المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الحرب بين النظرية والتطبيق

📅 25-09-2026 02:31 م | 👁️ المشاهدات: 11 | بقلم: د. عادل عبد الصادق - *خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية –رئيس برنامج دراسات المجتمع الرقمي
تصاعدت العلاقة بين الأمن والتقنية فعلى قدر ما وفرت تطبيقات جديدة لتعزيز الأمن القومي إلا أنها أتاحت كذلك فرص التعرض إلى مخاطر جديدة ذات طبيعة مادية وأخرى ذات طبيعة "ناعمة" ، وفي ظل إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي لها دورا متصاعدا على النواحي المدنية والعسكرية ، وفي ظل إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة.وأضافت عملية التقدم في الذكاء الاصطناعي التوليدي أبعاد إستراتيجية جديدة لاستخدام القوة في العلاقات الدولية . وهو الأمر الذي يكشف عن متغيرين يتعلق الأول ، بالاتجاه نحو عسكرة الخوارزميات لتحقيق أهداف أمنية ناعمة ذات تأثير عميق عابر للحدود ، والثاني ،الاتجاه نحو تطوير "القوة الصلبة " من معدات وأجهزة مادية تلعب دورا في عمليات القتال والحرب ، ومن ثم فأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يحمل تغييرا ثوريا جديدا في الشئون الأمنية والعسكرية على مستوى النظرية والتطبيق . وخاصة في ظل تنامي دور المتغير التقني في إعادة هيكل القوة في النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين.

اولا ،

التأثيرات النظرية للذكاء الاصطناعي علي مفهوم الحرب والعقيدة العسكرية

 

لعبت المتغيرات التكنولوجية على مدار التاريخ دورًا مهمًا واستراتيجيًا في تغيير شكل وأسلوب الحرب، مما يحمل فرصًا وتحديات في مجال القوة العسكرية والأمنية للدولة في العصر الرقمي. أصبح التقدم التقني هو العامل الأبرز في تصنيف قوة الجيش وقدرته على تحقيق النصر العسكري، وبالتالي حسم الموقف سياسيًا. وقد حدثت هذه التغييرات الجذرية منذ منتصف القرن الماضي. العلاقة بين التقنية والحرب قديمة ومتطورة؛ فمنذ الحرب العالمية الثانية، تم توظيف الأتمتة والحوسبة في المجال العسكري.

 ومع التقدم في مجال الحواسيب، تصاعد دورها تدريجيًا في الحرب، حيث كانت بعض الطائرات ورادارات الدفاع الجوي في عام 1940 مزودة بأجهزة الإرسال والاستقبال القادرة على تحديد الطائرات المعادية. كما أصبحت أنظمة الدفاع الجوي، مثل صاروخ باتريوت، مصممة لإصابة الأهداف المعادية.

وارتبطت مقتضيات وأسس الأمن القومي بحجم التغير في البيئة الأمنية الدولية من جهة، وبمدى إدخال وتطبيق الأبعاد التقنية في مجال الحرب والأمن من جهة أخرى، خاصة في ظل صعود الفضاء السيبراني في التفاعلات الدولية. ويشكل هذا الفضاء ميدانًا مفتوحًا للحرب "المحتملة" يتسع باتساع الاندماج الوظيفي بين المجالات الدولية كالبر والبحر والجو والفضاء والمجال السيبراني، وهو ما أحدث ثورة في الشؤون العسكرية والأمنية. وفرضت هذه الثورة متغيرات جديدة في إعادة تعريف السلاح والقوة والأمن القومي ونظريات الحرب، وفي مفاهيم علم "الاستراتيجية العسكرية". وبرز مجال جديد للحرب والصراع وأنماط جديدة للدفاع والهجوم، ونتيجة لذلك ظهرت ما تُعرف باستراتيجية "التغير الثالثة"، التي ترتكز على أن الجيل القادم من الحرب سيرتبط بالتقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي.

ومع التقدم الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال المدني ظهرت المخاوف من تصاعد تطبيقاته العسكرية وخاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي والتي ترتبط بالتقدم في معالجة اللغة الطبيعية ورؤية الكمبيوتر ومؤشر كتلة الجسم وتوظيفها في الحرب والأسلحة المستقلة. ، وبدأت العديد من  الدول في إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في أفرع القوات المسلحة النظامية ، وتطوير سياستها الدفاعية والأمنية وتحديث صناعتها العسكرية ، وعقد التحالفات مع الشركاء سواء من الدول أو الشركات التقنية لتطوير منظومات الدفاع الجوي.

ويأتي هذا في ظل الانتشار السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والدمج واسع النطاق للآلات في عملية صنع القرار في الحرب بما يضيف إبعاد جديدة لمفهوم الحرب وطبيعتها ومبادئها وغيرها من المفاهيم العسكرية والأمنية.

وجاء الذكاء الاصطناعي التوليدي ليضيف بعدا جديدا كان من شانه ان غير من طبيعة وفنون الحرب على المستوى التكتيكي والعملياتي والاستراتيجي ، يتم تسهيل استهداف الأصول الإستراتيجية ،للخصم بما يغير من منطلقات الردع الاستراتيجي[1].والقدرة على محاكاة الذكاء البشري وتفوقه بما يعيد تعريف عملية صنع القرار والإستراتيجية ويؤثر في تغيير معادلات توازن القوى، وذلك مع بروز تهديدات أمنية جديدة .و دفع  ذلك  الدول الكبري الى ان تدخل ذلك التطور ضمن استراتيجيها الدفاعية والأمنية .

و يعد مصطلح "الحرب" من المصطلحات المعقدة والمركبة التي يصعب وجود إجماع حول تعريفها وتحديد ماهيتها.ويأتي ذلك مع  تغير طبيعة الحرب وخصائصها وأسلوبها ووسائل وطرق شنها ومدى التغير في شكل وخصائص الأسلحة.

