ليس جديد في عالم الثورات وتاريخها, إنها منسوبة للفقراء, رغم إن التاريخ البشري حافل بدور المثقفين في إشعالها والتمهيد لها, الا إن الفقر والفقراء والبؤس والبؤساء - على ما نظم فيكتور هوغو - هم وحدهم ملهم الثورات ومشعلها,
هم أبوها وأمها, مهما كانت نتائج تلك الثورات, فلهم وحدهم ينسب الفعل وسبب الفعل أو بالاحرى مستلهما واقعهم و فعلهم الثائر, ولا أعتقد إن الربيع العربي يشذ عن هذاء, حتى وإن ركبت قوى أخرى محلية, ومغتربة,وعربية, و دولية ( أمبريالية), مطية هذا الفقر والفقراء, وضربت به وعلى ظهره, ضربتها التي تريد, مدعية مساندته !!!,
فما هو موقع الفقر والفقراء في هذا الربيع العربي؟ ومالفارق بين الفقير والغني في مسيرة الفعل قبل, وإثناء, وبعد الثورة؟ وما هو العلاج الأمثل؟ ثمة أسئلة محيرة ومثيرة في ذلك, أعتقد إنه من المثير محاولة تفكيكها لنعرف عمق الازمة, وتلمس الطريق الانجح والانجع.
لا أحد اليوم يستطيع أن يدعي إنه ملهم ثورات الربيع العربي, أو محركها, فالواقع - وتخشُب الأنظمة - هو الملهم الحقيقي لهذا الفعل الذي إجتاح المنطقة بإشعال عود ثقاب محمد البوعزيزي - الفقير في قرية سيدي بوزيد الفقيرة - رغم إننا لا نستطيع أن ننكر إن الكثير من المثقفين والادباء, لطالما كتبوا ونظموا نثراً وشعراً, قدحاً وذماً, في هذا النظام أو ذاك - الا إن الفقر - وإنعدام التنمية والواقع عموماً وعوامل أًخرى - بقى هو الملهم الحقيقي لهذه الهبة الكبرى المتسارعة التي أشتعلت فجأة من (البوعزيزي الى باب العزيزية) ساحقة في طريقها سكان قصر قرطاج, وقصر القبة, والقصر الجمهوري في مدينة سام بن نوح !!!
ولكن من ناحية أخرى, فإن الكثيرين ممن قاوموا هذا الفعل الثوري المستحق, أو إنحازوا لتلك الأنظمة بعميائية - وخاصة على أرض الواقع - كانوا فقراء أيضاً ومن مناطق فقيرة, ولعله من الغريب جداً إن أغلب الذين قَاتلوا وقُتلوا أو وجدوا في ساحات الدفاع عن الأنظمة الهرمة المأزومة, المتخشبة هم من الفقراء, بل هم أكثر فقراً ممن ثاروا ضد النظام !!, ولم نرى أحداً من الاغنياء هناك يدافع عن النظام لحظة سقوطه, فالاغنياء إما صمتوا, أو فروا, بما خف وزنه وغلاء ثمنه, أو ركبوا الموجة الجديدة مبكراً !!!!
ويمكننا أن نتحدث عن ما يسميه إخوتنا المصريين (موقعة الجمل), حيث لم يركب رجال الاعمال والمتنفذين الجِمال أو الخيُول ليقتَحموا ساحة التحريرِ في القاهرة, بل رَكِبها فقراء مَعدُمين, بالكادِ يملكون قوتَ يومهم, جأوا مدافعينَ عن نظامٍ في رِمقِهِ الاخير من الشيخوخة والسقوطِ, على وقعِ القطرة التي أفاضت الكأس عبر دعوة فيسبوكية حررتها فتاة شابة دعت الهمة المصرية - المعروفة لدى إخوتنا المصريين - لتحميها في ميدان التحرير من بلاطجة النظامِ الذين هم أنفسهم فقراء يعملون باليومية !!!
أما ليبيا فهي خير دليل على ذلك, فالذين ثاروا هم عموم الليبيين الفقراء في دولة نفطية معدومة التنمية رغم مالديها, لكن الاغرب في ذلك إن الأشد فقراً كانوا هم المدافعون عن النظام, بل وإن الفقر - في مناطق وقرى الذين ساندوا النظام -
(يرمْش عيونه) على حسب تعبير الليبيون !!,فأهل تلك المناطق أشد فقراً وعوزاً بل وهم أكثر حاجة للثورة من غيرهم, لكنهم وقفوا ضد الفقراء الثائرين ووزعوا أبنائها على كل الجبهات دفاعا عن النظام وصدقوا وعوده المفتنة.
