التشديد ليس الحل السديد لتأطير العملات المشفرة

20-08-2023 03:59 AM - عدد القراءات : 296
كتب بروك ماسترز من نيويورك FINANCIAL TIMES
منذ أكثر من مائة عام، تراقب هيئات الرقابة المالية الأمريكية المشهد المالي، وذلك لحماية المستثمرين من المحاولات الاحتيالية والعواقب الناشئة عن الثقة المفرطة. تتركز جهود هذه الهيئات على المنتجات المألوفة مثل الأسهم والسندات،
التشديد ليس الحل السديد لتأطير العملات المشفرة

 وذلك لضمان حصول المستثمرين على معلومات دقيقة حول أموالهم. ومع ذلك، يثير اهتمام المستثمرين بالاستثمارات الجديدة في بعض الأحيان نقاشًا حول محيط الرقابة وما إذا كان من الضروري توسيعه. وتواجه هيئة الأوراق المالية والبورصة الأمريكية تحديات عدة في رفع القضايا المتعلقة بتنظيم العملات المشفرة، في حين تبحث دعوى قضائية منفصلة تماماً في قلب أكثر من 30 عاماً من الممارسات في سوق الرفع المالي.
الهدف الجدير بالثناء هو حماية المستثمر. تقلب عملة بيتكوين والرموز المميزة الأخرى وانهيار بورصة إف تي إكس كلف المستثمرين مليارات الدولارات، ويسعى وكيل دائنين إلى استرداد أموال مستثمري القروض الذين تركوا يتكبدون الخسائر عندما أفلست إحدى شركات اختبار العقاقير بعد التحقيق معها بتهمة احتيال.
من الطبيعي أن ترغب الهيئة في إخضاع هذه المنتجات للإشراف التنظيمي لهيئة الأوراق المالية والبورصات، التي تعد أشهر منظم مالي في الولايات المتحدة والمسؤولة على وجه التحديد عن حماية المستثمرين. لكن القوانين المتعلقة بهذا الأمر بعيدة كل البعد عن الوضوح، وقد تكون عواقب تجاوزات السلطات في التنظيم مدمرة للجهود الرامية للحفاظ على الأسواق الأمريكية واضحة ومستقرة.
على الرغم من الأخطار الهائلة، فإن كلا المعركتين تتحولان بشكل أساسي إلى سؤال مبهم لما تعنيه كلمة "الأوراق المالية". سعت بعض الولايات الأمريكية على حدة، بدافع انتشار استثمارات المضاربة أوائل القرن الـ20، إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد "المخططات التي ليس لها أساس مثلها مثل بيع مساحات السماء الزرقاء"، كما وصفتها إحدى أوائل القضايا.
وضعت قوانين الولايات متطلبات لعقود الاستثمار، وتبعها الكونجرس في ثلاثينيات القرن الماضي بإنشائه هيئة الأوراق المالية والبورصات وأرست المعايير الوطنية التي تنطبق على ممولي المنتجات والوسطاء والبورصات التي تبيعها.

 