وقد أطلق علماء صينيين  عليها مفهوم الحرب "المتفردة " singularity" بينما أطلق عليها الامريكين مفهوم" الحرب الفائقة " “hyperwar” ، وهو "السُرعة الفائقة لشن الحرب" وان عملية تطور الحرب وصلت إلى درجة إن وتيرة القتال أصبحت تفوق قدرة البشر على مواكبتها ومن ثم السيطرة على العمليات العسكرية ، لصالح استخدام أنظمة فتاكة مستقلة تعمل بالذكاء الاصطناعي [2] .

وتعرف وزارة الدفاع الأميركية الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل بـ " أنها نظم أسلحة بمجرد تشغيلها يمكنها تحديد الأهداف والاشتباك معها بدون تدخل إنسان أو مُشغل بشري ، وهو ما يضيف مزيدا من تغيير طبيعة الحرب والأسلحة وعمل الجيوش الحديثة. في ظل بيئة إستراتيجية لم تعد الدول تحتكر فيها التكنولوجيا المتقدمة والأسلحة بعيدة المدى، يجب زيادة سرعة وفعالية القدرات الدفاعية لمواجهة التحديات الجديدة

وأصبح مفهوم الحرب لا يتضمن فقط الأعمال العسكرية الصلبة بل يشمل كذلك القيام بالحروب النفسية والمعلوماتية المرنة ، لما تتميز به من تقليل الخسائر البشرية وغلبة الأبعاد النفسية على الأبعاد العسكرية في العمليات القتالية .وخاصة في ظل تنامي القدرات على التاثير عبر المجال السيبراني.

و تلاشي الخطوط الفاصلة بين حالة الحرب وحالة اللاحرب ، ففي هذه الحروب الجديدة لا يوجد ميدان محدد للمعركة ، وأصبحت تستهدف التحكم في إرادة الخصم وخيارته بدلا من الاستيلاء على الأرض ومحاولة كسب العقول والقلوب كمدخل لتحقيق الأهداف الإستراتيجية للدولة ، واعتماد الحرب على شن الهجمات الاستباقية، وفي تلك الحرب  لا يشارك فيها فقط القوات النظامية بل يمكن  إدخال عناصر أخري من غير العسكريين كالشركات الخاصة أو الأفراد المدنين.

وانعكاس ذلك في تصاعد القدرات العسكرية في مجال الهجوم والدفاع والردع. وفي تطوير عمل  أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.و سيكون لذلك تأثير في زيادة في تضاعف القوة القتالية الهجومية لعشرة مرات، وتقليل التكاليف المادية والبشرية وتطوير نظم إدارة الحرب والمراقبة والاستطلاع و التنسيق السريع للهجمات المشتركة.[3]

وفي ظل  حالة  الانتقال من الحرب على  المعلومات والبيانات إلى الصراع على سرعة معالجتها وتطبيقها في العمليات القتالية  استنادا على معالجة  الذكاء الاصطناعي  للبيانات الضخمة بشكل سريع وحاسم  في زمن الحرب ، وسيكون لتلك السرعة أثرا في سرعة القتال وانتشار مداه ونطاقه وتأثيراته. 

وتساعد البيانات التي يتم تحصيلها من المصادر المختلفة كالمستندات النصية والفيديو والصور الثابتة, وبيانات الاعتراض الإلكترونية وصور الأقمار الاصطناعية والمسيرات في الكشف عن الأهداف العسكرية للخصم. وفي إحداث طفرة في توازن القدرات الهجومية-الدفاعية "Offense-Defense Balance (ODB)" ،[4] ومن ثم ظهرت عملية اندماج في إدارة  المعركة أو الحرب ما بين  ، القيادة, والتحكم والاتصالات والاستخبارات والمعروفة بـ" [5](BMC3I).

ودخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي  في كل مجال من مجالات الجيش ، أي الأسلحة ، والحرب ، وجمع المعلومات الاستخباراتية ، والتحليل ، وأمن الحدود ، والأمن الداخلي ، واستراتيجيات القتال ، وعمليات الإنقاذ ، والمراقبة ، والاستطلاع .وحمل ذلك التطور في مجال  نظريات الحرب وتطبيقاتها وكيفية معالجة التدفقات الهائلة من البيانات والمعلومات  والتي يصعب على العنصر البشري تحليلها ومراقبة حركتها بينما  يقدم الذكاء الاصطناعي فرص امام السيطرة على هذا التدفق وتحليله وتحويله إلى مخرجات وقرارات في الوقت الفعلي  في ظل التقدم في تطبيقات تعلم الآلة .

وشملت اتجاهات التغيير في تطبيقات  الحرب في ظل الذكاء الاصطناعي التولبدي عدة  اتجاهات  منها ،  

أولا ، أنظمة الأسلحة المستقلة  مثل المسيرات الجوية والبحرية والروبوتات العسكرية والتي تعمل بشكل مستقل أو بأقل قدر من التدخل البشري.

ثانيا ، التطور في قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR) في ظل الذكاء الاصطناعي مع سهولة توفير تحليلات البيانات في الوقت الفعلي وتحسين الوعي بالحالة في ساحة المعركة.

ثالثا ، التطور في مجال الحرب السيبرانية التي يقودها الذكاء الاصطناعي وتأثير ذلك في الأمن السيبراني،والردع  والاستجابة للتهديدات السيبرانية .

رابعا ، توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ بما يحسن من قدرات المعدات ومواجه  أعطالها والتعرف ألاستباقي على الإخفاقات المحتملة وتقليل وقت التوقف.

وخامسا ، دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة والتحكم لتعزيز عمليات صنع القرار، وتبسيط العمليات، وتحسين الاتصال والتنسيق.

 

 

ثانيا ،الدمج ما بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي والقوة الصلبة داخل الجيوش الحديثة .

 

اندمجت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في نطاق ذلك العديد من الأسلحة والتطبيقات الأمنية والعسكرية التي تعتمد على الخوارزميات لتعزيز قدرتها على تحديد الأهداف العسكرية وإطلاق النار بدقة وسرعة أكبر.وانعكاس ذلك فى إحداث تغير فى الشئون العسكرية والامنية سواء على مستوى السياسات أو التطبيقات .

ودخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في كل مجال من مجالات الجيش ، أي الأسلحة ، والحرب ، وجمع المعلومات الاستخباراتية ، والتحليل ، وأمن الحدود ، والأمن الداخلي ، واستراتيجيات القتال ، وعمليات الإنقاذ ، والمراقبة ، والاستطلاع ، وأصبحت الجيوش الحديثة تتجه للاستثمار في تلك المجالات الجديدة سواء عبر قدراتها الذاتية أو عبر التحالف مع غيرها.

والتى كان من أبرزها استخدام المسيرات فى العمل العسكرى وقتل الجنود وامكانية اختراق الاجهزة لتعطيلها وإحداث أضرار بالبنية التحتية الحرجة أو التحكم فى نظم التحكم والسيطرة، والقرصنة والاختراق والتخريب أو دمج البعد المادى بالسيبرانى بتفخيخ الأجهزة وإلحاق أضرار مادية سواء ضد الافراد او المنشآت، وتعمل القنابل الالكترونية فى تعطيل كافة الأجهزة الالكترونية عبر الموجات الكهرومغناطيسية، واعتماد الأسلحة السيبرانية على التشويش والتعمية بدلا من قوة النيران.

واصبح للذكاء الاصطناعي  دورا في  تطوير الأسلحة ، ورفع كفاءة أفرع القوات المسلحة ، وتطوير أنظمة  الدفاع الجوي التكتيكية والإستراتيجية، والعمل على تحديث  نظم التسلح والقدرات الدفاعية والهجومية ،وتتميز بقلة التكلفة مقارنة بتحديث نظم التسلح التقليدي ،والعمل على دعم كفاءة  نظم القيادة والسيطرة و اتخاذ القرار. وتخفيض المخاطر التي تواجه القوات خاصة في مجال النقل والاستطلاع والإمداد والتموين  ، والتحليل السريع للبيانات الضخمة وتحسين كفاءة نظم الإنذار المبكر و التنبؤ بالأعطال أو نقص المعدات وتطوير نظم محاكاة العمليات القتالية ،و اكتشاف العناصر المعادية ، والتمييز بين  الأهداف المتحركة والثابتة ،والتدخل في حالات الأزمات والكوارث  والتدريب.ويمكن للروبوتات العسكرية تحقيق عدد من المزايا لعل أهمها قدرتها على العمل في ظروف مناخية قاسية ،ودون مطالب مماثلة للعنصر البشري ،أو إن تكون عامل  مساعد للجندي في العمليات القتالية كتقديم خدمات  تساعد في اتخاذ القرار وحل المشكلات وتقدير الموقف بشكل لحظي وآني  .

وتساعد خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الرادارية  والتدريب على فهمها والقدرة على تمييز الخطر ،وخاصة إن  قدرة القادة في الميدان على  كشف التهديدات بشكل أسرع   تمنحهم أكبر قدر من الوقت لتحديد ماهية التهديدات وكيفية التعامل معها ،ويأتي إلى جانب تعزيز قدرات الدفاع الجوي لمواجهة  المسيرات بكل أحجامها ومستويات طيرانها .

 يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في قطاع الإمداد والتموين والنقل العسكري، بما يساهم في   خفض التكلفة والجهد وإدارة امثل للموارد العسكرية والبحث عن ثغرات والتنبؤ بها بما يحسن من دور قطاع النقل في العمليات الحربية.يتم توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم القدرات في مجال التدريب والمحاكاة على النحو الذي يوفر الفرصة للجاهزية القتالية وفهم المهارات القتالية بشكل يقارب ما يتم في الواقع الميداني. وتطوير استراتيجيات الهجوم والتعامل مع الظروف الديناميكية للحرب كالأسلحة والحلفاء والنتيجة والتدخل وهو ما يؤثر في نتائج الحرب وعملية صنع القرار .

ومن شأن تلك الأسلحة المستقلة إن تسمح بخوض النزاعات المسلحة على نطاق أكبر من أي وقت مضى ، وعلى فترات زمنية أسرع مما يفهمه البشر،  و يمكن استخدام الأجهزة المستقلة المزودة بالذكاء الاصطناعي بما في ذلك المسيرات الجوية والبحرية لتحقيق مزايا تكتيكية في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في ساحات القتال.

وتساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تقديم  معلومات إستراتيجية عن أماكن الاستهداف في العمليات الحربية عن طريق نظم التحكم والقيادة من  قوة القوات الجوية ، ويمكنها من التمييز ما بين القوات الصديقة وقوات الخصم ،وبخاصة مع توظيف الأقمار الاصطناعية، والكشف عن مواضع الضعف اللوجستي ، وتوجيه  أسراب من المسيرات في وقت متزامن وبتشكيل هجومي موحد بما يعمل على إرباك الجيش النظامي والدفاع الجوي للخصم، ويسرع من وتيرة العمليات العسكرية  [6]

ومن شان تصاعد استخدام  المسيّرات في الصراع الدولي إن يتم التأثير على مستقبل الحرب وتطورها، والتي أصبحت تعتمد  على استخدام بيانات الكاميرا بدلاً من نظام تحديد المواقع العالمي، وهو استخدام تطور منذ عام 1980 ولكن ساعدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحسين معالجة الكومبيوتر الآلي والخوارزميات وأجهزة استشعار الكاميرا وفي نفس الوقت  تفادي الهجوم والتشويش علي نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).وذلك مع ظهور سباق تسلح في مجال أنظمة الأسلحة ذاتية التوجيه .

