المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

الدور الحضاري للمكتبة العربية في العصر الرقمي

📅 26-01-2013 05:25 م | 👁️ المشاهدات: 389 | كتب: الدكتور المهدي بن محمد السعيدي - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة ابن زهر - أگادير
أولت الحضارة العربية على مدى تاريخها عناية فائقة للكتاب باعتباره مفتاحاً للمعرفة ووسيلة للتعليم، فتأسست في مختلف بقاع البلاد العربية شرقاً وغرباً مكتبات عامرة وتنافس أصحاب الفكر والعلم وأهل الرياسة والسلطة في جمع الكتب

                                                                 وإنشاء المكتبات وفتحها أمام طلاب العلم، وقد بلغت الأمة العربية في العناية بالكتب ما لم تشهد البشرية له مثيلاً، فكان الاحتفاء بالكتابة والتأليف والإبداع أساس تقدم الأمة وتطورها وبناء حضارتها العظيمة. وقد سجل ذلك المؤرخون ووثقوه وشهد به الدارسون والمستشرقون، ونوهوا به([1])، واعتبروه أساساً بنيت عليه الحضارة الحديثة والثورات العلمية المعاصرة([2]).

وإذا كان هذا ماضي الأمة العربية الإسلامية، فإنها أضحت اليوم في حال من التخلف عن الركب الحضاري العالمي والتأخر عن مواكبة التطورات العلمية والتقنية المذهلة، فصار من الملح العمل على استدراك ما فاتها لتسترد مكانتها وتواكب عصرها وتستغل الفرصة التي تتيحها المبتكرات التقنية، خاصة الثورة الرقمية، في تدارك الخلل وتقليص الهوة التي تفصلها عن الأمم الرائدة.

        ولعل العناية بالمعرفة وتداول المعلومات أحد أهم مداخل هذه النهضة المرتقبة، وتعد المكتبة في طليعة الوسائل المعتمدة لتحقيق هذا الهدف، إذ هي وعاء المعارف بما يتوفر فيها من كتب ووثائق ونصوص... كما أنها ركيزة أساسية في اكتساب المعرفة، حاضرة في جميع مراحلها من النفاذ إلى المعلومات إلى تنظيمها ثم استخلاصها وتطبيقها وانتهاء بتوليد المعارف الجديدة([3]).

        وقد شهد العصر الحديث اطراد المخترعات وتواتر الاكتشافات العلمية المرتبطة بتطور مصادر الثقافة منذ اختراع المطبعة التي مكنت من تجاوز عائق نشر المعارف والعلوم وإتاحتها لقاعدة عريضة من الناس، إلى الثورة المذهلة التي تفوق في قوتها وتأثيرها ظهور الطباعة، وهي الثورة الرقمية: ثورة المعلومات والاتصالات والنشر الإلكتروني والشبكة العالمية للمعلومات (الأنترنيت) وأثر كل ذلك في المفهوم التقليدي للمكتبات، وبرزت تصورات جديدة وطرق حديثة متطورة للاستفادة من أوعية المعرفة تمثلت في استغلال تقنيات الحاسوب والاتصالات في تخطي حواجز الزمن والمكان وحدود القدرة البشرية في البحث والاستقصاء والتحليل.

        وتشهد الساحة العالمية حالياً منافسة حادة ومحمومة بين الثقافات والحضارات واللغات لاستغلال هذه التقنيات وشغل الحيز الأوفر من المجال الرقمي الذي تتيحه المعلوماتية، ولعل أجلى مثال على ذلك دراسة إحصائية أجرتها منظمة اليونسكو وشاركت فيها 39 مكتبة وخزانة وطنية وجامعية من مختلف أنحاء العالم، وتبرز هذه الدراسة أن 48 % من المكتبات المشاركة في الإحصاء (منها ثلاث بلدان إسلامية ليس بينها أي دولة عربية وهي إيران وأندونيسيا وماليزيا) تعمل في مشاريع رقمنة Digitalisation محتوياتها التراثية مقابل 52 % لا زالت أغلبيتها في طور الإعداد والتفكير في وضع مخططات من هذا النوع، كما أن 42 % من هذه المشاريع وضعت في سنة 1995-1996([4]). إضافة إلى ذلك تسعى الدول المختلفة لدعم ثقافتها وفكرها وحضارتها على الشبكة العالمية، بإحداث مواقع إلكترونية تضم تراثها وخلاصة فكرها وثقافتها؛ من مصادر ووثائق ومراجع وموسوعات ومعاجم... ومواد سمعية بصرية من صور وأفلام وتسجيلات صوتية وموسيقية...

        ولم تعد المنافسة متعلقة بمجرد النشر على الشبكة العالمية للمعلومات وإنشاء المواقع الكثيرة العامة والمتخصصة التي تهدف إلى نشر المعرفة العامة، بل تجاوز الأمر ذلك إلى إنشاء مكتبات رقمية خائلية([5]) وهي مواقع علمية موثقة القصد منها تجميع النصوص والوثائق على اختلاف أشكالها وترتيبها وفق نظم معينة لتوفيرها للمتصفحين المهتمين، متنوعة ومتخصصة ومتكاملة ومرتبطة فيما بينها بروابط تشعبية. ومن المكتبات العالمية الرائدة في هذا المجال مكتبة الكونغرس الأمريكية ومشروعها المسمى المكتبة الرقمية الأمريكية AMERICAN DIGITAL LIBRARY([6]). والمكتبة الوطنية الفرنسية وموقعها GALLICA([7]). والمكتبة الوطنية الإسبانية([8]) ومكتبة سيرفانتس الإسبانية كذلك CERVANTESVIRTUAL([9]) وغيرها من المكتبات الكثيرة والمتنوعة. دون أن نغفل الإشارة إلى مشروع المكتبة الكونية Bibliotheca universalis الذي وضع أساسه قادة الدول السبع الأكثر تصنيعاً في العالم ضمن مشروع المجتمع المعلوماتي سنة 1995 والذي يقدم فكر هذه الدول - أي الفكر الغربي - على أساس كونه فكراً كونياً([10]).

