في ظل هذا «التجاهل الفضائي» للكتاب، إذا جاز التعبير، فإن أي برنامج يخصص للاحتفاء بالكتاب يكون موضع تقدير. ولعل برنامج «في حضرة الكتاب» الذي يُقدم على قناة «الشارقة»، هو من البرامج القليلة التي تسير في هذا الاتجاه الرامي إلى تسليط الضوء على كتاب جديد في المكتبة العربية بهدف لفت الأنظار إليه، ومن ثم الدعوة إلى اقتنائه وقراءته، وهو هدف البرنامج والمؤلف، في نهاية المطاف.
في الحلقة الأخيرة من البرنامج كان المشاهد على موعد مع رواية «ديناميت» للروائي السوري زياد عبدالله الذي كان حاضراً في الاستوديو برفقة الناقدة الإماراتية فتحية النمر. يقوم البرنامج على الإحاطة بالكتاب، المحتفى به، من مختلف الجوانب، فيخصص تقريراً عن مؤلف الكتاب الذي تعد «ديناميت» روايته الثانية بعد «بر دبي»، وسيعرف المشاهد بأن هذا الروائي الشاب مواظب، كذلك، على كتابة النقد السينمائي، ويتضمن البرنامج تقريراً عن فحوى الكتاب وأسلوبه ومضامينه، لنعرف أن «ديناميت» تتناول ذاكرة مدينة هي اللاذقية؛ مدينة الكاتب، إذ ترصد ملامح من هذه المدينة والتحولات التي أصابتها، وخصوصيتها ضمن المشهد السياسي والثقافي السوري وذلك عبر عيون ومخيلة وذاكرة أبطال الرواية، وثمة فقرة مخصصة للحديث عن الشكل الطباعي والإخراجي للكتاب، وهنا قدم عمر عبدالعزيز بعض الملاحظات والتوضيحات المهمة.
لم يشأ عبدالله أن يلقي خطاب مدح في روايته التي حظيت باهتمام نقدي لافت، بل راح يتحدث بنبرة خافتة، وأكاد أقول خجولة، محاولاً نقل صورة محايدة عن روايته للمشاهد، بينما بدت فتحية النمر، مدركة طبيعة هذا النص، فاستطاعت أن تضيء خفاياه عبر نقاش هادئ بعيد من تلك المهاترات التي باتت تملأ الشاشات.
«في حضرة الكتاب»، وهو عنوان يذكرنا بكتاب نثري لمحمود درويش عنوانه «في حضرة الغياب»، لا يهدف إلى إثارة سجال مفتعل، ولا إلى ترويج مجاني، فهو يقلّب صفحات هذا الكتاب أو ذاك بكثير من التأني والحذر في محاولة لخلق حالة من الألفة بين القارئ والكتاب من دون تلقين. ويتكامل مع هذا المضمون الطموح، الشكل الإخراجي والبصري للبرنامج الذي يُصور في استوديو أنيق بلا أي بهرجة، وثمة مشاهد خارجية تدعم التصوير الداخلي، فضلاً عن طريقة التقديم المحببة التي يتحلى بها مقدم البرنامج محمد السويدي.
علاوة على ذلك، فإن ما يساعد على نجاح البرنامج هو اختيار الكتاب المناسب، وهو ما تحقق في حلقات سابقة، مثلما تحقق في اختيار «ديناميت» التي تعد من الروايات التي نالت استحسان الجمهور والنقاد معاً، خصوصاً وأنها مكتوبة بقلم كاتب ينتمي إلى الجيل الروائي الشاب في سورية، والذي يسعى إلى التخلص من «الآباء الروائيين المكرسين»، كي يعثر على صوته الخاص؛ المشاكس والمتمرد في فضاء ثقافي واجتماعي وسياسي حافل وثري، لطالما غُيِّب عن الفنون!