المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

التكنولوجيات وحاجة المزارعين الأفارقة

📅 04-12-2023 10:37 ص | 👁️ المشاهدات: 266 | كتب: هيبوليت فوفاك (الاقتصادية")
لطالما عانت إثيوبيا مجاعات متكررة واسعة النطاق، حدثت أبرزها في أوائل ثمانينيات القرن الـ20، عندما أدت إلى وفاة ما لا يقل عن مليون شخص، وشردت ملايين آخرين منهم. مع ذلك، أصبحت إثيوبيا، هذا العام، مصدرا صافيا للقمح أول مرة، وهو إنجاز استثنائي باعتبار تعرضها لتغيرات طبيعية وأزمات الأمن الغذائي.

بينما أسهم عديد من العوامل في هذا الإنجاز، فهو يرد أساسا للدور المحوري للتكنولوجيات الجديدة في تحويل القطاع الزراعي في إثيوبيا. إذ بزيادة غلة المحاصيل الزراعية وبناء القدرة على الصمود في مواجهة الأحوال المناخية القاسية، أثبتت هذه الابتكارات فائدتها، خصوصا في المناطق التي تواجه جفافا متفاقما، ومخاطر مناخية أخرى.

لقد كان برنامج التكنولوجيات لأجل التحول الزراعي في إفريقيا، الذي وضعه مركز تطوير الأسمدة الدولي، أداة فاعلة في استخدام التكنولوجيات الزراعية المثبتة والعالية الأداء على نطاق واسع، بهدف مساعدة المزارعين على زيادة إنتاج الدخن، والذرة، والأرز، والقمح وغيرها من الحبوب الأساسية. ونتيجة أداء هذه التكنولوجيات الذي يزيد من غلة المحاصيل، ازدادت المساحة المخصصة لأصناف القمح المقاومة للحرارة في إثيوبيا من خمسة آلاف كتار في 2018 إلى أكثر من 2.2 مليون هكتار في 2023، ما وضع البلاد على مسار الاكتفاء الذاتي في الأغذية.

لقد عجل عالم "الأزمات المتعددة" الذي يتسم بتزايد تقلبات سلاسل التوريد العالمية بالسعي نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي. إذ أدت الحرب في أوكرانيا إلى ارتفاع حاد في أسعار الغذاء في إفريقيا، حيث وصل مؤشر القمح في مايو 2022، على سبيل المثال، إلى مستويات كانت الأعلى له منذ أعوام. وتأثرت إثيوبيا على وجه الخصوص، لأنها كانت تستورد تقريبا نصف قمحها من روسيا وأوكرانيا. والآن، تتأثر القارة بشدة من حظر التصدير الأخير الذي فرضته الهند، التي تعد أكبر مصدر للأرز في العالم، على عدة أصناف.

في ظل هذه الظروف الصعبة، قد تمثل قدرة الحكومة الإثيوبية الكبيرة على استخدام التكنولوجيا لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد الزائد على استيراد الغذاء، إنجازا حقيقيا. ويعد هذا التقدم، خاصة في بلد كان يعاني مشكلات زراعية على مدى عدة عقود مهينة، بارقة أمل لإفريقيا، التي تقف على الخطوط الأمامية لمواجهة أزمة المناخ، حيث في الأغلب ما يسهم انعدام الأمن الغذائي في تأجيج الاضطرابات السياسية.

فعلى سبيل المثال، توقف معدل إنتاج الحبوب في إفريقيا عند 1589 كيلوجراما لكل هكتار، وهو أقل بكثير من المعدل العالمي البالغ 4153 كيلوجراما. وهناك عديد من العوامل المسببة لذلك، لكن أهمها هو العجز التكنولوجي المزمن. ويعد الافتقار إلى الصناعات التحويلية الزراعية والصناعات ذات القيمة المضافة العالية عقبة أخرى طويلة الأمد أمام زيادة الإنتاج الزراعي ونمو الإنتاجية في القارة، وأسهم ذلك أيضا في تفاقم خسائر ما بعد الحصاد التي تقدر بنحو 30 ـ 50 في المائة من إجمالي إنتاج الغذاء في إفريقيا.