        ولم يقتصر الأمر على ذلك بل عملت مراكز البحث والتخطيط في الدول المتقدمة على وضع مشاريع مكتبات خائلية حول الوطن العربي شرقه وغربه لتضم الكتب والمجلات والجرائد خاصة النادر منها، وتبرز خطورة هذه المكتبات في كونها تقدم تراث الأمة وفكرها حسب تصورات الغرب التي تجانب في الغالب الأعم الدقة والإنصاف. ومن نماذج هذه المكتبات مشروع "ميناليب Menalib المكتبة الخائلية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا" - the Virtual Library Middle East-North Africa الذي تنجزه جامعة هالي الألمانية منذ أكتوبر 2000، والذي يستهدف إنشاء قاعدة بيانات حول شمال إفريقيا والشرق الأوسط([11]). هكذا صارت الشبكة العالمية للمعلومات كما قال أحد الباحثين كتاباً عالمياً بلغات متعددة يكتبه الجميع ويقرؤونه(

[12])، وتبحث فيه كل أمة عن مكان تنشر فيها فكرها شخصيتها وهويتها.       

        لقد أكدت الدراسات والأبحاث الحديثة أن الثورة المعلوماتية تعتبر فرصة حقيقية للأمة العربية للنهضة واستدراك ما فاتها في اللحاق بالركب الحضاري الحديث، فقد صارت المعلومات وتقنياتها المتطورة بسرعة مذهلة أساس المجتمعات المتقدمة وأنشطتها المتنوعة سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الأمن... ([13]).

        وتبعاً لهذه المعطيات فإن التفكير في تأسيس مكتبة عربية رقمية خائلية أو مكتبات عامة ومتخصصة أضحى أمراً ملحاً وضرورياً انطلاقاً من ثلاثة أمور:

        أولها: تطور تقنيات المعلومات عقب اختراع ورواج وسائل التخزين خاصة الأقراص الليزرية بسعتها الهائلة وظهور الأوعية المقروءة آلياً كالكتاب الإلكتروني، وتطور شبكات المعلومات (الأنترنيت)، وما يتيحه كل ذلك من قدرة هائلة على حفظ المعلومات وسرعة تداولها في أشكالها المختلفة من نصوص وصور جامدة وصور متحركة وأصوات... لذلك سارعت الدول والحكومات والمؤسسات لإنشاء مراكز ومجمعات ومكتبات رقمية تعمل على رقمنة النواد المعرفية (نصوص، وصور، ووثائق، وأصوات، وصور متحركة...) وإتاحتها للتداول إذ أن هذه الرقمنة مصدر فوائد عديدة يمكن الإشارة إليها بإيجاز كما يلي:

 

- وضع المادة المعرفية رهن إشارة جمهور واسع من المستفيدين محلياً ووطنياً وعالمياً بغض النظر عن الوقت والمكان.

- الحفاظ على أوعية المادة المعرفية، فرقمنة النصوص النادرة كالوثائق الأصلية والصور والكتب المعرضة للتلف كالمخطوطات النفيسة والطبعات القديمة، بل حتى الكتب الحديثة التي تستهلك بكثرة الاستعمال، يحفظها حيث توضع بعيداً عن أيدي المستعملين وتتم الاستعاضة عنها بنسخ رقمية من السهل معالجتها نسخاً وطبعاً ثم قراءة وتحليلاً وبحثاً.

- ربط الصلات بين الباحثين في مختلف التخصصات، مما يمكنهم من تبادل الخبرات والأفكار.

- فسح مجالات جديدة للبحث العلمي بتمكن الباحثين من الاطلاع على الأبحاث الجديدة واستغلال التقنيات الرقمية في تطوير مناهج ومضامين البحث العلمي.

        إن هذه الفوائد دفعت الخبراء إلى الإلحاح على إعطاء الأولوية في استغلال تقنيات المعلومات والاتصال في مجالات التعليم([14])، ولا شك أن المكتبة الرقمية إحدى أهم وسائلها.

        ومن ناحية أخرى لا تتيسر الاستفادة من هذه الفوائد المشار إليها ما لم توفر الوسائل الناجعة التي تفضي إليها، ومنها([15]):

 

- إنشاء قواعد البيانات التي تتضمن النصوص والوثائق والموسوعات والصور والأصوات... وغير ذلك مما يمثل مادة المكتبة.

-  بناء الفهارس والتكشيف للنصوص أو الكتب وغيرها من المواد...

-  استخراج الكلمات المفاتيح التي تعد ضرورية لتيسير البحث في متن المكتبة، لتتعرفها محركات البحث التي تجوب الشبكة العالمية بحثاً عن المعارف والمعلومات، وتصبح المكتبة في دائرة الإفادة لروادها.

-  ربط مكونات المكتبة الرقمية بروابط تشعبية بحيث تكون متفاعلة مع مصادر داخلية وأخرى خارجية في الشبكة العالمية، مما يكفل لها الغنى والثراء المعرفي ويجعلها في الوقت ذاته غاية تلتمس فيها المعرفة ووسيلة تهدي إلى المعرفة وتدل على أماكنها في مختلف التخصصات واللغات.

 

        وبفضل هذه الوسائل تتاح فرص أكبر للاستفادة من المعلومات والمعارف المخزنة في المكتبة الرقمية العربية، على اختلاف أنواعها، مما يحقق التواصل بين أقطار الوطن العربي وبلاد الإسلام عامة. في أفق بناء تكامل عربي إسلامي في ميدان المعلومات وتقنياتها وهو ما يؤسس لتكامل أعم في الميادين الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية.

        ثانيها: إتاحة المكتبة الرقمية - بفضل تقنيات النشر الرقمي - اقتصاد التكاليف الكثيرة في بناء المكتبات التقليدية وتأثيثها وصيانة محتوياتها، والتقليل من الحاجة للخبراء المكتبيين، وقاعات المطالعة الكبيرة وتقديم الخدمات المعلوماتية للجميع مما سيؤدي إلى تخفيض التكاليف وتحسين آلية التداول وسهولة التحديث والتوجه بالتكاليف للتجهيزات الإلكترونية والحواسب، إضافة إلى تلبية رغبات ذوي الحاجات الخاصة كالمكفوفين والصم والبكم والمعاقين، حيث تمكن الوسائط الإلكترونية من توفير طرق الإطلاع على البيانات المناسبة لهم. ولا يعني هذا التطور التقني اختفاء المكتبات التقليدية في المدى المتوسط - بالنسبة للبلاد العربية على وجه الخصوص - بل اتساعاً في خدمات المكتبات الرقمية واهتماماً أكثر بها، وتحولاً في وظائف المكتبات من مجرد توفير خدمة الإطلاع على الكتب والمحفوظات بشكل عام إلى أن تصبح دور طبع ونشر إلكتروني([16]).

