تكنولوجيا المعلومات و اقتصاد المستقبل

17-08-2023 05:51 AM - عدد القراءات : 452
كتب ج. برادفورد ديلونج *نائب مساعد وزير الخزانة الأمريكية الأسبق، أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي
لم تكن السنوات السابقة وديّة تجاه النيوليبرالية. بعد 40 عامًا من إلغاء القيود التنظيمية وتفضيل الجانب المالي للإقتصاد والعولمة، لم يتم تحقيق الازدهار لأي فرد بخلاف الأثرياء. يبدو أن الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى قد تبعت مسارًا مختلفًا عن التجربة النيوليبرالية وعادت لتبني السياسة الصناعية. ومع ذلك، لا يزال النموذج الاقتصادي الذي تستند إليه سياسات مارغريت تاتشر، واقتصاد ريجان، وإجماع واشنطن، حيًا ومزدهرًا على الأقل في مجلة "الإيكونوميست".
تكنولوجيا المعلومات و اقتصاد المستقبل

من الأمثلة الواضحة على ذلك، يوجد مقال حديث يحتفي بسجل أمريكا الاقتصادي المذهل. بعد تشجيع الأمريكيين اليائسين على الشعور بالسعادة بسبب "قصة النجاح المذهلة" التي حققتها بلادهم، يتضاعف الكاتب في المقال من حجم التنازل والتفضيل على الناس. يزداد احتمال تفسد الأعوام الـ30 المقبلة على يد سياساتهم كلما استغرق الأمريكيون في النظر إلى اقتصادهم على أنه مشكلة تحتاج إلى علاج. ورغم اعترافهم بأن "انفتاح أمريكا" قد جلب الازدهار للشركات والمستهلكين، يذكر الكاتب في المقال أيضًا أن الرئيس السابق دونالد ترمب والرئيس الحالي جو بايدن قد "تحولا إلى سياسات الحماية" ويحذران من أن إعانات الدعم قد تعمل على تعزيز الاستثمار في الوقت الحالي ولكنها ترسخ الضغوط السياسية المهدرة والمشوهة.من أجل مواجهة تحديات مثل صعود الصين، وتغير المناخ، يتعين على الولايات المتحدة أن "تتذكر ما الذي دعم مسيرتها الطويلة الناجحة؟".

كما هو معتاد، تقدم مجلة "الإيكونوميست" دعمًا قويًا للعقيدة النيوليبرالية، مع تركيز خاص على السوق كمصدر للحلول والنجاح. يجب على الأمريكيين الاستماع والتقيد بتعاليم هذه العقيدة، مع عدم وجود مجال للشك في أن أي مشكلة اقتصادية تواجه الولايات المتحدة تعود فقط إلى تدخل الحكومة الذي يعتبره البعض متعجرفًا.

ومع ذلك، بصفتي مؤرخًا اقتصاديًا، كان أمرًا مدهشًا أن يُعزى ازدهار أمريكا بعد الحرب إلى اعتناقها للرأسمالية عدم التدخل، الذي يُعرف بصفة عامة بالجشع الآثم. يشير المقال أيضًا إلى ثلاثة تحديات رئيسية تواجه الولايات المتحدة: التهديد الأمني الصيني، والحاجة إلى إعادة تنظيم النظام الاقتصادي العالمي بناءً على نفوذ الصين المتزايد،

، ومكافحة تغير المناخ. لا شك أن التحدي المتمثل في تغير المناخ ليس "جديدا"، بالنظر إلى أن العالـم متأخر ثلاثة أجيال على الأقل في التصدي له. علاوة على ذلك، من الواضح أن فشلنا في التحرك السريع يعني أن التأثير الاقتصادي الذي يخلفه الانحباس الحراري الكوكبي من المرجح أن يستهلك معظم، إن لم يكن كل، المكاسب التكنولوجية المتوقعة على مدار الجيلين المقبلين.

