رغم أن الأبحاث المتعلقة بربط أجهزة الحاسوب بدأت خلف الأبواب في المخابرات الأمريكية فيستينات القرن الماضي- لم يتعرف العامة على الإنترنت إلا منتصف التسعينات، ومنذ ذلك الحين يتبارى البشر في جميع أصقاع الأرض لتدوين معلوماتهم وتبادلها مع الغير، بدءًا بالكتابة، ثم الصور، ثم مقاطع الفيديو.
وبينما انشغل غالبية الناس في التعبير عن أنفسهم بالكتابة والتصوير والتسجيل، منذ ظهور الإنترنت حتى الآن، تفرّغ آخرون لإخفاء المعلومات عبر تشفيرها، وهذا مشروعٌ بغرض تأمين المراسلات فقط، لكنه خطير أيضًا لأنه يسمحبالتهرب من القوانين، ويُمكّن أشخاصًا من ارتكاب الجرائم بأريحية دون مطاردة من الحكومات.
قد يبدو الأمر بسيطًا، لكن حينما نعلم أن المعلومات المتاحة على الشبكة العنكبوتية، تلك التي تتاجر بها محركات البحث وعلى رأسها «جوجل»، لا تمثل سوى 3% فقط من المعلومات التي يجري تبادلها على الإنترنت، أو أكثر قليلًا.. هنا قد نتوقف لنتساءل حول ما يفعله هؤلاء المختبئون وراء الشاشات، ومدى خطورة ما يحدث على الشبكة العميقة «Deep Web».
«Deep Web» مصلح انتبه له الباحثون في وقت متأخر، بفضل عالم الحواسيب مايكل بيرجمان، الذي صاغه عام 2001، للإشارة إلى ما يحدث في الخفاء، رغم أن التنظير حوله ظهر في 1996.
ولتبسيط الصورة، يمكن أن نقول إن المعلومات تراوغ بالتحرك بين 3 أجهزة مختلفة في نفس الوقت قبل وصولها للطرف الآخر، ما يجعل تتبعها أمرًا شبه مستحيل، وفي الحقيقة يرى هؤلاء المختبئون الشاشات غيرنا، فكل شيء نراه في شكل صورة أو كتابة أو فيديو، يرونه هم مجرد أكواد على شاشة سوداء، مليئة بأوامر يكتبونها بأنفسهم، ويمكن إخفاء فخاخ داخلها تعطي سيطرة كاملة لأي شخص في أي مكان في العالم على معلوماتنا الشخصية إن لم ننتبه جيدًا.
وللدخول إلى هذا العالم، عليك حماية بياناتك أولًا، فلا مكان في الداخل للمبتدئين، إذ يمكن أن ينتهي الأمر بشخص سيء الحظ أن يتحول فجأة إلى مفلس بعد سرقة حساباته البنكية، ومن الممكن أن يطلع أحد على معلوماته الصحية ويتعرض للاختطاف وبيع أعضائه.
وفي سياق كشف الأكواد الخبيثة تجتهد أجهزة استخبارات عالمية وشركات متخصصة في صناعة برامج وأكواد دفاعية لحماية بياناتها، وكلما تتطورت طرق الاختراق تتطور في المقابل طرق التأمين.
أشكال الجريمة في الويب الخفي
ورغم الجهود العالمية للسيطرة على الـ“Deep Web”، لا يزال المجرمون يتبادلون البيانات، وإن تمكن متخصص من الولوج إلى الإنترنت العميق، باستخدام برمجيات تمويه مثل «تور»، سيفاجأ بوجود عدد ضخم من البطاقات البنكية المسروقة، تباع مجمعة، وبسعر زهيد.. فيمكن بيع بطاقة بها 4000 دولار بـ200 دولار فقط، والسر وراء ذلك أن عملية سرقة تلك الحسابات تكون بشكل مجمّع، فيكتفي السارق ببيع الخطوة التي نفذها «سرقة بيانات لعملاء بنك ما»، ويترك للمشتري مهمة صرف الأموال والاختباء من الحكومات.. أو يحاول سرقة المشتري نفسه!