        ثالثها: حال الثقافة العربية في الوقت الحاضر على الشبكة العالمية للمعلومات واتسامها بالضعف والقصور وانطلاقها من مبادرات متفرقة لأفراد أو مؤسسات محدودة، وعمل كل طرف في عزلة عن الآخر من دون تنسيق أو وضع استراتيجية موحدة أو منظور شمولي. ومن ناحية المضامين الثقافية والفكرية يلاحظ ضعف الرصيد المعرفي الموثق بطريقة علمية، وغلبة الموضوعات العامة سواء التراثية أو الإخبارية التحليلية للأحداث وقلة المضامين العلمية والتقنية، فضلاً عن تدني القيمة العلمية. فهناك كم هائل من الكتب والتآليف والمتون الشعرية التراثية في مواقع عديدة حافلة بالأخطاء المطبعية والعلمية مما يجعلها موجهة للقراء الهواة دون الدارسين وطلبة العلم والمتخصصين، ولما كان غالب مستعملي الشبكة العالمية للمعلومات في الوقت الحاضر بالوطن العربي من الطلبة والتلاميذ والأكاديميين ذوي الحاجات الماسة للمضامين الموثقة بطريقة علمية والمتميزة بالأصالة، فإن أعمال النشر الرائجة الآن على الشبكة تصبح غير ذات معنى أو فائدة([17]).

        ولعل هذه الأسباب التي ذكرناها وغيرها هي التي دفعت الدول العربية إلى اعتبار إنشاء مكتبة رقمية عربية ضمن المشروعات الأساسية للتنمية البشرية. حيث ورد ذلك في قرار المكتب التنفيذي لمجلس الوزراء العرب للاتصالات والمعلومات في اجتماع دورته الثانية عشرة بدمشق في 22-23 دجنبر 2002([18]). لذلك أضحى ضرورياً التفكير بجدية والعمل بسرعة لإخراج مشروع هذه المكتبة (أو المكتبات) العربية الرقمية إلى الوجود لتعمل على النهوض بكفاءة واقتدار بالثقافة والفكر العربيين انطلاقاً مما يلي:

        1 - العناية باللغة العربية: إن اللغة ليست - كما يظن - وعاء للمعارف فحسب ولكنها القدر الاجتماعي للإنسان تحمل هويته ونشأته وعقليته وقدراته وميوله([19])، ولما كانت اللغة من هذا المنطلق محور المنظومة الفكرية والثقافية فقد أضحى دورها متعاظماً في عصر التقنيات الحديثة، ولذلك وجبت العناية بها وبتطويرها، ويأتي إنشاء مكتبات خائلية على الشبكة العالمية للمعلومات ليكون دافعاً للنهوض باللغة العربية بترويجها في النشر الإلكتروني، حتى يكون لها موطئ قدم في الفضاء الخائلي، ويجد القارئ العربي بغيته بلغته. وحتى يتقلص طغيان اللغات الغربية على الخصوص - إنجليزية وفرنسية - في أوساط المتلقين العرب، من المأمول أن تؤدي العناية باللغة العربية على هذا النحو إلى تشجيع الترجمة والتعريب وتطوير برمجيات الترجمة الآلية، مع ما يوازي ذلك من وضع المصطلحات وتأليف المعاجم المتخصصة والتأليف في اللغة لتيسيرها وتبسيط قواعدها اللغوية والاجتهاد في إخضاعها للتحليل الحاسوبي([20])، لتبقى اللغة العربية قوية كما كانت، قادرة دائماً على استيعاب المعطيات العلمية والتقنية الحديثة، إذ هي من» ثراء المبنى وغنى الإمكانات بحيث تقدم هي ذاتها فرصة نادرة لولوج عصر المعلوماتية وكثافة المعرفة باقتدار«([21]) ولكنها تحتاج فحسب لاستثمار إمكانياتها الهائلة من جميع النواحي النحوية والصرفية والصوتية والدلالية والتعبيرية...([22]).

                2 - العناية بالتراث العربي الإسلامي(

[23]) بحفظه وصيانته، والمقصود بالتراث المعنى العام الذي لا يقتصر على التراث المكتوب مخطوطاً أو مطبوعاً فحسب، ولكنه يشمل مواد وأشكالاً عديدة متنوعة منها المخطوطات والوثائق وكذلك الزخارف والمنمنمات وأشكال المعمار والسجاد والمباني الأثرية وتصاميم المدن العتيقة وأساليب العيش من طعام ولباس وأثاث. وكل ذلك يمكن تحويله إلى صور ثلاثية الأبعاد يتمتع الزائر بمشاهدتها عن بعد وتخول له التعرف على تراث آبائه وأجداده إضافة إلى التسجيلات الصوتية للمحاضرات والمذاكرات والمناظرات والأهازيج... والأمر ذاته بالنسبة للتسجيلات المرئية على اختلاف أنواعها التوثيقية والدرامية.

                إن الفضاء الخائلي الذي توفره المكتبة الرقمية يقدم إمكانات هائلة غير محدودة لتلك الصيانة، مما تتيحه التقنيات الحديثة للمعلومات، فهناك مثلاً في مختلف أقطار الوطن العربي مكتبات وخزائن حافلة بالمخطوطات والوثائق الثمينة المعرضة للضياع بسبب قلة الموارد وانعدام خبرات الترميم، أو بسبب تقادم المخطوطات وتلاشيها السريع عند نقلها أو تصفحها. بينما تمكن التقنيات الرقمية من حفظها بالتصوير الضوئي وإتاحتها للباحثين والمهتمين أينما وجدوا، بل وإصدار نسخ جيدة منها، ويقاس على ذلك حفظ ممتلكات المتاحف والآثار وتصاميم المدن وأشكال العمارة الأصيلة والصور القديمة والأنسجة من زرابي وثياب ومجموعات النقود والأسلحة والطوابع البريدية... إلخ، ولعل الأحداث الأخيرة في العراق وما لحق المكتبات والمتاحف المحتوية على تراث إنساني عالمي لا يقدر لنفاسته بأي قيمة مادية، من تخريب وإتلاف وسرقة يبرز أهمية الرقمنة التي تتيح تصوير المخطوطات النادرة والكتب والجرائد والمجلات القديمة والصور والرسوم التشكيلية وغيرها بواسطة التصوير الضوئي وحفظها في أقراص تستطيع استيعاب مكتبات كاملة، مما يضمن الحفاظ على هذا التراث، وتوفير نسخ احتياطية رقمية له، لن تكون بالضرورة بديلاً عنه حال وجوده ولكنها عندما يلحقه - لا قدر الله - ضرر ما ستكون نسخة ثمينة يمكن الاعتماد عليها خاصة بالنسبة للكتب المخطوطة والوثائق وما شابهها،» وعلينا أن ندرك أن كل تراث لن تتم رقمنته، سيظل بمنأى عن المعالجة المعلوماتية الآلية، ليفقد، بالتالي، قيمته تدريجياً إلى أن يندثر تماماً«([24]).

