يسعى باتريس سانت – إكزوبيري ولوران بكاريا، مؤسسا مجلة «واحد وعشرون» الفصلية الفرنسية، إلى تفنيد مقولة أفول الصحافة المكتوبة، وتغير وجه الإعلام، والانتقال الحتمي من العالم الورقي إلى العالم الإلكتروني. ويسألان في بيان منشور: «ماذا لو كان التحول (من المنشورة الورقية إلى الافتراضية) مصيدة قاتلة للصحف»؟
ولا يخفى أن عجلة الثورة الرقمية تدور، وأن آثارها ظاهرة، وصارت المعلومات في متناول العامة، ووتيرة الاتصال بالشبكة الإلكترونية محمومة. الألواح الرقمية تتربع شيئاً فشيئاً محل الورق، وتطيح الهواتف الذكية بائعي الصحف وأكشاكهم. وقراءة الصحيفة كانت بمثابة صلاة الرجل الحديث الصباحية، وفق قول الفيلسوف الألماني هيغيل (1770 - 1831). والكلام هذا يعود إلى قرنين من الزمن.
واليوم، لم يعد ديدن القراء الخشوع في المطالعة، وصاروا مستهلكين متقلبي الأهواء. وتتهافت إدارات التحرير على الشبكة الإلكترونية وتقبل على «إنتاج المضمون» الذي يحوّل الصحافيين «آلهة ذات مئة يد» (متعددة المهمات) كما يزعم سانت - إكزوبيري وبكاريا. فالصحافيون الرقميون المتعاظمة أعدادهم يُقصوْن عن متن التحقيقات، وهي «فن رؤية البحر في قطرة مياه»، كما يرى آدام ميشنيك، مدير صحيفة «غازيتا ويبروتشا» السابق، ويُحالون مدونين «تفاعليين» وأتباعاً مغردين على «تويتر». فسياسة النقرة ومعايير «الناقر» تحل محل ميدان التحقيق وأصول المهنة ومعاييرها. وطوت أخبار النجوم صفحة اللقاء بعامة الناس، وقوضت متعة دغدغة الشاشة ولمسها فرادة المكتوب الورقي. وتغلب جدلية الواقعي والافتراضي على بيان «واحد وعشرون»: «فوقتُ الصحافة الرقمية هو الحاضر الدائم والمستدام».
ويذهب البيان إلى أن الإعلانات أطاحت الحدود بين الأخبار والاتصالات العامة، وبددت الحدود بين الأنواع الصحافية وحولت أسماء الصحف إلى «ماركات». وفي الأعوام الخمسة الأخيرة، لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة المواقع الإلكترونية التي ترفض الإعلانات، وتدعم الكتّاب. ويدعو الكاتبان – الناشران إلى صحافة من غير دعايات. فالتخفف من الإعلانات المدفوعة ضمان لاستقلال الصحافة وصدقيتها. ويثير البيان نقاشاً في فرنسا بين مؤيد ومعارض، ويرى بعضهم أن ثمة أوجه شبه كثيرة بين الطعن في «التكنولوجيا المضللة» والذعر من التكنولوجيا ومعاداتها. ويرحب آخرون بالبيان، ويرون أن مكافحة الصحافة المتشابهة والتجارية ضرورة لا غنى عنها. وغيرهم يعتبر أن إعلاء مكانة الأخبار الميدانية ورفعها إلى مرتبة مفارقة يهمشان أهمية عالم الأفكار السياسية والاجتماعية التي لا تقل «واقعيته» عن أهمية أخبار الأعاصير وغيرها من الحوادث. ويأخذ كثر على البيان إرساء تمييز اجتماعي بين «كبار» الصحافيين ومنفذي الإجراءات الإلكترونية «الصغيرة». وقد تتجاذب الآراء في البيان الوسطَ الصحافي بين مرحب ومندد، لكن الفضل من غير شك يعود إليه في «إشعال» فتيل النقاش حول المسألة.
?* صحافي، عن «لوموند» الفرنسية، 13-14/1/2013، اعداد منال نحاس