وسيجد من يدخل إلى هذا المكان أيضًا مواقع لبيع الأسلحة والمخدرات والأعضاء البشرية، ولتزوير الهويات الرسمية، ولتنفيذ عمليات الاغتيال والاختطاف، فضلًا عن وجود غرف مخصصة لمرضى السادية الذين يستمتعون بتعذيب الغير، وتقدم هذه الغرف للمتفرج فرصة الدفع مقابل تنفيذ أمر تعذيب في جسد شاب أو فتاة أو طفل، ويصل مقابل الأمر الواحد لنحو 100 دولار، قبل أن تظهر العملات الرقمية، التي أعطت للعبة القط والفار التي تدور بين الحكومات والهاكرز شكلًا مختلفًا.
العملات الرقمية وارتباطها بنمو الإرهاب
كانت هناك مشكلة تواجه هؤلاء المختبيئن، وهي أن استخدام أي عملات رسمية يهدد بكشفهم، مهما حاولوا الاختباء، فيمكن للحكومات حصر حركة الأموال الرسمية بسهولة، ولم تعد المقايضة عملية بشكل كاف، لذا ظهرت العملات الرقمية، التي اعتبرها بعض الخبراء خطرًا كبيرًا على اقتصادات الدول.
العملات الرقمية ليست أشياء مادية يمكن الإمساك بها، بل مجرد أكواد مؤمنة، لا يمكن تتبّعها، ويستطيع أي شخص صناعتها أو «تعدينها» بعدد محدود، لكن ذلك يحتاج إلى قدر كبير من الكهرباء وأجهزة كمبيوتر حديثة.. وعادة تتتّبع الحكومات الكهرباء لتكشف عمّن يعدنون العملات الرقمية.. الأمر يبدو مثل شقة تستهلك طاقة تكفي مصنعًا صغيرًا.
ويمكن لأصحاب المحافظ تبادل العملات دون الحاجة لطرف ثالث «بنك»، بصورة لا يمكن للحكومات تتبّعها، وبحسب بحث لجامعة كامبريدج، في عام 2017 بلغ عدد أصحاب محافظ العملات الرقمية نحو 5.8 مليون مستخدم، ويفضل أغلبهم البيتكوين.
وبعيدًا عن انهيار العملات الرقمية مؤخرًا، شهدت تلك الأكواد المستحدثة فترات صعود قوية، واعتراف وقبول بها في بعض الدول، ولا يزال الأمر مستمرًا، فالسلفادور مثلًا اعترفت بها كعملة، واعتبرتها أمريكا وجارتها كندا شرعية، وهناك دول اختارت محاولة تقنينها واحتوائها اقتصاديًا، مثل فيتنام وجورجيا وبريطانيا ودول القارة العجوز، وهناك من قاوم، والصين الأبرز.
وخلال فترة الازدهار هذه كانت هناك مقاومة شرسة لتلك العملات، وتحذيرات جديرة بالانتباه لها، مما يمكن أن تتسبب به تلك العملات من أضرار لاقتصادات الدول، لأنها تعني تنفيذ عمليات ليست تحت سيطرة البنوك المركزية، ولا ترصدها أجهزة الدول، ويمكن أن تتضمن صفقات سلاح أو نقل معلومات بين الإرهابيين.
وبحسب ما وثقه صحفي أرجنتيني يدعى جوستافوسييرا، في دورية "إنفوباي" الأرجنتينية، يونيو 2021، فالعملات الرقمية وفرت تمويلًا جديدًا للإرهابيين في الشرق الأوسط، ويمكن أن ندرك حجم الأزمة إن عرفنا أن الإنتربول كشف عن أن تعاملات الإرهابيين بالعملات الرقمية في 2020 فقط، تجاوزت المليار دولار.
ومن بين الأدلة ما كشفته وزارة العدل الأمريكية في أغسطس 2020، عن أن "BitcoinTransfer"، وكالة تحويل عملات رقمية، تعتبر جزءًا من مخطط عالمي لتمويل الإرهاب.
في المقابل، يمكن رصد فتاوى أصدرها عناصر تنظيم داعش، في وثيقة "البيتكوين وصدقات الجهاد"، بجواز التعامل بالعملات الرقمية، وشددت على ضرورة استغلالها لتمويل الأنشطة الإرهابية لكسر النظام العالمي الكافر- من وجهة نظر الإرهابيين.
وبحسب المؤشر العالمي للفتوى، التابع لدار الإفتاء المصرية، فتنظيم داعش تحدث في 70% من فتاويه عن التمويل والعملات الرقمية والاستيلاء على الأموال وتدمير المنشآت.