        3 -  نشر الكتب والموسوعات والمعاجم والمجلات العلمية والنشرات والدوريات على اختلاف أنواعها ومجالاتها، واستغلال ما تتيحه التقنية الرقمية من اتساع مجال النشر وتيسير الوصول إلى مصادر الفكر والثقافة بأقل التكاليف، والتمكن من استغلال هذه المحتويات المعرفية المتوفرة على أحسن وجه، بناء على تقنيات البحث التي تتيح استفادة كمية بحيث تستطيع في زمن قياسي اختراق آلاف النصوص وتزويد البحث بالمداخل المعرفية المتوفرة بالمكتبة الرقمية ليختار منها ما يشاء حسب تخصصه، كما يتيح استفادة كيفية بفتح آفاق الباحث المعرفية والمنهجية على حد سواء([25]). وسوف يؤدي كل هذا إلى انتشار المعرفة في المجتمع العربي وتنميتها وتشجيع مبادرات البحث والتأليف والإبداع، مما سيفضي حتماً إلى إقبال القراء والمستفيدين عامة على المكتبة الرقمية عندما يجدون فيها كل ما يهمهم من موضوعات بلغتهم العربية سواء من شؤون الحياة اليومية البسيطة أو قضايا العلم المتخصصة أو المعارف العامة والمهارات التقنية والحرفية... مما يفتح المجال أمامهم للاندماج في المجتمع الإعلامي الحديث والاستفادة منه بطريقة إيجابية.

        4 - فتح مجالات المناقشة والمناظرات والندوات أمام الباحثين المتخصصين بإحداث منتديات جادة متخصصة تناقش قضايا العصر والتنمية والعلوم والفكر والثقافة مما يساعد على بلورة الآراء وتعميق البحث فيما يهم الأمة والمواطن العربي من قضايا وتحديات، وتوجد منتديات من هذا القبيل الآن على الشبكة العالمية لكنها قليلة ومحدودة، ويعتبر هذا العمل وسيلة لتأسيس تكامل فكري عربي على مستوى واسع يتجاوز القنوات الحالية للتواصل والتكامل مثل الندوات والمؤتمرات الإقليمية والدوريات والنشرات المختلفة.

        5 - إتاحة فرصة التعلم والتكوين المستمر: في شتى المجالات المعرفية والفكرية والمهارات التقنية، إذ أن المكتبة الرقمية ليست وعاء للحفظ والصيانة ولكنها نظام تفاعلي مفتوح على البيئة المحيطة به المكونة من مصادر المعرفة من دور نشر ومراكز دراسات وبحث... ومستفيدين ممثلين في متصفحي قواعد بياناتها كل حسب مستواه ورغبته وحاجته، وبذلك تصبح المكتبة الرقمية وسيطاً تفاعلياً لتداول المعرفة ومناقشة الأفكار وتبادل المعلومات. لقد مرت تقنيات التعليم بمرحلة الوسائل التعليمية ثم مرحلة البرمجة لتنتهي في الزمن الراهن إلى مرحلة الشبكات التي أصبح فيها المستفيد منها كانت وظيفته أو مرتبته العلمية في حالة تفاعل مع المعلومات([26])، وهكذا يكون الهدف الأساس من إنشاء المكتبة الرقمية هو التعليم الفعال والتثقيف المفيد، ومن ثم لابد أن توجد في المكتبة الرقمية أقسام لمختلف التخصصات لخدمة الراغبين في استكمال تكوينهم في المجالات التي يشتغلون أو يهتمون بها، ويشرف على تلك المجالات باحثون متخصصون يعملون على تزويدها بالمعارف والمعلومات، وتتيح تقنيات التواصل التفاعلي التي توفرها الشبكة العالمية للمعلومات مجالات مثالية للعمل التعليمي عن بعد تفوق في نتائجها ما كان يعتمد عليه هذا النوع من التعليم في السابق. فهدف المكتبة الرقمية وكينونة وجودها لا يقتصران على تقديم المعارف والمعلومات على شكل نصوص وأصوات وصور وبيانات، فحسب بل تتعداه إلى التفاعل مع المستفيدين منها عبر توفير فرص التواصل مع المؤلفين والمبدعين والباحثين، وعبر تحيين البيانات الموجودة وتجديدها باستمرار عبر الارتباط - بناء على اتفاقيات - بالمكتبات العالمية للتمكن من استغلال محتوياتها، وهكذا حينما يطوف الباحث في المكتبة الرقمية يجد مجالاً للتعلم والدراسة والإبداع وعرض الأفكار ومناقشتها.

        6 - التعريف بالثقافة العربية الإسلامية: بنشر دراسات عن تاريخ الأمة وحضارتها وفكرها وإسهامها في الحضارة العالمية وإبراز خلاصة أعمال المفكرين العرب والباحثين المسلمين في المجالات العلمية والاجتماعية والأدبية في الماضي والحاضر، وتمكين عامة متصفحي الشبكة العالمية للمعلومات من الاطلاع عليها بلغات مختلفة على أساس اختيار لغات الفئات الأكثر استعمالاً للشبكة العالمية للمعلومات وعلى رأسها الأنجليزية والصينية والإسبانية والروسية والفرنسية... وبذلك تمكن هذه المكتبة الرقمية العربية - مباشرة ودون وسائط - من تقديم صورة واضحة عن الثقافة العربية الإسلامية وعن إسهاماتها الحقيقية في الفكر الإنساني.

        7 - إعادة الاعتبار للحضارة العربية الإسلامية: لا شك أن كل ما مر يبرز أهمية إنشاء مكتبة رقمية عربية ودورها في الإشعاع الحضاري للأمة، حيث يمكن لكل راغب في أي منطقة من العالم وباللغات العالمية المتاحة أن يحصل بسهولة ويسر المعلومات والمعارف والنصوص والوثائق، كما ستمكن هذه المكتبة من تمتين التواصل بين الباحثين العرب والمسلمين والمهتمين بالتراث والفكر العربي الإسلامي، من الأقطار المختلفة في مختلف التخصصات، وبين المثقفين والقراء على وجه العموم، وبذلك ستسهم المكتبة الرقمية في إيجاد روابط ثقافية متينة بين البلاد العربية والإسلامية، وبناء فضاء عربي إسلامي فكري وعلمي على الشبكة العالمية للمعلومات ثم على الطريق السريع للمعلومات الذي سيخلفها مستقبلاً - عندما تتجاوز العوائق التقنية والفكرية التي تحول دون انطلاقها حالياً -([27]) وستمكن المكتبة الرقمية أخيراً من التعريف بالحضارة والفكر والثقافة العربية في العالم بأسره بتوجهها لزائريها بلغاتهم وعملها على إبراز الصورة الحقيقية للفكر العربي الإسلامي النير الخلاق في مختلف تجلياته، كما ستحفظ للثقافة العربية مكانتها بين نظيراتها في العالم في هذا العصر الذي تؤول فيه الثقافات واللغات المهملة إلى الاضمحلال والانقراض.