من منظور نيوليبرالي، تـعـد هذه التحديات "عوامل خارجية". ولا يستطيع اقتصاد السوق معالجتها لأنه لا يراها. ذلك أن منع نشوب حرب في منطقة المحيط الهادئ، أو مساعدة باكستان على تجنب فيضانات مدمرة من خلال إبطاء الانحباس الحراري الكوكبي، لا ينطوي على معاملات مالية

تعد جهود البحث والتطوير التعاونية بين المهندسين والمبدعين في مختلف أنحاء العالم المحركات الأساسية للرخاء الاقتصادي المطلق والنسبي. لكنها أيضا غير مرئية في حسابات السوق.

إن إدراك حجم ومدى إلحاح التحديات العالمية، مثل تغير المناخ، ثم إنكار حقيقة مفادها أن الحكومات وحدها هي القادرة على معالجتها بفاعلية، كما تفعل مجلة "الإيكونوميست"، يرقى إلى شيء أشبه بالخطأ الفكري المتعمد. لقد أيد آدم سميث ذاته، قوانين الملاحة -التي نظمت حركة التجارة والشحن بين إنجلترا ومستعمراتها ودول أخرى- على الرغم من حقيقة أنها فرضت نقل البضائع على السفن البريطانية حتى لو توافرت خيارات أخرى أرخص. في كتابه "ثروة الأمم"، يقول سميث "الدفاع أهم كثيرا من الترف". كان شجب السياسات الأمنية المرغوبة باعتبارها "سياسات حماية" خارجا عن الموضوع الأساسي آنذاك والآن.

علاوة على ذلك، كانت إدانة "الإيكونوميست" سياسات الحماية المزعومة من جانب بايدن مصحوبة بملاحظة غامضة مفادها أن "سياسات الهجرة أصبحت سامة". الواقع أن الأمر لا يخرج عن خيارين: ينبغي للولايات المتحدة إما أن ترحب بمزيد من المهاجرين "كما أعتقد أنها يجب أن تفعل"، لأن إنتاجيتهم عالية ولأنهم يندمجون بسرعة، وإما أن يتعين عليها أن تقيد الهجرة، لأن بعض الناس يعتقدون أن عملية الاستيعاب والاندماج بطيئة للغاية. من خلال التمسك بالغموض، يقامر كتاب المقال، على أمل إقناع القراء على جانبي القضية بأن "الإيكونوميست" تشاركهم وجهات نظرهم.

الواقع أن الملاحظة الواردة في المقال، بأن إعانات الدعم قادرة على "تعزيز الاستثمار في المناطق المحرومة في الأمد القريب" لكنها تعمل أيضا على "ترسيخ الضغوط السياسية المهدرة والمشوهة" في الأمد البعيد لا تخلو من غموض والتباس على نحو مماثل. يبدو الادعاء الأساسي هنا أنه على الرغم من سوء إخفاقات السوق الناجمة عن عوامل خارجية، فإن العواقب المحتملة التي قد تترتب على سياسات الحكومة التي تهدف إلى تصحيحها أشد سوءا. أي أن الرهان الأكثر أمانا من جانب الأمريكيين يتلخص ببساطة في تمسكهم بإيمانهم وثقتهم بالسوق.

تعكس حجة "الإيكونوميست" سوء فهم جوهريا لتاريخ الولايات المتحدة. تمتد جذور التقاليد الاقتصادية الأمريكية إلى أفكار ألكسندر هاملتون، وأبراهام لينكولن، وتيدي فرانكلين روزفلت، ودوايت أيزنهاور، الذين أدركوا الحاجة إلى دولة داعمة للتنمية وانتبهوا إلى مخاطر السعي وراء الريع.

من المؤكد أن 70 عاما مرت على رئاسة أيزنهاور، وأن قسما كبيرا من قدرة دولة أمريكا جرى تفريغه من مضمونه خلال الحقبة النيوليبرالية الطويلة التي بدأت بانتخاب رونالد ريجان. لكن سياسات عدم التدخل التي كانت غير ملائمة بدرجة بائسة لاقتصاد الإنتاج الضخم في خمسينيات القرن الـ20 هي في حقيقة الأمر أقل ملاءمة لاقتصاد المستقبل القائم على التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات. وبدلا من رفض سياسات بايدن الصناعية، ينبغي للأمريكيين أن يحتضنوها. وعلى حد تعبير مارجريت تاتشر، لا يوجد بديل.

*نقلا عن الاقتصادية



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>