ما يفاقم المشكلة هو الاستخدام المحدود للأسمدة في القارة والاعتماد المفرط على الزراعة المعتمدة على الأمطار. حيث بلغ استخدام الأسمدة نحو 7.6 مليون طن متري في 2021، وهي نسبة أقل بكثير من نظيرتها في شرق آسيا "61.9 مليون طن متري"، وجنوب آسيا "38.7 مليون طن متري"، بينما يعد نقص نظم الري وأدوات إدارة المياه مصدر قلق خاصا، في ظل تسارع وتيرة التغيير البيئي. لقد أدت أوجه القصور هذه إلى ارتفاع معدلات الجوع الشديد، ومعاناة عديد من المجتمعات في القارة من أسوأ أزمة غذائية لم تشهدها منذ 40 عام

إن تبعات الاضطرابات الجيوسياسية وتفاقم مخاطر المناخ تتجاوز الأمن الغذائي لتوجد حلقة مفرغة من الجفاف، والفيضانات، وعدم الاستقرار الاقتصادي الكلي، وأزمات موازين المدفوعات عبر القارة. إذ يستورد نحو 85 في المائة من الغذاء في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وأكثر ما يسبب ذلك هي الزراعة التي تعتمد على أحوال الطقس في المنطقة. والآن تنفق القارة ما يقارب 75 مليار دولار سنويا على استيراد الحبوب، ما يستنزف الاحتياطيات الأجنبية ويزيد الضغوط على سعر الصرف. "انخفضت معظم العملات الإفريقية انخفاضا حادا في 2022، مع تراجع البير الإثيوبي على نحو خاص". ويؤثر هذا الاعتماد في الاستيراد سلبا على ميزان المدفوعات، حيث تزيد الصدمات العالمية المتكررة في سلاسل التوريد من هشاشة المنطقة.

من المتوقع أن ترتفع فاتورة استيراد الغذاء في إفريقيا ارتفاعا كبيرا في الأعوام المقبلة، لأسباب منها الصدمات المستحدثة جيوسياسيا والنمو المتوقع للسكان. ولكن التغير المناخ العالمي سيغذي هذه الزيادة أيضا. إذ وفقا لمؤشر المخاطر المناخية العالمية، كانت خمس من أكثر عشر دول تأثرا بتغير المناخ في 2019 من دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تحدث ثلث ظواهر الجفاف في العالم ولكن أقل من 1 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة مجهزة بنظم الري. وتفيد تقديرات البنك الدولي أنه إذا ارتفعت درجات الحرارة العالمية إلى 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحلول 2050، فستنخفض إنتاجية المحاصيل في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بنسبة 10 في المائة.

وقد تتحقق هذه التوقعات القاتمة بالفعل. إذ من المتوقع أن يكون هذا العام الأكثر سخونة على الإطلاق بنحو 1.4 درجة مئوية فوق متوسط درجات الحرارة قبل الثورة الصناعية. فضلا على ذلك، إذا استمر التلوث في الارتفاع بالمعدلات الحالية، تتنبأ النماذج المناخية بزيادة الاحتباس بنسبة إضافية قدرها أربع درجات مئوية خلال هذا القرن. ولم تكن الحاجة إلى مزيد من الاستثمارات في تخفيف آثار تغير المناخ والتكيف معها على هذا الجانب من الوضوح يوما.

ونظرا إلى الاعتماد المفرط على استيراد الغذاء والتوقعات المناخية المخيفة، يجب على إفريقيا أن تبتعد عن نموذج الإنتاج الزراعي التقليدي الذي يعتمد على الأمطار. وعلى خطى إثيوبيا، يجب على القارة اعتماد التكنولوجيا لزيادة الإنتاجية الزراعية وتحسين الأمن الغذائي. وسيتطلب ذلك استثمارات جريئة في تكنولوجيات الزراعة الدقيقة التي تضاعف الإنتاجية في بيئة محدودة الموارد، مثل الري بمعدلات متغيرة.

إضافة إلى الابتكارات الموفرة للمياه، يجب على صانعي السياسات الاستثمار في أصناف البذور ذات الإنتاجية العالية التي تدر محاصيل جيدة في ظروف مناخية جافة، وفي المعدات الزراعية من أجل ميكنة القطاع. وسيكون تحسين البنية التحتية، بما في ذلك نظم الري التي تعمل بالطاقة الشمسية، والتقنيات الرقمية التي تتيح للمزارعين الوصول إلى نظم التحذير المبكر وتحسين الكفاءة، أمرا ضروريا.

إن استخدام مجموعة واسعة من التكنولوجيات لتحويل قطاع الزراعة في إفريقيا سيعالج المخاوف بشأن الأمن الغذائي والقضايا المتعلقة بالبيئة والاستدامة على حد سواء. ومع أن إفريقيا تضم أكثر من 60 في المائة من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، إلا أنها لم تستفد بعد من الثورة الخضراء التي عززت الغلات في أماكن أخرى. لقد تأخرت كثيرا في ذلك. وقد تصنع قساوة تغير المناخ والاضطرابات الجيوسياسية في آخر المطاف حوافز كافية لإطلاق العنان لإمكانات القارة، وضمان الاكتفاء الذاتي، وقدرا أكبر من المرونة في إنتاج الغذاء.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)