        وحتى يتحقق هذا الطموح الفكري والحضاري العظيم لابد من تجاوز إشكالات يطرحها إنشاء المكتبات الرقمية عامة، ومنها:

        - الجانب القانوني: إذ أن النصوص والوثائق والكتب والموسوعات ملكية فكرية خاصة لأشخاص أو مؤسسات لا يحق لأحد التصرف فيها دون إذن من أصحابها، وهذا ما يطرح إشكالات قانونية حول حقوق التأليف بين الاستغلال المادي والنفع العلمي والفكري، وقد كانت هذه القضايا القانونية مطروحة بشدة في مجال النشر والطباعة الورقيين، غير أنها طرحت من جديد بظهور النشر الإلكتروني([28])، حيث تشهد الساحة العالمية نقاشاً وسجالاً حول تقنين الفضاء الشبكي العالمي ووضع ضوابط تسييره وحول الملكية الفكرية التي أصبحت بفضل تطور تقنيات المعلومات ملكية تجارية إلكترونية، وهكذا ظهر تياران أولهما يتمسك بالجوانب القانونية - التجارية للملكية الفكرية ويتشدد في حقوق استغلالها، والثاني يغلب الجانب الثقافي والاجتماعي على الجانب الاقتصادي التجاري، ويتمسك باعتبار الحق في المعرفة من الحقوق الأساسية للإنسان التي لا ينبغي أن يحرم منها لسبب مادي، وتبرز أهمية هذه المسألة إذا وضعنا في الاعتبار أن المكتبة الرقمية ينبغي أن تضم مصادر تراثية محققة وتآليف حديثة وموسوعات ومعاجم ونشرات ومجلات وجرائد... إلخ، وهذه كلها ترتبط بالحقوق المعنوية والحقوق المادية للمحققين والمؤلفين والناشرين... مما يطرح إشكالاً قانونياً ومالياً في نشرها على الشبكة العالمية، وقد حاولت المكتبات العالمية الرائدة كالمكتبة الوطنية اليابانية حل هذه الإشكالات القانونية باستصدار القوانين المنظمة التي تحاول الإجابة عن الأسئلة المطروحة([29]) مثل: هل لابد من دفع مقابل للنشر أم الاستعاضة عن ذلك باتفاق تعاون وتشارك؟ وما مدى استعداد أصحاب الحقوق للتعاون في مجال النشر الإلكتروني؟ ويعد الجواب عن هذه الأسئلة مناقشة لطبيعة المكتبة الرقمية وإشكال المجانية بالنسبة لها، فهل ستعرض محتوياتها المتنوعة للزائرين مجاناً؟ أم أنها بدورها ستفرض رسوماً نظير تكاليفها، ويكون التصفح بالمقابل؟ ثم ما مدى موافقة ذلك لأهداف المشروع الثقافية والحضارية؟

       - الجانب الثقافي، ويتعلق بالتصور الثقافي الذي ينبغي أن تقوم عليه المكتبة العربية الرقمية، والذي يجب أن ينطلق من الواقع لإبراز ضرورة وجود سياسة ثقافية مؤسسة على فهم الماضي العريق والحاضر القلق بتحدياته ورهاناته واستشراف آفاق المستقبل الرحيب التي تعد بتنمية شاملة مبنية على الاندماج العربي في كيان معلوماتي متكامل مؤسس لبناء اقتصادي واجتماعي وأمني ثقافي، ولا يتسنى ذلك إلا بإعادة الاعتبار للعمل الثقافي واستغلال طرق ووسائل العمل التي تتيحها التقنيات الحديثة؛ في جمع البيانات وتحليلها، وطرح المقدمات واستخلاص النتائج، وتمتين التواصل بين الفاعلين في مجالات الثقافة والفكر، لتجاوز القصور واستعادة الثقة في الذات الثقافية والفكرية. ولتحقيق هذا الهدف يمكن استلهام تجارب الدول الغربية ومخططاتها الثقافية والتوجيهات التي وضعتها منظمة اليونسكو في إطار مشروعها الطموح » ذاكرة العالم« الذي انطلق سنة 1992([30]).

        - الجانب المالي: إن إنشاء مكتبة رقمية مكلف من الناحية المالية ولكن ينبغي اعتباره استثمار مربحاً على المدى الطويل، فهناك الحاجة إلى بنية أساسية مادية ثم إلى أجهزة وأطر مدربة خبيرة وإلى صيانة وتحديث وتجديد للأجهزة والبرامج. مع مراعاة أن الاستثمار في هذا المجال ينبني علي:

 

§    المردودية أي فائدة المكتبة الرقمية وأهميتها في خدمة المجتمع والفكر والثقافة والبحث العلمي.

§    الأولوية من حيث النصوص والمؤلفات التي تنبغي رقمنتها خاصة أن رقمنة رصيد مكتبي كبير أمر مكلف مادياً.

 

        وإذا نظرنا إلى المكتبات الغربية سنجد أنها تقتصر في الرقمنة على أكثر الكتب تصفحاً، فمثلاً نجد المكتبة الوطنية الفرنسية تحتوي أزيد من 12 مليون كتاب، غير أن الذي تتم استعارته لا يتعدى 4 % من ذلك الرصيد، ولذلك لجأت هذه المكتبة وأمثالها إلى تكوين الرصيد الرقمي بناء على الأهمية العلمية والطلبات التي تتلقاها من متصفحي مواقعها الإلكترونية على الشبكة العالمية للمعلومات، وبناء على ذلك يحتاج إنشاء المكتبة الرقمية العربية إلى تصور مالي واضح مبني على التصور الثقافي والعلمي لوظائف هذه المكتبة ومهامها والفئات التي يعد من أولوياتها خدمتهم.

