن قلقها من فقدان سيادتها على سوق مدفوعاتها، حيث تدار أجزاء منها خارج نطاق ولايتها القضائية
عندما تقدم شركات التكنولوجيا الكبيرة خدمات مباشرة للمستخدمين النهائيين، فإنها يمكن أن تكون مؤهلة كمقدمي خدمات دفع نظاميين إذا وصلت إلى مركز مهيمن أو حجم مرتفع للغاية. حتى إذا لم تقدم خدمات مباشرة للمستخدمين النهائيين، لكن لمستخدمين آخرين يواجهون مؤسسات، فإنها يمكن أن تصبح مع ذلك أطرافا ثالثة بالغة الأهمية. وفي كلتا الحالتين، قد يتسبب فشلها في تعطيل واسع النطاق لسوق الدفع والاقتصاد.
ويتعين على البنوك المركزية أن تكون على استعداد بإطار استراتيجي يقوم على مجموعة من أهداف السياسات وخياراتها. وإذا ظلت الركائز الأساسية قائمة -الحاجة إلى أنظمة دفع آمنة وفاعلة، والتكامل مع البنية التحتية على مستوى الصناعة، وإطار تنظيمي قائم على المبادئ يمكن أن يتطور ويلبي المفاهيم الجديدة- يجب أن تتطور المهارات والعمليات والمنهجيات التي تستخدمها البنوك المركزية. وهي بحاجة إلى بناء القدرات بشأن مخاطر العمليات، بما في ذلك المخاطر السيبرانية، وفي مجال اتفاقية اتفاقية التنوع البيولوجي، ومراجعة المفاهيم والمعايير والإجراءات الأساسية في نهاية المطاف. وهي بحاجة إلى تصميم إطار قانوني للأصول المشفرة، ومراجعة إطار حماية المستهلك الخاص بها، وتدعيم جهود التثقيف المالي الخاصة بها.
وعلى الرغم من أن الابتكار يقدم في بعض الأحيان على أنه يلغي الحاجة إلى طرف ثالث موثوق به، خاصة الحاجة إلى البنوك المركزية، فإننا نعتقد أن الابتكار يجعل البنوك المركزية أكثر ملاءمة وضرورة من أي وقت مضى. ولا يتضاءل دورها بسبب الابتكار في المدفوعات، بل على العكس من ذلك، تزداد أهمية. من ناحية أخرى، ليس أمام البنوك المركزية خيار سوى إدخال تغييرات على عملياتها وإجراءاتها، وبناء قدرات جديدة، وإعادة النظر بشكل عام في نهجها إزاء الأموال. وتقوم بتكييف دورها التشغيلي بما يتلاءم مع المطالب الجديدة لمواطنيها من أجل زيادة السرعة والراحة والقدرة على تحمل التكاليف. فهي توسع وتعمق دورها الرقابي والتنظيمي لمواجهة المنتجات الجديدة، ومقدمي الخدمات الجدد، بما في ذلك شركات التكنولوجيا الكبيرة المقبلة من خارج نطاق اختصاصها التقليدي للقطاع المالي، والمخاطر المرتبطة بها.
فالمبتكرون لن ينتظروا ذلك، لكن الجهات التنظيمية يمكنها خنق الابتكار أو تعزيزه في قطاعها المالي، ويمكنها صياغة قواعد ومعايير التعاون والتشغيل البيني والمنافسة، إذا قامت بتنمية معارفها وبناء خبراتها. لكن البنوك المركزية لا يمكنها، بل ينبغي لها، ألا تعمل بمعزل بعضها عن بعض. إن التعاون والحوار، أكثر من أي وقت مضى، مع السلطات الأخرى ومع أصحاب المصلحة، المحليين والدوليين على حد سواء، أمر حتمي وضروري للتحرك في مجرى الابتكار