وفي ظل التوقع بان تساهم في تشكيل النظام الدولي، مثل الدور الذي لعبته الأسلحة النووية  بعد الحرب العالمية الثانية ، وأصبح  التخلف في تلك المجالات المتقدمة  يحدث ثغرات للتهديدات الأمنية الجديدة. وخاصة في ظل التداخل المعقد ما بين الأمن القومي وروافده من الأمن الاقتصادي والثقافي والسياسي والاجتماعي. وفي ظل التوظيف الأمثل لعلاقة الإنسان والآلة في العمل العسكري .[7] ويتوقع أنه بحلول منتصف القرن 21 أن يكون الجيش مزيجاً من الروبوتات والذكاء الاصطناعي [8]،

 

 

ثالثا ،

توظيف الذكاء الاصطناعي في الشئون الأمنية والاستخباراتية

 

شهد المجتمع الدولي زيادة في تنامي  فرص التعرض إلى مخاطر جديدة  ليست فقط ذات طبيعة مادية بل أخرى ذات طبيعة "ناعمة وبرز تصاعد في الأنشطة السرية والتجسس وجمع المعلومات ، وتوظيفها في السياسة الخارجية للدول ،.وإحداث ذ لك تغير في ممارسة وسياسات أجهزة الاستخبارات الدولية و طرق عملها وفاعلية أنشطتها وجمع المعلومات وتقليل تكلفتها وانتقالها وحمايتها، وإنشاء قواعد بيانات عن الدول والأشخاص والتقديرات وشن الحرب النفسية عبر التأثير في الرأي العام المحلى والعالمي. والتي قد تتم بالتزامن أو بدون مع العمليات العسكرية على الأرض.

ويؤدي توظيف  الذكاء الاصطناعي سواء عبر الخوارزميات او الروبوتات "البوتات" في معالجة تلك البيانات الضخمة والمساعدة في صنع القرار ، وذلك الي جانب مخاطر نشر الأخبار المضللة والمزيفة لتضليل الرأي العام ،و بناء تصورات وادراكات غير حقيقية ،وبما يكون لها دور في اتخاذ قرارات خاطئة ومن ثم  تقويض الاستقرار الاستراتيجي. ،وتعزيز القدرات في مجال التلاعب بالعمليات الديمقراطية وتعزيز التدخل فى الشئون الداخلية لدعم المعارضة والتشجيع على العصيان المدني أو العسكري ، وذلك الي جانب القيام بعمليات التجسس وتجنيد العملاء وتوظيف الوسائل التقنية للرصد والمراقبة عبر مصادر بشرية أو تقنية مثل أقمار التجسس أو البرمجيات

وارتباط ذلك  بتصاعد دور المعلومات الاستخباراتية المفتوحة المصدر OpenSourceIntelligence والتي تشكل مصدر مهم لوكالات الاستخبارات الدولية ، والتي ترتكز على متابعة فقط ما يتم نشره من محتوى سواء عبر الشبكات الاجتماعية او صور الاقمار الاصطناعية المتاحة ومراقبة حركة السفن والطائرات والمنشآت العسكرية وغيرها والتي يتم توظيفها امنيا ثم عسكريا

وتساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إحداث طفرة في عمليات المعلومات  والاستخبارات مع قدرتها غير المسبوقة في النشر السريع والكثيف وإنتاج المحتوى بكافة صوره على نحو يضاهي الحقيقة بما يجعله قادرا على النفاذ والتأثير خاصة عبر  منصات وسائل التواصل الاجتماعي ،  ويأتي ذلك في ظل تصاعد أهمية البيانات والمعلومات في القرن الحادي والعشرين والتي أصبحت وقودا للذكاء الاصطناعي وتحمل أبعادا تقنية واقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وثقافية ، وفي تعزيز فرص  تكوين الثروة والنفوذ والهيمنة ، وساعد على ذلك البيئة الرقمية والاتصالية  عبر الحدود ، و فرص  التأثير في الرأي العام المحلي والعالمي  وخاصة في ظل تراجع الدولة الوطنية في مجال الإعلام الجماهيري.

ومن شأن توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الامني ان يساهم في ، عدد من  المتغيرات لعل اهما المتغير الاول ،  زيادة معدلات وكثافة نشر المعلومات المضللة بما يزيد من فرص التلاعب بالراي العام والمساهمة في عدم الاستقرار ، ـ  

والثاني ، تزايد الفرصة لتشويه الذاكرة التاريخية والحضارية بما يمكن ان يخلق انقسامات اجتماعية وثقافية بما يؤثر عل فرص تأجج النزاع  والصراع .والمتغير الثالث ، بتعظيم القدرة في شن العمليات النفسية المتقدمة والأكثر استهدافًا وفعالية واختراقا للكتله الحرجة داخل المجتمع ، وهناك متغير رابع يرتبط بتصاعد فرص زيادة العنف الاجتماعي عبر إنشاء محتوى يخالف القيم والعادات ويقوض التماسك الاجتماعي ، وينشر العنصرية والكراهية علي أساس جنسي او عرقي ، والمتغير الخامس ، يرتبط بتصاعد الفجوة الرقمية وارتباط من يملك عل التاثير هو من يملك  الاموال .

والمتغير السادس ، زيادة انتشار التزييف العميق بما يكون له تأثيرات اقتصادية تشمل التأثير في الأسواق المالية والثقة في الاقتصاد . والمتغير السابع ، زيادة فرص التأثير في الأمن السيبراني عبر توظيف الذكاء الاصطناعي الي جانب فرص التجسس والتجنيد والاختراق الأمني.