        - الجانب العلمي، يعتقد كثير من الناس أن المكتبة الرقمية ما هي سوى وعاء إلكتروني يضم كماً هائلاً من النصوص والوثائق المرقمنة، ولذلك يعتبر بعضهم الشبكة العالمية للمعلومات نفسها مكتبة رقمية ضخمة([31])، والأصل أن المكتبات لا تقاس بمدى ما تحتويه من نصوص ووثائق فحسب بل بقيمتها العلمية وأهميتها المرجعية في التخصصات والمعارف التي تتعلق بها، ونتيجة لذلك تكون غير ذات قيمة علمية إذا لم تحتو نصوصاً ووثائق وكتباً وموسوعات تحترم المقاييس العلمية للتوثيق والأصالة. ولذلك وجب اختيار المضامين المقترحة للنشر في المكتبة الرقمية خاصة بالنسبة لجمهور الباحثين الأكاديميين الذين يتوجه هذا المشروع لخدمتهم إضافة إلى خدمة قاعدة عريضة من طلاب العلم والقراء من عامة الناس، فمن الضروري أن تكون المصادر والمراجع المحفوظة بالمكتبة... موثقة من الناحية العلمية (ضوابط التحقيق والأصالة مثلاً...) لكي يصح الاعتماد عليها من الناحيتين العلمية والأكاديمية، وهذا ما يجعل لمشروع إنشاء المكتبة الرقمية جانباً علمياً أساسياً ينطلق منه لتحقيق أهدافه وإلا سقط في الأخطاء التي سبقت إليها مشاريع طموحة صارت في النهاية - لكونها لم تحترم الضوابط العلمية الصارمة - مواقع للاستئناس والثقافة العامة (مثل مشروع الموسوعة الشعرية بالإمارات العربية، وموقع الوراق... إلخ)([32]) التي احتذت في طرق إعدادها بعض المشاريع العالمية كمشروع مكتبة غوتنبرغ Gutenberg([33]) في أمريكا التي كان هاجس واضع أساسها مايكل هارت (Michel Hart) ترويج النصوص المرقمنة وتمكين القراء في أي مكان من العالم من الإطلاع عليها دون التفات لضوابط التوثيق العلمي، فهذه المواقع وغيرها تتضمن مئات الكتب التراثية المهمة، غير أنها معروضة بصيغة نص (وورد word على الخصوص) وأهميتها تتمثل في التمكن من البحث فيها بسهولة عن النصوص أو الأعلام المرغوبة، لكنها غير موثقة بحيث لا يصح الاعتماد عليها بل لابد من الرجوع إلى النسخة الورقية، للتدقيق والتحقيق تجنباً للأخطاء وللتصحيفات التي تؤدي إلى أوخم النتائج.

       - الجانب التقني: يسود اعتقاد كبير أن الوسائل التقنية للمعلومات والاتصال وصلت إلى ذروة تطورها بحيث أمكنها تقديم حلول تقنية لكثير من المشكلات، غير أن ذلك غير صحيح فلا زالت عوائق تقنية كثيرة تحول دون استغلال الإمكانيات الهائلة للشبكة العالمية للمعلومات ومن هذه العوائق:

        أ - نشر المعرفة التقنية بين جمهور الناس حتى يكونوا مؤهلين للتعامل مع الحاسوب والشبكة العالمية للمعلومات وما يتطلبانه من تقنيات استعراض النصوص والمواقع وتحريرها وتخزينها... وغير ذلك، فلم يعد الاطلاع على الكتاب الإلكتروني أمراً يسيراً لا يتطلب سوى معرفة القراءة والحصول على نسخة من كتاب كما كان الحال عليه بالنسبة للكتاب الورقي بل أضحى من الضروري امتلاك معرفة التعامل مع الوسائط الإلكترونية للاستفادة مما تتيحه تقنيات البحث والتحرير التخزين، أي أنه لابد للتعامل مع النصوص الإلكترونية من امتلاك خبرة أساسية وضرورية:

 

                 أي معرفة لغة أخرى هي لغة الحاسوب وأيقوناته وعلاماته ووظائفه المختلفة، ويحتم هذا على المستعمل أن يكون ملماً ببعض المبادئ الأولية والأساسية للتعامل مع الحاسوب ليستطيع من خلاله التعامل مع النص الإلكتروني ([34]).

 

        ب -  توفير الأمن للمواقع وصيانتها من الاختراق والتغيير أو التدمير خاصة أن هناك دائماً أعداء يتربصون بالمواقع لاختراقها رغبة في إثبات تفوقهم المعرفي أو تحقيق مآرب سياسية أو أيديولوجية، ويعد الخطر الإسرائيلي أكبر ما يهدد المواقع العربية الإسلامية الجادة، يقول الدكتور نبيل علي:

 

                 لن نواجه في معركتنا الثقافية الضارية على ساحة الأنترنيت أفراداً ومؤسسات فقط، بل جيوشاً جرارة من روبوتات المعرفة تقتحم علينا مواقعنا عبر الشبكة لتستنزف منها المعلومات وتحللها وتتبادلها، وتضيف إليها، وتعيد صياغتها، وتكيفها وفقاً لأهواء أصحابها، ولا يخامر الكاتب أدنى شك في أن إسرائيل ستكون سباقة كعهدنا بها إلى استغلال التكنولوجيا... وعلينا أن نفكر من الآن كيف نحصن مواقعنا من هذا التطفل الإلكتروني ونحرس تراثنا بحيث لا ينهب في غيبة منا من قبل زوار الليل الجدد([35]).

 

        ج -  طرق النشر وتقنياته التي لما تصل بعد إلى تصور واضح وفعال خاصة بالنسبة للنصوص المكتوبة حيث تطرح عدة مواصفات تقنية بالنسبة للغات البرمجة، منها([36]):

        - تقنية العرض بناء على برمجة بلغات متنوعة من أكثرها رواجاً:

(HYPER TEXT MARKUP LANGUAGE) HTML - (STANDARD GENERALIZED MARKUP LANGAGE) SGML (EXTENSIBLE MARKUP LANGUAGE) XML.

وهي لغات برمجة معتمدة لعرض النصوص الرقمية وما إليها على شاشات الحاسوب ونشرها على الشبكة العالمية بطرق عرض مخالفة لما كان مألوفاً في النشر الورقي، فتصفف النصوص في صفحات ممتدة قد تحوي الصفحة الواحدة منها كتاباً متوسط الحجم. وقد ترتبط بها صفحات أخرى ارتباطاً تشعبياً، ومن ثم تتغير طريقة المطالعة من القراءة الأفقية إلى القراءة العمودية المتنقلة بين النصوص بل بين الصفحات.