ورغم عدم وجود أدلة مادية، يمكن أن نلاحظ ببساطة أن الطفرة التي حدثت في سعر البيتكوين، ارتبطت بصعود جماعات إرهابية مثل داعش، التي لم تعد مضطرة للبحث عن دولارات لإنجاز صفقاتها الدموية، بل أصبحت تفكر ببساطة في أن تحصل على البيتكوين.. وكانت الوسيلة الأسهل لتحقيق ذلك هو برمجيات الابتزاز، والنوع الأشهر هنا هو «رانسوم وير».
برمجيات الابتزاز.. وإجبار الطلاب والشركات و«الدول أحيانًا» على تمويل التطرف
برمجيات الابتزاز عبارة عن هجوم إلكتروني، يبدأ بتضليل الضحية للضغط على رابط ما أو دسّ كود ضمن برمجة نسخة تطبيق غير شرعية، ويشبه الأمر «فخ الدببة»، ومن يسقط داخله سيفاجأ بتشفير جميع بياناته، وفجأة يتحول جهازه الإلكتروني إلى خزانة مشفرة، ولا يظهر له سوى رقم حساب بيتكوين، ورسالة من شخص يطلب منه الدفع مقابل استرجاع البيانات.
الترجيحات تقول إن نشأة هذا النوع من الهجوم كانت في روسيا، ثم انتشرت إلى العالم كله، لكن لا يمكن إثبات ذلك بشكل عملي، لأن كل الأدلة المتوفرة في هذا السياق إلكترونية، ولا تستطيع توثيقها إلا أجهزة الاستخبارات أو شركات أمن المعلومات العالمية.
ولإدراك حجم المخاطر، يكفي أن نشير إلى أنبعض المخربين تمكنوا من السيطرة على بلدة كاملة في كندا، هي «واسجا بيتش» التابعةلولاية «أونتاريو»، تحديدًا عام 2018، إذ فوجئ جميع الموظفين برسائل الفدية على الأجهزة الحكومية صباحًا.
كما تضرر عدد كبير من الشركات العالمية بسبب برمجيات الابتزاز، خاصة «رانسوم وير»، مثل «فيديكس» للشحن،و«ميرسك»، و«نيسان» للسيارات، وبحسب تقديرات خبراء، يدفع الضحايا نحو مليار دولار أمريكي سنويًا.. ولا أحد يمكن أن يعرف إلى أن تذهب هذه الأموال.. لكن مع النمو الملحوظ للتنظيمات الإرهابية، وتزايد قدراتها الاستراتيجية آنذاك، اتضح أن هناك مستفيدًا.
الحقيقة أن أغلب ضحايا هجمات الابتزاز الإلكتروني لا يعرفون أن أمولهم تتحول إلى رصاص لقتل الأبرياء.
ومن أشهر هجمات الابتزاز، ما حدث في أتلانتا بالولايات المتحدة، في 2018، حينما قرر مجموعة مخترقين يطلقون على أنفسهم اسم «SamSam»، ضرب جميع أجهزة الحكومة الأمريكية هناك، ما تسبب في غلق المحكمة، وعجزالمواطنين عن الدفع الإلكتروني، وأعلنت الشرطة أنها فقدت جزءًا من أرشيفها الرقمي، والغريبة أن المبلغ الذي طلبه الهاكرز مقابل حل المشكلة كان نحو 50 ألف دولار فقط.
وليست أموالك التي قد تكون في خطر فقط، فيمكن أن تستخدم ثلاجة حديثة في منزلك لنقل معلومات بين الإرهابيين، والدليل على ذلك واقعة اكتشاف اختراق 10 آلاف جهاز ذكي منزلي، مطلع 2014، من بينها ثلاجات، وجرى استغلال تلك الأجهزة لإرسال واستقبال رسائل إلكترونية من وإلى أماكن مجهولة، بحسب منصة «mentalfloss» الأمريكية.
المهندسون أبرز المتضررين من «رانسوم وير»
جدير بالذكر أنعددًا كبيرًا من هجمات الابتزاز تستهدف الشركات الهندسية والطلاب الذين يستخدمون تطبيقات هندسية، رجح البعض أن يكون الهاكرز يخبئون الفخاخ الخاصة بهم في النسخ غير الشرعية من التطبيقات، مستغلين أن الطلاب والشركات الصغيرة قد لا تملك ثمن شراء نسخ ويندوز وبرامج أصلية.