 

 

رابعا ،

محفزات السباق العالمي نحو التطبيقات العسكرية والأمنية للذكاء الاصطناعي

 

اولا ، فرضت  الثورة الصناعية الرابعة فرص جديدة  للتقدم الاقتصادي وانعكاسه على القوة الإستراتيجية الشاملة للدولة . وأصبح هناك وعي متصاعد لدى القوى الدولية بأهمية تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحول ميزان القوى في النظام الدولي وباتت العديد من الدول تدرك إن من يحكم سيطرته على الذكاء الاصطناعي سيكون له الغلبة والثروة والهيمنة

ثانيا ، الحصول على مزايا إستراتيجية في زمن الصراع أو الحرب ،مع الارتفاع في حجم التهديدات والتوترات الجيوسياسية، وهو ما يدفع العديد من الدول إلى الولوج إلى تلك القدرات لتحصيل  التفوق والسبق والهيمنة مقارنه بخصومها التقليدين أو المحتملين على المستوى الإقليمي أو الدولي

ثالثا ، إمكانية انتشار القوة مع  الرغبة في اغتنام  القدرات العسكرية للذكاء الاصطناعي مع  انخفاض تكلفتها،وإتاحته تطويرها أمام دخول فاعلين من الدول الصغرى والمتوسطة في النظام الدولي والفاعلين من غير الدول في مقابل احتكار عدد من القوى الكبرى للتقدم في مجال الأسلحة أو القدرات العلمية والتقنية ، ومتجاوزا للمزايا الكمية للأسلحة التقليدية .

رابعا، منح تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية قوة إضافية للدول الصغرى و "مضاعفا للقوة" ضد المنافسين الأكثر اكتظاظا بالسكان  وبمواجهة تحديات تعبئة رأس المال البشري.والذي يؤثر في حجم  القوات المسلحة  بينما يضمن  دمج الذكاء الاصطناعي في الجيش  فعالية عالية مع تقليل التكاليف الاقتصادية والبشرية.

خامسا ، اهمية التطبيقات العسكرية والأمنية للذكاء الاصطناعي في دعم  السيادة الوطنية والاقتصادية والسيبرانية ،ودورها في امتلاك قدرات الردع في مواجهة تنامي قدرات الخصوم او بتنامي حجم التهديدات ،وذلك  مع تغير طبيعة التسليح وتكلفته وصعوبة  فرض قيود او مراقبة عليه كما كان يتم التعامل مع الأسلحة المتقدمة في السابق.

سادسا ، تصاعد سباق تسلح بين القوى الكبرى في الاستحواذ على تلك القدرات التدميرية لنظم القتال الذاتية مثل المسيرات القتالية والمحملة بالأسلحة والمتفجرات والتي يتم التحكم بها عن بعد، أو الروبوت المقاتل ،ويتم ذلك عبر تطوير أسلحة قائمة  أو  إنتاج أسلحة جديدة متقدمة أكثر تدميرا  سواء بجهود ذاتية أو بتعاون او تحالف دولي.

سابعا، تصاعد التنافس الدولي على عسكرة الفضاء الخارجي لدورها المتنامي في تأمين الاتصالات العسكرية وتصاعد القدرات في مجال تطوير اسلحة موجه للاقمار الاصطناعية  ، ونظم التشويش على نظام تحديد المواقع (GPS) وخاصة في الصراعات الدولية ، وتصاعد الاتجاه الي الانترنت الفضائي مع تصاعد دوره في الحروب الحديثة وهو ما يكشف الدور الذي تقوم به شركة ستارلينك في الصراع مابين روسيا واوكرانيا 

ثامنا ، الاتجاه الى الاستثمار في تطبيقات الردع ضد عسكرة الذكاء الاصطناعي ،والتي كان من ضمنها محاولة تطوير القدرات المتعلقة سواء بالدفاع الجوي او فيما يتعلق باسلحة مواجهة المسيرات تقنيا وعسكريا  القائمة على مبادئ فيزيائية جديدة، كأسلحة الليزر، وأسلحة النبض الكهرومغناطيسي ودمج قدرات الحرب الإلكترونية، وتشويش الاتصالات ، وتطوير تقنية شبكات تحت البحر "تشبه نظام تحديد المواقع العالمي.

تاسعا، تصاعد دور الجيل الجديد من المسيرات مع  دخول تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتي تنوعت وظائفها ما بين مهمة استخبارية و استطلاعية او تفجيرية او انتحارية ، وقدرتها على التخفي من الرادارات وحمل المتفجرات او الصورايخ بالإضافة إلى التنوع في احجامها ومستويات طيرانها والتي يمكن ان تحل المسيرات والأسلحة ذاتية القيادة مكان الدبابات والمدفعية وقذائف الهاون.

عاشرا ،تصاعد أهمية الحوسبة الكمية والرقائق المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي و بروز مراكز البيانات كمفاعلات لإنتاج وتطوير أسلحة الذكاء الاصطناعي بما يمكن ان يحولها إلى هدف عسكري في المستقبل

أخيرا ،ارتباط السبق في مجال الذكاء الاصطناعي بالصراع على تراتبية القوة في النظام الدولي وخاصة مع توقعات بقرب لحاق الصين بالتفوق الامريكي ومن ثم كان الحرب التجارية محاولة لعرقلة التقدم الصيني في صناعة الرقائق الرقمية  ولكن دخلت شركة بيادو المجال بالتعاون مع شركة هواوي والتي أصبحت من اكبر مصنعي الشرائح وهو ما يعزز من سياسة الاكتفاء الذاتي الصينية. 

 

خامسا ،

مؤشرات تصاعد سباق التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي 

 

في الماضي كانت معظم سباقات التسلح ذات طبيعة كمية بينما احدث الذكاء الاصطناعي  تطويرا في مجال التسلح وإعادة تعريفه وتحويلها إلى سباقات أكثر نوعيه ترتكز على الإبداع والابتكار.وشهد عام 2024 اتجاهات لزيادة حدة التنافس بين الدول الكبرى للاستحواذ على المقدرات الجديدة للذكاء الاصطناعي ، وهو الأمر الذي انعكس في  نمو في سوق التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي سواء فيما يتعلق بالخدمات او المعدات او البرمجيات ، واتجهت العديد الدول الى تحديث استراتيجياتها الدفاعية والأمنية . وبرز ذلك بعدة مؤشرات منها زيادة الإنفاق العسكري بشكل عام  وتطوير القدرات الوطنية في مجال أسلحة الذكاء الاصطناعي على نحو خاص ،على المستوى  الهجومي والدفاعي. 