        - تقنية العرض (PORTABLE DOCUMENT FORMAT) PDF وهي طريقة تتم عبرها رقمنة النصوص أو على الأصح تصويرها بالماسح الضوئي، كما هي في أصولها الورقية، ويشبهها بعض الباحثين بالطباعة الحجرية في فجر ظهور الطباعة حيث كانت المنشورات الأولى تشبه إلى حد كبير المخطوطات بمحافظتها على أصالة الخط وعلى نوعية الكتب([37])، وتعد هذه الطريقة أفضل التقنيات من حيث احترام ضوابط الأصالة والتوثيق العلمي، وأكثرها خدمة للباحثين في مختلف المجالات بإتاحتها عرض الكتب كما هي في الأصل بصفحاتها وهوامشها، فتصبح التقنيات الرقمية، وسيطاً لنقل الكتاب لا بديلاً عنه، ولهذا السبب اختارتها مكتبات رقمية عالمية لتخزين النصوص والوثائق وعرضها ومنها المكتبة الوطنية الفرنسية في موقعها GALICA([38]).

        إن لكل من هذه التقنيات إيجابياتها وسلبياتها فيما يخص التعامل مع المحفوظات استعراضاً وتحويلاً وبحثاً ونسخاً وتحميلاً. إضافة إلى طرق العرض والتصميم التي ينبغي أن تؤسس على مقاييس جمالية تجذب المتلقي وتستهويه، ثم طرق حفظ مضامين المكتبة وفهرستها والترويج لها في محركات البحث وفي المواقع الجماهيرية وفي أوساط المتعلمين والباحثين بالمؤسسات التعليمية والعلمية، وتوفير ظروف مواتية للتصفح والزيارة بضمان صلاحية التشغيل وسرعة نقل البيانات. وهذا الجانب وإن كان يعتبر من حيث المبدأ شكلياً إلا أنه لب العمل وصورته النهائية فليست قيمة المواقع الإلكترونية في مضامينها فحسب بل في صيغ تصميمها وجمالية بنائها وسهولة الاستفادة منها.

        وختاماً نقول إنه لا يمكن أن يتحقق مشروع المكتبة العربية الرقمية دون دراسة وتحديد السياسة الثقافية والعلمية التي سينطلق منها ويعمل بمقتضاها والعمل على إيجاد الحلول الناجعة للقضايا المطروحة والجوانب الحساسة كالمتعلق منها بالملكية الفكرية والمادي المتعلق بطرق التمويل وسبل الإنجاز ووسائل تحقيق الأهداف المرسومة، لذلك فإن تبني المؤسسات العربية فكرة المكتبة أو المكتبات الرقمية وعملها في سبيل إخراجه إلى حيز الوجود بمبادرة بلد أو بلدان عربية يعتبر خطوة أساسية للدخول العربي الإسلامي إلى عصر المعلومات فـ:

 

                 التخطيط لخدمات معلوماتية باللغة العربية من خلال استخدام تقنيات شبكة المعلومات... ووضع مواقع المؤسسات الفاعلة على الشبكة العنكبوتية هو من الأمور الحضارية التي تستحق الاهتمام، ليس من قبل الباحثين فقط، ولكن من قبل أصحاب القرار والمنفذين أيضاً([39]).

 

        ومن أوائل ما يجب مراعاته العناية بالمتلقي الذي سيستفيد من هذه المكتبة الرقمية وغالباً ما يكون - في وقتنا الراهن - من فئة الطلبة والباحثين والعلماء والمفكرين، حتى لا تكون ديكوراً ثقافياً أو تقنياً يزين واجهة الثقافة العربية دون أن ينفذ إلى عمقها المعرفي. كما تنبغي العناية بنوعية البيانات التي تنبغي رقمنتها لعرضها على المتصفحين في المكتبة فتؤخذ بعين الاعتبار أصناف المتلقين المستفيدين من تلاميذ وطلبة وباحثين وتدرج بيانات تفيد كل فئة دون إخلال بحق الفئات الأخرى.

 

        إضافة إلى ذلك ينبغي أن تتركز الرقمنة على المصادر المعرفية التراثية أو الحديثة القليلة أو النادرة الوجود، أما الاهتمام بالبيانات المنتشرة الموجودة في طبعات ورقية فهو من باب تحصيل الحاصل، تعد العناية به ترفاً لا مبرر له وإضاعة للمال والجهد، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار القدرة المادية للمستفيدين بوجه عام، فرقمنة الكتب والوثائق لا تغني أبداً عن طبعها، ومن المفروض أن يقوم الطالب أو الباحث بتصفح البيانات المتاحة وحفظها على أقراص مرنة أو مدمجة أو صلبة. وفي المرحلة الحالية يكلف طبع أجزاء من البيانات الموجودة على الشبكة العالمية للمعلومات مبالغ مالية غير يسيرة، وربما تصل تكلفة طبع مقال أو كتاب إلى أضعاف سعر نسخه الورقية عكس ما نجده في أوربا وأمريكا، نظراً للضرائب الجمركية الكبيرة المفروضة على المواد المكتبة وحبر الطباعة ضمنها.

        إلى ذلك فإن الاستفادة من المكتبة الرقمية العربية، يرتكز أساساً على وضع الدول والمؤسسات العربية لتصور واضح لسياستها الثقافية والعلمية والتعليمية بناء على إدراك عميق لقيمة التقنية الرقمية في خدمة المجتمع وفي نشر الإحساس بقيمة المعلومات في التطور والنهوض، ولا يتحقق كل ذلك إلا بتجاوز ثقافة الاستنساخ الثقافي والفكري لتجارب الآخرين بطريقة آلية. فبإمكاننا أن نقتني الآلات والبرامج لكن ليس بالإمكان اقتناء الأفكار والتصورات، فلكل بيئة خصائصها ولكل أمة هويتها ولكل حضارة خصوصياتها التي ينبغي الانطلاق منها للنهوض الحضاري([40]).

        إن الثورة التقنية الرقمية تعتبر فرصة سانحة إذا أحسن استغلالها لتأسيس نهضة عربية حقيقية شرط توفير البيئة الاجتماعية والثقافية والعلمية الملائمة، وتأسيس الحياة على قيم إنسانية أساسها حرية الفكر والإبداع وتقديرهما ودعم البحث العلمي واستغلال الطاقات العلمية العربية التي يحسن الآخر الغربي استدراجها والاستفادة منها في تعضيد قوته والحفاظ على تفوقه([41]).