لكن توجد مشكلة، فمعظم وسائل الحماية تلك، وسلطة التنظيم والإشراف التي تتمتع بها هيئة الأوراق المالية والبورصات، لا تطبق إلا عندما يستثمر العملاء في الأوراق المالية. تمت تسمية الأسهم والسندات صراحة في القانون الفيدرالي الأصلي لعام 1933، في حين من الواضح أن السلع وبطاقات البيسبول لا يتم احتسابها. يعرف المعيار الرئيس لعقود الاستثمار المستترة باسم اختبار "هووي" (اختبار يجرى لمعرفة العقود التي تصنف عقد استثمار تشرف عليه الهيئة) أتى من قضية في المحكمة العليا استمرت نحو 80 عاما تشمل بساتين الحمضيات في فلوريدا. يعرف الاختبار الورقة المالية بأنها ما يتضمن وعد من يروج للاستثمار فيها بفعل شيء محدد لتوليد الأرباح للمستثمرين.
ما زال المحامون يتشاجرون بشأن التفاصيل الدقيقة منذ ذلك الحين. عادة ما يسعى بائعو المنتجات إلى التهرب من التدقيق، في حين يتطلع المشترون إلى تطبيقه. تشرح آن ليبتون من كلية الحقوق في جامعة تولين قائلة: "إذا كانت أوراقا مالية، فإنها تخضع لتنظيم أكثر صرامة ويسهل إثبات ارتكابها مخالفات".
العملات المشفرة شوشت النقاش. غسل مسؤولو هيئة الأوراق المالية والبورصات أيديهم من بعض الأصول الرقمية في البداية، بحجة أنها ليست أوراقا مالية. لكنها في الآونة أخذت دورها المعتاد في اتخاذ الإجراءات الصارمة مع قضايا ضد "باينانس" و"كوين بايس" و"ريبل لابز" وغيرها من بورصات العملات المشفرة والجهات الراعية. تجادل جهات الرقابة بأنها لا تقدم للعملاء الضمانات المطلوبة عند التداول في الأوراق المالية.
يحذر بعض مناصري العملات المشفرة من أن هذا تجاوز تنظيمي من السلطات سيترك المستثمرين بحماية أقل في نهاية الأمر.
أصبحت عديد من الرموز المميزة منفصلة تماما عن منشئيها الأصليين - أو، مثل عملة بيتكوين، حيث لم يكن لها ممول واحد منذ بادئ الأمر. ومن غير المرجح أن تفي بمتطلبات هيئة الأوراق المالية والبورصات لتداول الأوراق المالية الأمريكية.
يقول لويس كوهين من شركة دي إل إكس لو القانونية: "إن معاملة الرموز المشفرة كأوراق مالية يعد حظرا من الناحية الفعلية. محاولة إخبار الناس بعدم فعل ما يريدون فعله أمر غير منطقي وغير ناجع".
كما عكرت قضية قروض الرفع المالي صفو المياه. فمنذ وجدت قضية قضائية عام 1992 أن حزم القروض للشركات المحفوفة بالأخطار لم تكن أوراقا مالية، انبثقت سوق بقيمة 1.4 تريليون دولار. يتنازل المشترون بعلم مسبق عن الحماية التي كانوا سيحصلون عليها من شراء السندات الصادرة عن المقترضين نفسهم، وحتى أنهم يوقعون على ما يعرف بمستندات "بيج بوي" للإقرار بما يتنازلون عنه.
عادة ما تكون الحماية الموسعة للمستثمرين سببا للابتهاج، لكن هذه الجهود الرامية لتوسيع المحيط التنظيمي محفوفة بالأخطار، خاصة لهيئة الأوراق المالية والبورصات.
وبحسب ما ورد، فقد طلب مسؤولو الخزانة من هيئة الرقابة عدم التدخل في قضية قروض الرفع المالي لأنهم قلقون من أن تشديد القوانين سيزعزع استقرار أسواق ديون الشركات المتقلقلة أصلا.
لكن نهج الإنفاذ الصارم للهيئة بحق العملات المشفرة رفضه جزئيا قاض فيدرالي في نيويورك الشهر الماضي. كما أن بعض أعضاء الكونجرس يشتكون في مذكرات قانونية من محاولة تملص السلطة التشريعية من كتابة قوانين الأوراق المالية. يمكن أن يعطي استئناف هيئة الأوراق المالية والبورصات فرصة للأغلبية المحافظة في المحكمة العليا، التي تتحدث بالفعل عن التجاوز في التنظيم، بهدف تقويض سلطة الهيئة مجموعة أوسع من القضايا.
على الكونجرس كتابة قواعد جديدة تمكن هيئة الأوراق المالية والبورصات على وجه التحديد من وضع معايير للعملات المشفرة. وإلى أن يحدث ذلك، يمكن لهيئة الرقابة مساعدة المتحمسين بطرائق أخرى، إذ يرغب عديد من مديرو الأصول الكبار في تقديم صناديق متداولة في البورصة تستثمر في بيتكوين. إذا وافقت عليها الهيئة، فهي مؤهلة بلا شك لتكون أوراقا مالية، ما يسمح للناس بوضع الأموال في الأصول الرقمية فيما لا تزال تحت حماية الهيئة. إن محاولة حشر فئات الأصول الجديدة في تعريفات قديمة ليست المسار الأكثر حكمة.



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>