إنهم الفقراء يتعاركون ويتقاتلون قبل وإثناء وبعد الثورة, ويطاردون بعضهم البعض, فحتى بعد إنتصار الثورات في الربيع العربي, للفقر والفقراء قصة مستمرة في قتالهم لبعضهم البعض, فالفقراء هم الذين لايزالون يقتلون الفقراء أمثالهم ويطاردونهم, فهم نفسهم المتهمين بأنهم أنصار النظام السابق - في كل بلدان الربيع العربي - وهم أيضاً نفسهم الثوار الثائرين عليه, وهم من لايزالون في الساحات يتواجهون معاً, ويرسلون لبعضهم البعض رسائل التهديد والوعيد, والقدح والذم عبر مواقع التواصل الاجتماعي, والتعليقات والايميلات, هم نفس الفقراء, لازالوا يتواجهون في الشوارع والبيوت والمقاهي المعدومة,وهم من يقيم البوابات لتفتيش الفقراء مثلهم, وهم الذين يقتحمون بيوت الفقراء مثلهم بعد منتصف الليل, فيحاكمون وينفذون الاحكام الوقتية, بالمداهمة لبيوت الفقراء أمثالهم الذين لا يملكون المال للهروب للخارج مثلما فعل الاغنياء, وهم من يتولى اليوم توزيع اللقاب, والتهم, والتنابز والتهديد بها, في كل إتجاه, سوى مع أو ضد.
أما المناصب والإمتيازات الجديدة فليست لهؤلاء الفقراء لا قبل ولا بعد, إن الفقراء هم هم كما كانوا, فقد عادوا لنفس المكان, يستجدون منحة أو هبة او مرتب في نفس الطابور !!!! أما النظام الجديد فيبنى بعيدً عنهم وعن مشكلتهم ومعركتهم من أجل التنمية !!!!
إن الاغنياء, هم هم, كما هم عليه, يجيدون فهم التطورات, فهم في نفس حالهم الاول, إبتسامة,وكلام منمق وحسابات وتحويلات,وملابس أنيقة, وربطات عنق في المكاتب والفنادق الوتيرة, والسفريات, والتحويلات, والامتيازات, والمؤتمرات, سوى قبل الثورة أو بعدها, ولا تجد بالمطلق اياً منهم يقتحم بيت, أو يقيم بوابه, أو يسير مظاهرة, أو يصنف الناس, أو ينابزهم بالالقاب, فلهم القيادة, والمال, والمناصب, بل وأيضاً حلو الكلام, ومعسوله, ولا ترى منهم من يهاجم بيت أو أسرة, أو يهاجم قبيلة او منطقة, أوينهر عابر سبيل, أو يضع فوهة المسدس في أنف آخر ويتهمه بأنه موالي للنظام السابق أو لاحق, فلا وقت لدى الأغنياء لقول ذلك, فهم أدرى بأقصر الطرق للمال وكيفية الاستحواذ عليه ( في كل الانظمة), والتنعم به, وتبرير ذلك امام الفقراء, الذين نراهم يكرسون ويعيدون انتاج فقرهم, عبر عداوتهم لبعضهم البعض, التي لا يبدوا إنها تنتهي !!!!
إن الفقراء يعانون لتستمر الانظمة في تخشبها, وهم من يثور عليها, فيَقتُلونَ ويُقتَلون بعضهم البعض بين (مؤيد ومعارض), ويستمرون وقود للأنظمة المتعاقبة, والتغني بها, , تضربهم وتضرب بهم من تشاء, فهم من يثور وفَيقتُل ويُقتَل, ومن يُضلم ويضلُم, وهم من تسوقهم الأحداث المتعاقبة التي يشعلها الفقر, ويدفع ثمنها الفقراء في كل إتجاه ( مع أو ضد).
تلكم هي قصة الفقر والفقراء في الأحداث الجسام, وثمنها الباهض , ولا علاج لذلك إلا بتنمية محلية كبرى تنهض بالمناطق الفقيرة وتصل لمستوى المعيار الدولي للتنمية والحياة الكريمة ( أنظر الامارات العربية المتحدة).
ليس للفقراء اليوم من حل أو طريق إلا التنمية المحلية لينتقلوا نحو الطبقة الوسطى , وعلى الفريقين من الفقراء الـ ( مع) والـ (ضد) ( في كل البلدان العربية ) أن يعو إن المستقبل هو المهم, وإنهم سابقاً ولاحقاً في سفينة واحدة هي ( خانة الفقراء), ويجب أن لا يأكلوا الطعم مرة اخرى, وعليهم أن يعبروا للمستقبل, ليس بمزيداً من الكراهية والبغضاء والعزل, والإنتقام من بعضهم البعض, وليس ببناء دولة الغالب والمغلوب, فالمغلوب في كل الأنظمة هو الفقير, الفقير, الفقير, وسيبقى كذلك في الأنظمة المنهارة والأنظمة التي تقام على أنقاضها, فلا طريق لنهوض هذا الفقير إلا بتنمية محلية يجب العمل عليها ( تعليم - صحة - مواصلات -تأمين - مدن وقرى عصرية .. الخ) حيث يجب أن يتنافس الفقراء,وأسر الفقراء, وقبائل الفقراء ومناطق الفقراء,وقرى الفقراء, وليس بزرع الضغائن, ولا بأنتاجها, ولا بتأسيسها قانونيا ودستورياً فذلك جريمة لا يجب أن تكون نتاج ثورة, وتحسب عليها, وهي لا تؤسس لوطن ينهض.
والله من وراء القصد
*كاتب ليبي مقيم ببريطانيا....