وزيا دة التوتر حول تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مثل تأمين سلاسل الإمداد والرقائق الرقمية ومراكز البيانات والإبداع والابتكار،  والصراع ما بين الشركات التقنية الكبرى على الاستثمار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ، وحجم وضخامة الاستثمارات الموجه للذكاء الاصطناعي ، وحجم الإنفاق على  البحث والتطوير والقدرات في مجال الابتكار والإبداع ، والقدرة على تبني معايير تنظيم الذكاء الاصطناعي .

وفي فبراير 2024 أعلنت الصين وروسيا اتفاقهما على التشاور والتنسيق بينهما بشأن الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، وهي التقنية التي أصبحت جبهة جديدة للمنافسة بين بكين واشنطن. وياتي ذلك في ظل قضايا جديدة من قبيل  "أمن الفضاء الخارجي والأمن البيولوجي والذكاء الاصطناعي"،والتي تعكس التنافس الجيوسياسي بين القوى الدولية في المستقبل.

وفي ظل وجود  فجوة عالمية متسعة ما بين الشمال والجنوب وما بين الدول المتقدمة والنامية بعد ان أصبحت للشركات التقنية الكبرى دورا فاعلا في التطور وتحريك الصناعة في مقابل تراجع دور الدولة.

https://wei.org.pl/wp-content/uploads/2023/09/wykres-2-1.png

توقعات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مابين الصين والولايات المتحدة وباقي دول العالم(2022-2030)

 

ونما سوق التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي ليصل الى 9.86 مليار دولار في عام 2024  بنسبة نمو 16.6% في مقابل  8.45 مليار دولار في عام 2023، ومن المتوقع أن يشهد الذكاء الاصطناعي في حجم السوق العسكرية نموًا سريعًا في السنوات القليلة المقبلة ليصل إلى 17.65 مليار دولار في عام 2028 بمعدل نمو سنوي يصل الى 15.7%، ويتوقع ان  يرتفع السوق بحلول عام 2032 إلى 24.7 مليار دولار أمريكي.وان يرتفع الطلب على مكونات الرقائق الأساسية مثل تصميم الدوائر المتكاملة وحقوق الملكية الفكرية ذات الصلة بنسبة 30% أو أكثر بحلول عام .2026. وبلعت تكلفة مراكز البيانات الأكبر حجماً في عام 2024 ما بين مليار و4 مليارات دولار والتي يتوقع ان تصل إلى ما بين 10 مليارات دولار و25 مليار دولار في غضون الخمس سنوات القادمة. في ظل توقعات بالتوسع السريع في أسواق المسيرات، والأنظمة المضادة لها. حيث بلغ حجم سوق الطائرات المسيرة في عام 2024 نحو 12 مليار دولار، بإجمالي 17 ألف وحدة.

و من حيث الإنفاق العسكري، تتصدر الولايات المتحدة عالميا بقيمة 877 مليار دولار، مما يشكل 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي. وخاصة بعد  ان عدل  البنتاجون سياسته بشأن الأسلحة المستقلة لتعكس التقدم في الذكاء الاصطناعي . وللجيش الأمريكي أكثر من 800 مشروع نشط متعلق بالذكاء الاصطناعي وتم طلب تمويل  بقيمة 1.8 مليار دولار في ميزانية 2024 . وحث  بايدن على التعاون مع أوربا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ، وعدم السماح بتهديد مركزها المتقدم من قبل قوى أخرى وبخاصة مع التقدم الصيني المتسارع لسد الفجوة وأعلن الجيش الصيني عن رغبته في تطوير عملاء العمليات الخاصة الآليين يعملون بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2035 ويتوقع ان يصل حجم إنفاق الصين في سوق الذكاء الاصطناعي  إلى26,44 مليار دولار في 2026.

وفي العقد القادم. سيتم شراء أكثر من 80,000 طائرة مسيرة للمراقبة وحوالي 2,000 طائرة مسيرة هجومية حول العالم. وتقدر وزارة الدفاع الأمريكية أنه بحلول عام 2035، ستشكل الطائرات التي يتم التحكم فيها عن بُعد 70 % من سلاح الجو الأمريكي. .

 

 

 

حجم السوق العالمي للتطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي 2024وتوقعات 2028

 

 

 

سادسا ،تصاعد تهديدات الذكاء الاصطناعي للأمن والسلم الدوليين

 

اولا ،  تصاعد المخاطر الذاتية لعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية  مثل مدى قدرتها على الامتثال لقوانين الحرب ،وحماية غير المقاتلين و المنشآت المدنية، وضمان أن يتناسب الضرر مع الأهداف العسكرية ، وتوظيف المسيرات يساعد الجهات الفاعلة من التهرب من المسئولية القانونية عن جرائم الحرب وهو ما يكون من شانه ان يحدث 'فجوة المساءلة' ما بين المشغل او المستخدم او المصنع او المبرمج لها ، وتأثير ذلك على وجود تهديدات جديدة لحقوق الإنسان وانتهاك الخصوصية و بناء تصورات وادراكات غير حقيقية عبر صعود التزييف العميق للذكاء الاصطناعي ،وبما يكون له دور في اتخاذ قرارات خاطئة ومن ثم  تقويض فرص السلام الدولي .

