الازدواج البرلمانى
هو نظام تنقسم فيه المؤسسة التشريعية إلى غرفتين، لكل منهما اختصاصات وصلاحيات وتشكيل وحدود (أنظر مفهوم أو مصطلح برلمان ثقافى التمثيل).
وقد نشأ نظام المجلسين منذ البداية فى إنجلترا، وقد ارتبطت تلك النشأة بالبناء الطبقى للمجتمع الإنجليزي، بمعنى أنها لم تكن ترجع إلى إسهامات أى من فلاسفة علم الاجتماع. ومع التطور الذى لحق بالمجتمع الإنجليزى نتيجة مسايرة موجة التمدين وحقوق الإنسان، والتى دعت ضمن ما دعت إلى تذويب الفوارق بين الطبقات، والمساواة بين المواطنين، انحدرت سلطة مجلس اللوردات لحساب مجلس العموم منذ عام 1832، وتكرس ذلك دستوريا منذ عام 1911.
وقد انتقلت التجربة الإنجليزية بداية إلى الولايات المتحدة الأمريكية التى أخذت بنظام المجلسين منذ تأسيسها. وقد كان هناك جدل طويل بين الآباء المؤسسين لهذا الكيان الفيدرالى بين مؤيد ومعارض، حول شكل وطبيعة السلطة التشريعية إلى أن انتهى الأمر إلى نشأة مجلسين للنواب وللشيوخ، لكل منهما اختصاصاته، وكل منهما يمثل مصالح تختلف عما يمثله المجلس الآخر. وعامة، فقد أخذت معظم دول العالم التى تأخذ بنظام المجلسين هذا النظام عن إنجلترا والولايات المتحدة - التى تأخذ ولاياتها فى الداخل بهذا النظام أيضا باستثناء نبراسكا - بينما بقى البعض الأخر يأخذ بنظام المجلس الواحد. وقد غلب على دول المجلس الواحد صغر الحجم وعدد السكان مثل الدانمارك والسويد وفنلندا ونيوزيلاندا ولكسمبورج، والعديد من الدول النامية، والمستقلة حديثا، والشيوعية. أما الدول الفيدرالية سواء كانت كبيرة أو صغيرة فقد غلب على نظمها المجلسان كألمانيا وسويسرا والهند. وهذه الدول للمجلس الثانى فيها طريقة انتخاب وصلاحيات تختلف عن المجلس الأول، كما أن اختصاصات المجلس الثانى فيها عادة ما تكون أقل بكثير من اختصاصات المجلس الأول على الصعيدين التشريعى والرقابى. من ناحية أخرى، فإن هناك دولا ليست فيدرالية لكنها أخذت بالنظام الثنائى كاليابان وفرنسا وإيطاليا. ودولا مركزية أخذت بنظام المجلسين كمصر والمغرب وفرنسا. وعلى أية حال، فقد وردت تبريرات عديدة حول تمسك بعض الدول بمجلس تشريعى واحد، بينما صدرت تبريرات أخرى لقيام بعض الدول بالأخذ بنظام المجلسين.
فمن الناحية الإجرائية، تتمسك بعض الدول بنظام المجلس الواحد، على اعتبار أن الدول التى تأخذ بنظام المجلسين، إما تتجه إلى اختيار المجلس الثانى بنفس طريقة اختيار المجلس الأول، ومن ثم فلا جدوى من وجود هذا المجلس، وإما يتم اختياره بنظام مختلف، للحصول على سمات محددة للعضوية بالمجلس كسن العضو الكبيرة نسبيا، ومدة العضوية أيضا، وهو ما يتباين مع المبادئ الديمقراطية. وعلى العكس من ذلك، يرى مؤيدو نظام المجلسين أن المجلسين فى نظم الازدواج البرلمانى لايمكن أن يتشابها فى التشكيل، وأن ذلك لا يعنى الخلل بالمبادئ الديمقراطية، لأن الغرض من وجود المجلس الثانى هو كبح جماح الأول الذى يمثل الحماس الشعبى بحكم تشكيله ومدته وسن أعضائه وربما سن ناخبيه، ناهيك عن أن وجود المجلس الثانى سينوع من قاعدة التمثيل، ومن ثم فلن يخل بالمبادئ الديمقراطية. إضافة إلى ذلك، فإن كبر سن العضو فى المجلس الثانى مرده للحاجة إلى أصحاب الخبرة. كما أنه نظام يفيد فى حالة الدول الفيدرالية، لوجود مجلس يمثل الشعب بأثره وهو المجلس الأول، ومجلس يمثل الولايات ويمثل نزعاتها الاستقلالية بغض النظر عن مساحة إقليمها وعدد سكانها. أما فى الدول الموحدة، فإن نظام المجلسين يسهم فى التمثيل الحقيقى للمحليات خاصة إذا ما كانت طريقة انتخاب المجلس الثانى غير مباشرة.
ومن ناحية المضمون، يرى أنصار المجلس الواحد، أنه يسرع من عملية التشريع التى تعاق أساسا من خلال مناقشة الموضوع مرتين بالمجلسين، كما أن وجود مجلسين يؤدى إلى التصادم بينهما فى الاختصاصات، وإلى تجزئة فكرة سيادة الأمة بتمثيلها بمجلسين رغم وحدة السيادة أى سيادة الشعب، كما يؤدى نظام المجلسين إلى زيادة الخلافات الداخلية بالمجلس الجديد، الذى ستتجاذبه هو الآخر الصراعات والخلافات الحزبية مهما كان الغرض من نشأته. وعلى العكس، يرى أنصار نظام المجلسين، أن هذا المجلس يمنع استبداد السلطة التشريعية فى مواجهة السلطة التنفيذية، كما يحد من استبداد الأخيرة خاصة وأنها ستكون مسئولة أمام مجلسين من الممكن أن تختلف الأغلبية داخلهما. من ناحية أخرى، فإن وجود مجلسين يخفف من حدة الخلافات مع الحكومة حال نشوب تلك الخلافات، لأن أحد المجلسين سيلعب دور الوسيط لحل الخلاف بين الحكومة والمجلس الآخر. كما أنه يرفع من مستوى كفاءة المجالس النيابية، ولا يعيق عملها، ويمنع التسرع فى سن التشريع ويرشد مناقشته.
ومهما يكن من أمر وجود برلمان يتضمن مجلسا واحداً أو مجلسين، فإنه يعتقد أن هذا الأمر ليس محلا للمناقشة فى الدول النامية، بل إن تركيز النظر على شكل البرلمان فى هذه الدول أمر مبالغ فيه، إذ أن المناقشة الجدية لموضوع البرلمان فى هذه البلدان يجب أن تنصب بشكل رئيسى على سلطات البرلمان ودوره فى الحياة السياسية، وعلاقته بالسلطة التنفيذية على وجه الخصوص.