وفي هذا السياق، أجرينا دراسة عشوائية استمرت لمدة 48 ساعة فقط لا غير، عبر نشر استبيان "Google forms" على منصة "فيس بوك"، وجهنا خلاله سؤالين لمن يقبل التعاون؛ السؤال الأول هو: "هل تعرضت لابتزاز إلكتروني مقابل الدفع بعملة البيتكوين؟"، والسؤال الثاني: "هل بلغت عن هذا الابتزاز؟".. وكانت النتائج كالآتي:


إضافة إلى ذلك، وفرنا مساحة شاغرة في الاستبيان، لكتابة تفاصيل عن الوقائع لمن يريد، وبينت الإجابات أن 6 من بين المتعاونين لم يجدوا حلًا سوى دفع المال للمبتز، وجاءت المبالغ المدفوعة على الترتيب كالتالي: (500 دولار) و(50 ألف دينار) و(150 ألف دينار) و(4000 دولار) و(4000 دينار) و(10 آلاف دولار).
طرق الوقاية من الاختراق لتجفيف منابع تمويل الإرهاب
في الماضي كان يُنظر إلى ضحايا هجمات الابتزاز الإلكتروني كأشخاص سلب منهم المال فقط، دون الاهتمام بما قد يفعله السارقون بهذا المال، وبمرور الوقت أدرك الجميع أن ما يحدث يهدد البشر ككل في جميع دول العالم، لذا أصبح تأمين المعلومات الشخصية يعني حماية المجتمعات من الإرهاب، وطريقة لتجفيف منابع تمويل المتطرفين حول العالم.
ولتحقيق أمن المعلومات، تحرص الدول على اتخاذ إجراءات مختلفة، منها:
-
حماية الخوادم أو السيرفرات التي ترسل وتستقبل البيانات داخل كل دولة، لرصد أي تسلسل غير مشروع للمعلومات.
-
تعليم الأطفال البرمجة مبكرًا لإعداد جيل قادر على مواجهة التحديات التكنولوجية.
-
توقيع بروتوكولات مشتركة لتوفير نسخ أصلية من برامج معينة للطلاب، كي لا يضطروا للتعامل مع النسخ غير الشرعية، التي تختبئ داخلها الأكواد الخبيثة.
وهناك جهود كبيرة من لحماية المراهقين والشباب من الخطابات والدعاية المتطرفة، والتي اتضح أنها تسببت في تجنيد عدد متزايد من المراهقين، وهذا ما أكده -مثلًا- التقرير السنوي الذي نشره المرصد الدولي للدراسات حول الإرهاب، مارس الماضي، في مدريد، وذكر خلاله أن نحو ثلث عدد الإرهابيين الذين ينتسبون للإسلام -الذين تم اعتقالهم في إسبانيا- لا تزيدسن الواحد منهمعن 25 عامًا.
وأظهرت دراسة أخرى نشرت في 2021، أن هناك انخفاضًا في معدل أعمار المعتقلين بسبب إرهاب "منتسبينللدين الإسلامي"،فواحد من بين كل ثلاثة معتقلين في أنشطة إرهابية في إسبانيا، كانت سنه بين 18 و24 سنة.
هذاالمعدل أقل من معدل أعمار المعتقلين في 2020، إذ كانت أعمارهم تتراوح آنذاك بين 32 و38 عامًا.
التقرير الذي سلط عليه الضوء مرصد الأزهر الشريف لمكافحة التطرف، أوضح أن وجود عدد شباب أكبر في العمليات الإرهابية من ذي قبل في إسبانيا سببه تكثيف التنظيمات المتطرفة أنشطة استقطاب وتجنيد الشباب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقل عدد كبار السن.
لا شك أن التوعية سلاح مهم، فالمواجهات الأمنية لا تكفي وحدها لمواجهة أفكار التطرف المسمومة التي تتسلل إلى عقول أطفالنا وشبابنا.
وأدعو كل المشاركين في المؤتمر لتبني توصية بإعداد استراتيجية شاملة لتوعية الأطفال والشباب بصحيح الدين، وبطرق حماية معلوماتهم وأموالهم على الشبكة العنكبوتية، وأتمنى أن يقدم الجميع مقترحات في هذا الصدد.. فالأمر جلل، ومستقبل الأجيال الجديدة يستحق العمل والتكاتف لجعله أفضل.