ثانيا ، تصاعد  المخاطر التشغيلية للتطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي والتي تربط بتحيز المصادر الفنية أو التقنية في حالة عدم توافر  تدريب قائم على بيانات واقعة وآنية بما يجعلها تتخذ قرارات خاطئة ، وارتباط أسلحة الذكاء الاصطناعي بتعدد الأنظمة وبرامج التشغيل دون إن تعمل في إطار نظام يدمجها في آلية واحدة للحيلولة دون التعرض إلى مشكلة "ضباب الأنظمة" المشغلة ويأتي الى جانب ذلك امكانية تحيز المصادر البشرية ، وإمكانية التلاعب في البيانات المغذية للأنظمة و تأثير خصائص عمل النظام الداخلي للذكاء الاصطناعي في القرار ثم التنفيذ بشكل أسرع  قد لا يخدم الإدارة الفعالة  للازمة وخاصة مع تعقد المشكلات و أبعادها وأطرافها وفي ظل تغير متوقع للظروف المحيطة

ثالثا ، تصاعدت المخاطرالإستراتيجية للتطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي وذلك نتيجة الاتجاه الأكبر نحو العسكرة وانتقال تكلفة الحرب إلى المدنيين  أو المنشآت المدنية وخاصة في ظل إمكانية توجيه الأسلحة ذاتية القيادة لشن هجمات عشوائية وغير تمييزية . وإمكانية تصاعد الانخراط في الصراع  الدولي لما توفره من مزايا إستراتيجية و سرعة تنفيذ العمل العسكري بما يعزز من فرص حدوث التطور المفاجئ للحرب. وقد يغري  تعاظم القدرات العسكرية للأطراف  للقيام بهجمات  ضد الأهداف الإستراتيجية  للخصم وشل نظم التحكم والسيطرة والاتصالات أو في عمل نظم الإنذار المبكر أو في  ضرب نظم الصورايخ والطائرات ،وهو ما يعمل على تعطيل فرص التهدئة والمفاوضات جراء هذا التصعيد .

وتؤدي عملية تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتكتيكات العدو أو بنشر المعلومات عن القوات أو وضعية الأهداف الإستراتيجية وهو ما يدفع الخصوم للقيام بهجمات استباقية لتدمير تلك القدرات قبل إن تشكل خطرا عليها ، وهو ما يزيد من خطر تصاعد الأعمال الانتقامية في العلاقات الدولية ، والمخاوف من مركزية الاستحواذ عليها  من قبل  حفنة من الشركات التقنية أو الدول الكبرى .،التهديد بوجود سوق سوداء لبيع أسلحة الذكاء الاصطناعي  ووصولها إلى فاعلين آخرين كالجماعات الإرهابية أو الإجرامية وبما يهدد كذلك بإحداث فوضى  في الانتشار وفي الاستخدام بما يجعل هناك صعوبة في السيطرة عليها.ومن شان ذلك التأثير على مستوى الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي.

 

رابعا ، عسكرة الذكاء الاصطناعي وصعود الساحات الأمنية الجديدة

الاولى ،تتعلق بتاثير  الذكاء الاصطناعي  في الأمن السيبراني مع قدرته الفائقة في تطوير برامج ضارة أكثر ضراوة ، والكشف عن نقاط الضعف واستغلالها  وإصابة نظم القيادة والسيطرة. وتحسين القوة السيبرانية سواء على مستوى الهجوم أو الدفاع أو الردع أو بشن هجمات الفدية والأخبار الزائفة والقرصنة واستخدام الأسلحة السيبرانية بشكل سريع ومكثف.وفي إطار تصاعد توظيف الذكاء الاصطناعي في الصراع السيبراني

والثانية ، تتعلق بالذكاء الاصطناعي في أنظمة الأسلحة التقليدية. حيث  تساعد عملية دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الأسلحة التقليدية ،في تطوير القدرات التدميرية لها . وفي دمجها مع جيل جديد من الأسلحة الذاتية  مثل المسيرات التفجيرية أو الانتحارية الموجه ضد الأفراد أو المنشآت المدنية  ، أو بتطوير عمل  الصواريخ الهجومية أو في تطوير ظهور أسلحة تدميرية جديدة.

والثالثة ، ترتبط بالعلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأمن الفضائي ، حيث يساعد الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة فضائية سيبرانية تعمل في مجال شن الهجمات أو الدفاع ضد البنية التحتية الفضائية ، و توظيف الفضاء في  تقديم خدمات الانترنت والاتصالات وجمع البيانات العسكرية على الأرض وهو ما يكشف عن دور الفضاء في تعزيز القدرات العسكرية الدفاعية الهجومية. ،

الرابعة ،  تصاعد العلاقة بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأسلحة الدمار الشامل  والتي منها علاقته بالأمن البيولوجي بمعرفة كيفية تركيب الجزئيات البيولوجية. والعلاقة مع الأسلحة الكيميائية فيما يتعلق بكيفية تغيير برامج اكتشاف الأدوية مفتوحة المصدر.والتي يمكن أن تولد الآلاف من الأسلحة الكيميائية الجديدة..ودخل الذكاء الاصطناعي في عمل المفاعلات النووية. وأتاح فرص لتسريع التقدم في تحقيق طاقة الاندماج من خلال تعظيم كمية المعلومات المستخرجة من البيانات التجريبية والمحاكاة

 

 

تاسعا ،   خاتمة

  نحو حوكمة الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي

 

 

في خضم تصاعد التوترات الدولية وعسكرة العلاقات بين القوى الكبرى، ظهر الجيل الجديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتغلغله في المجالين العسكري والأمني، مما يثير مخاوف متزايدة بشأن الأمن العالمي. تتشعب التحديات في هذا المجال إلى عدة محاور رئيسية: أولاً، ضرورة تنظيم قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية؛ وثانياً، كيفية التحكم بهذه التطبيقات لضمان عدم خروجها عن السيطرة البشرية وإلحاق الضرر بالبشرية؛ وثالثاً، مدى إمكانية تطبيق قوانين الحرب على أسلحة الذكاء الاصطناعي. ومع اتجاه الدول لتطوير قدراتها السيبرانية ودمج الذكاء الاصطناعي في تطبيقات الأمن والاستخبارات والحرب، تواجه جهود فرض حظر على تطوير أو إنتاج أو نقل أسلحة الذكاء الاصطناعي صعوبات جمة ترجع إلى اعتبارات تقنية وعملية.

