تصاعد الجدل العالمى حول مخاطر الذكاء الاصطناعى وتأثيراته المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية, ولأول مرة يناقش مجلس الأمن الدولى فى جلسة علنية الثلاثاء 18 يوليو الحالى, قضية تهديد ومخاطر الذكاء الاصطناعى على الأمن العالمى, وهو ما يطرح التساؤل: هل يهدد الذكاء الاصطناعى السلم والأمن الدوليين, وكيف يمكن التعامل معه وما دور مجلس الأمن فى ذلك؟.
والواقع أن الذكاء الاصطناعى الذى يعكس تطور ثورة المعرفة والتكنولوجيا له وجهان, إيجابى وسلبى, ويتوقف هذا على طريقة استخدامه والهدف من ذلك. فقد أسهم الذكاء الاصطناعى فى تسيير الكثير من الأعمال فى المجالات المختلفة سواء فى الاقتصاد وأعمال الإدارة وكذلك فى الجوانب العلمية والطبية بل والبحثية والتعليمية, وهو ما أسهم فى تطور البشرية والاستفادة من التقدم التكنولوجى. وفى المقابل برزت مخاطر وسلبيات للذكاء الاصطناعى أبرزها أنه قد يهدد انقراض الإنسان وقيام الروبوتات بالأعمال المختلفة نيابة عنه وهو ما يفاقم من أزمة البطالة العالمية, لكن يظل الخطر الأكبر هو المرتبط بالأمن سواء الأمن القومى للدول أو الأمن العالمى, فى ظل استخدامه فى أسلحة تستخدم ذاتيا فى الصراعات والحروب تؤدى إلى مزيد من الدمار والقتل خاصة استخدام الطائرات بدون طيار, كذلك استخدامه فى الهجمات الإلكترونية على المؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية, مما يؤدى إلى إصابتها بالشلل وتعطل مجالات حيوية كشبكات الكهرباء والمستشفيات وغيرها, إضافة لاستخدامه فى أعمال التجسس واختراق الأنظمة الإلكترونية والأمن السيبرانى وكذلك التهديدات العابرة للحدود أو استخدامه فى الأسلحة الكيماوية وغيرها, وهو ما يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين, ويدفع إلى ضرورة تحرك المجتمع الدولى لبلورة رؤية توافقية عالمية للتعامل مع الذكاء الاصطناعى وليس منعه وإنما ترشيده وتقليل مخاطره وتعظيم فوائده لمصلحة البشرية.
وهنا يبرز دور مجلس الأمن الدولى كجهة مناط بها حفظ السلم والأمن الدوليين, فقد أعطت المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة سلطة تقديرية كبيرة للمجلس فى تحديد ماهية وطبيعة مصادر تهديد السلم والأمن الدوليين. وقد توسع المجلس كثيرا خلال السنوات الأخيرة فى تحديد مصادر التهديد, فلم تعد فقط مقتصرة على المصادر العسكرية مثل الحروب بين الدول والحروب الأهلية داخل الدول والإرهاب والانتشار النووى, بل أضاف مصادر جديدة غير عسكرية لتهديد السلم الدولى لما يترتب عليها من ضحايا وتداعيات لا تقل عن ضحايا الصراعات المسلحة, ومن أبرز تلك المصادر تهديد الديمقراطية وحقوق الإنسان وكذلك الاغتيالات السياسية, وبالتالى يمكن للمجلس اعتبار الذكاء الاصطناعى مهددا للسلم والأمن الدوليين ويطبق عليه الإجراءات والآليات التى ينص عليها الميثاق فيما يتعلق بتعزيز الأمن الجماعى الدولى, مع تزايد مخاطر الذكاء الاصطناعى وتهديد أمن الدول وكذلك الأمن العالمى فى الفترة الأخيرة خاصة مع تزايد أعداد الصراعات فى العالم سواء الحروب الدولية مثل الحرب الروسية الأوكرانية أو الحروب الأهلية، كذلك استخدام التنظيمات الإرهابية تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى تنفيذ عملياتها الإرهابية. لكن هناك تحديات كثيرة تواجه مجلس الأمن فى التعامل مع خطر الذكاء الاصطناعى, أبرزها عدم وجود توافق دولى حول اعتبار الذكاء الاصطناعى تهديدا للسلم الدولى خاصة من جانب الدول الكبرى صاحبة الفيتو فى مجلس الأمن مثل أمريكا والصين وروسيا, والتى تستحوذ على النصيب الأكبر فى ابتكار واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى خاصة فى المجال العسكرى وتستخدمه كسلاح فى الحروب الاقتصادية والسيبرانية فيما بينها, وهو ما تكرر سابقا فى فشل مجلس الأمن فى اعتبار التغيرات المناخية تهديدا للسلم والأمن الدوليين بسبب صراع المصالح بين الدول الكبرى المسئولة عن الانبعاثات الكربونية ورفضها أى التزامات عليها. كما أن خبرة مجلس الأمن فى التعامل مع مصادر تهديد السلم الدولى التقليدية وغير التقليدية توضح عجزه وفشله فى حفظ السلم والأمن الدوليين بسبب استخدام الفيتو من جانب الدول الكبرى وتزايد حدة الاستقطاب بينها مما أدى لاستبعاد المجلس من غالبية الصراعات المسلحة والأزمات فى العالم. إضافة إلى عدم امتلاك المجلس آليات محددة للتعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعى خاصة تجاه الدول الكبرى, وفشله فى إلزامها بالتقيد بأخلاقيات الذكاء الاصطناعى أو فرض عقوبات عليها فى حالة عدم التزامها. وفى هذا الإطار فإن اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش إنشاء هيئة تابعة للأمم المتحدة لإدارة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية, لن يحقق أهدافه دون أن يكون فى إطار رؤية أشمل للأمم المتحدة وتوافق الدول المختلفة حول نمط التعامل مع الذكاء الاصطناعى وإبرام اتفاقات دولية ملزمة بشأن تنظيم استخدام تطبيقاته ووضع ضوابط عليها وان تكون هناك آليات محددة لإلزام الدول بها. وبالتالى فإن فاعلية مجلس الأمن فى حفظ السلم والأمن الدوليين ومواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعى كمهدد للسلم الدولى لن تتحقق إلا بإصلاح شامل للمجلس سواء من حيث العضوية وتوسيعها لتكون أكثر تمثيلا للمجتمع الدولى, أو إصلاح نظام الفيتو وترشيد استخدامه من قبل الدول الكبرى, ليكون المجلس أكثر مرونة فى التعامل مع مصادر تهديد الأمن الدولى الجديدة وغير التقليدية ومنها الأوبئة العالمية والتغيرات المناخية والذكاء الاصطناعى الذى تتزايد مخاطره يوما بعد الآخر.