هذا الواقع يكشف عن تباين في التعامل مع هذه الأسلحة مقارنة بالخبرة الدولية المكتسبة مع أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية، نظراً لاعتمادهما على تقنيات مختلفة. يضاف إلى ذلك التداخل المعقد بين الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل وتقنيات تخريبية أخرى مثل الروبوتات القاتلة أو الخوارزميات العدائية، وصعوبة التمييز بين الاستخدام الهجومي والدفاعي، خاصة مع تداخل الاستخدامات المدنية والعسكرية، وصعوبة الفصل بين المنشآت أو الأفراد المحميين بموجب القانون الدولي الإنساني. نظراً للطبيعة المعقدة للحرب في الصراع السيبراني، واستحالة تطبيق نموذج الحوكمة النووية على أسلحة الذكاء الاصطناعي

يفرض هذا الواقع ضرورة أن تكون الجهود الدولية لتنظيم الأسلحة القائمة على الذكاء الاصطناعي أكثر سرعة وديناميكية، مع فهم عميق لحجم التطور المتسارع في هذه التطبيقات. إن استخدام هذه الأسلحة يتم غالبًا دون اختبار كافٍ، ويصعب إخضاعها للرقابة المسبقة أو التفتيش قبل الاستخدام، وهي إجراءات كان من الممكن أن تحد من تأثيراتها السلبية. إن الانتشار غير المنظم لهذه الأسلحة قد يؤدي إلى فوضى دولية، ويسهل وقوع الأسلحة ذاتية القيادة في أيدي المستبدين من الحكومات أو الجهات الفاعلة من غير الدول كالجماعات الإرهابية أو الإجرامية. تكمن خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي أيضًا في تأثيره على انتشار المعلومات المضللة، والتجسس، وسلامة النظم الانتخابية.

ما يزيد من مخاطر هذا الوضع هو أن قرار استخدام الأسلحة والاختراعات البشرية كان يقع في الماضي تحت سيطرة وقرار الإنسان، في حين أن أسلحة الذكاء الاصطناعي تتحرك تلقائيًا دون الرجوع إلى المشغل البشري، لكونها مبرمجة للتحرك الذاتي بناءً على معطيات مُدخلة مسبقًا، وهذه المعطيات قابلة للتغيير المستمر، مما قد يخلق فجوة بين أهداف المشغل ونتائج استخدامها.

ومع ذلك، لا يمنع هذا بالضرورة التوصل إلى مبادئ أخلاقية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري. فقد نُشرت القواعد الأولى لتطوير الأسلحة المستقلة قبل عقد من الزمان، وأُنشئ مركز الذكاء الاصطناعي المشترك التابع للبنتاغون قبل خمس سنوات لاستكشاف كيفية استخدام هذه التكنولوجيا في المعارك.

كانت الجهود المبذولة لوضع قواعد دولية للطائرات العسكرية دون طيار غير مثمرة، حيث لم تُحرز محادثات الأمم المتحدة غير الرسمية التي استمرت تسع سنوات في جنيف أي تقدم يُذكر بسبب معارضة الدول الكبرى. ومع ذلك، تم إطلاق المبادئ الإرشادية بشأن أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل المميتة لعامي 2018-2019، والتي تبنّت عبر اتفاقية حظر أو تقييد استخدام أسلحة تقليدية معينة، بالإضافة إلى التوصيات بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي تبنتها منظمة اليونسكو في عام 2021. وتسعى الأمم المتحدة إلى التوصل إلى وثيقة ملزمة قانونيًا بحلول عام 2026 لحظر استخدام الأسلحة الذاتية المميتة.

والتحرك لتحميل  المسؤولية عن استخدام أسلحة الذكاء الاصطناعي على البشر ، وان تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري على شفافية الإعلان عن الخوارزميات المستخدمة ، والحد من توظيفها في صناعة التحيز في العلاقات الدولية .واقترح أنطونيو جوتيريش أمين عام الأمم المتحدة تأسيس وكالة دولية مشابهة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، والتي تأسست  عام 1957 وقامت على أساس دعم  الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية وعدم استخدامها بطرق تعزز الأغراض العسكرية. وضمان عدم تحويل المواد النووية في الدول غير الحائزة على الأسلحة النووية إلى برامج عسكرية.، وكان ذلك محركا لتبني معاهدة حظر الأسلحة النووية عام 2017.وتبني معاهدات الحد من التسلح مثل معاهدة منع الانتشار النووي.،



[1] Zachary Davis, Artificial Intelligence on the Battlefield, Institute for National Strategic Security, National Defense University, PRISM , Vol. 8, No. 2 (2019), pp. 114-131.https://www.jstor.org/stable/10.2307/26803234

[2]  Michael C. Horowitz and Paul Scharre,Military Uses of AI: A Risk to International Stability?,  Center for a New American Security, (2021),pp5-6

: https://www.jstor.org/stable/resrep28649.5

[3]Franz-Stefan Gady, the future of manoeuvre warfare?, The International Institute for Strategic Studies, online analyses ,5th May 2020

https://rb.gy/0uhfa

[4] Yoav Gortzak, Yoram Z. Haftel, Kevin Sweeney, Offense-Defense Theory: An Empirical Assessment, The Journal of Conflict Resolution, Vol. 49, No. 1 (Feb., 2005), pp. 67-89. https://www.jstor.org/stable/30045099

[5] وهي اختصار لـ  Battle Management, Command, Control, Communications and Intelligence للمزيد يمكن زيارة  https://www.globalsecurity.org/space/systems/bmc3i.htm

[6]Syydney J.and Freedberg JR, SecArmy’s Multi-Domain Kill Chain: Space-Cloud-AI, Breaking Defence ,  November 22, 2019

https://shorturl.at/kE036

[7] Stephen J. Cimbala, Lawrence J. Korb, Artificial intelligence: challenges and controversies for US national security, Bulletin of the Atomic Scientists, June 9, 2023

https://shorturl.at/CELV2

 

[8] وتحذر مؤسسة "راند" الأمريكية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى نشوب حرب نووية بحلول عام 2040 لأنها قد تشجع لشن ضربات استباقية ضد دولة أخرى.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)