        وخاتمة المطاف أنه لابد من مراجعة الذات بخصوص كثير من القضايا المتعلقة بتصوراتنا الفكرية والاجتماعية حول شروط النهوض، والقيام بخطوات جريئة في هذا المجال تتأسس - كما فعلت بلدان كثيرة قبلنا - على فهم الذات وتحديد الحاجيات ثم وضع تصورات واضحة والبدء بكل سرعة في تنفيذها حتى لا يفوت الوقت ويمر الزمن دون أن نتمكن من بناء فكري تنموي فعال، فالتقنيات أولاً وأخيراً ليست سوى إناء لابد من أن يملأ بنتاج فكري مؤسس على الهوية وملائم للبيئة وموافق للحضارة وإلا صار وعاء فارغاً لا يفيد اقتناؤه إلا للزينة وللمفاخرة.

 

 


([1])      يراجع مثلاً: ألكسندر سيبتفيتش، تاريخ الكتاب، ترجمة محمد الأرناؤوط، سلسلة عالم المعرفة، عدد 169، يناير 1993، ج 1، ص. 222.

([2])      يراجع كذلك: توبي أ. هف، فجر العلم الحديث، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرف، عدد 219، غشت 1997، ص. 90.

([3])      تقرير التنمية الإنسانية العربية، نحو مجتمع للمعرفة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المكتب الإقليمي للدول العربية، عمان - الأردن، 2002، ص. 71.

([4])      تحقيق حول الرقمنة والصيانة، إشراف ماري تيريز فارمالوف، الاتحاد العالمي لجمعيات المكتبيين ومنظمة اليونسكو، في إطار برنامج مكتبة العالم، يمكن مراجعة التحقيق بالموقع التالي: http://www.unesco.org/webworld/mdm/survey.

([5])      نستعمل هنا ترجمة الدكتور نبيل علي لكلمة: virtual أو virtuality بخائلي أو خائلية بينما يترجمها آخرون بالافتراضية أو الوهمية أو الخيالية وكلها ترجمات غير دقيقة، وتعني المحاكاة الحاسوبية للواقع. راجع: نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، ضمن سلسلة عالم المعرفة، عدد 276، دجنبر 2001، يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، ص. 103.

([6])      موقعها على الشبكة العالمية: www.loc.gov. وتقرير حول مشروع الرقمنة بها في http://www.digitalpreservation.gov/repor/ndiipp_plan.pdf.

([7])      موقعها على الشبكة العالمية: www.gallica.bnf.fr بدأ العمل بها سنة 1988 وشملت حتى الآن 50 ألف كتاب و35 ألف صورة.

([8])      وموقعها هو: WWW.BNE.ES.

([9])      موقعها على الشبكة العالمية: www.Cervantesvirtual.com وقد افتتحت سنة 2000 بهدف نشر مائة ألف كتاب بلغات متعددة على رأسها الإسبانية.

([10])     انطلق التفكير في هذا المشروع بمشاركة سبع مؤسسات هي المكتبة الوطنية الفرنسية ووزارة الثقافة والاتصال الفرنسية والمكتبة الوطنية لمجلس النظام باليابان، ومكتبة الكونغرس الأمريكية والمكتبة الوطنية  =

=       الكندية، والمكتبة الألمانية والمكتبة البريطانية ودار المحفوظات السمعية بإيطاليا. وانضمت إليها لاحقاً المكتبات الوطنية بكل من سويسرا والبرتغال وإسبانيا وجمهورية التشيك والمكتبة الملكية لألبير الأول ببلجيكا ومنظمة اليونسكو بصفة مراقب. ويمكن الاطلاع على معطيات المشروع في الموقع التالي: www.konobid.nl/gabriel.

([11])    يمكن الاطلاع على مزيد من المعلومات بشأنه في الموقع التالي: www. menalib.org.

([12])    بول دولاني،«الحاسوب والنقد الأدبي»، ترجمة نجيب غزاوي، مجلة ثقافات، عدد 3، صيف 2002، تصدر عن كلية الآداب، جامعة البحرين.

([13])    الدكتور نبيل علي في كتابيه الهامين المتميزين: العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة، يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، عدد 184، شوال 1414/ أبريل 1994،
ص.
427؛ والثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية مستقبلة للخطاب الثقافي العربي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 276، ديسمبر 2001.

([14])    تقرير التنمية الإنسانية العربية، المرجع السابق، ص. 170.

([15])    يراجع حول ذلك تقرير عن ورشة عمل حول المكتبات الرقمية، هبة محمد وفاء وآخرون، دار الكتب المصرية، بتاريخ 15/ 10/ 2003، ص. 2.

([16])    L'univers parallèle des bibliothèques virtuelles, PIERRE-LOUIS CHANTRE-L'HEBDO swisse, N° 7, 13 février, 1997.                                                          

([17])    المهدي بن محمد السعيدي، «التراث والتقنيات الحديثة للمعلومات»، مجلة التراث العربي، عدد 90، ربيع الآخر 1424 هـ/ حزيران/ يونيو 2003، ص. 146، يصدرها اتحاد الكتاب العرب، دمشق - سوريا.

([18])    ورد في البند الثاني لمشروعات التنمية البشرية: «إنشاء مكتبة عربية رقمية، وربط مراكز التوثيق والمعلومات في العالم العربي». يراجع تقرير حول بلورة الاستراتيجية العربية للاتصالات والتقنية المعلوماتية إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ، ص. 10، على الموقع التالي: www.aticm.org.eg.

([19])    نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، المرجع السابق، ص. 227.

([20])    نفسه، صص. 238-288.

([21])    تقرير التنمية الإنسانية العربية، المرجع السابق، سنة 2003، ص. 173.

([22])    يراجع نموذج من المعالجة الحاسوبية للغة العربية في: عبد الغني أبو العزم، «اللغة العربية والمعالجة الآلية»، مجلة فكر ونقد، عدد 31، السنة 4، شتنبير 2000، ص. 59 وما بعدها.

([23])    يراجع حول هذا الموضوع: جاسم محمد جرجيس وبهجة مكي بومعرافي، «التراث العلمي العربي والأنترنيت»، المجلة العربية للمعلومات، عدد 1، مجلد 22، تونس، 2001، ص. 25.

([24])    نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، المرجع السابق، ص. 79.

([25])    سامي خشبة، «مجتمع المعرفة استكشاف أولي ونظرة نقدية»، ضمن مستقبل الثورة الرقمية، العرب والتحدي القادم، كتاب العربي، عدد 55، يناير 2004، صص. 68-69.

([26])    كمال عبد الحميد زيتون، تكنولوجيا التعليم في عصر المعلومات والاتصالات، دار الكتب، 1422 هـ/ 2002 م، ص. 22.

([27])    بيل جيتس، المعلوماتية، طريق المستقبل، ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة، عدد 231، ذو القعدة 1418 هـ/ مارس 1998 م، ص. 149.

([28])    رياض بن لعلام، «حدود المسؤولية الإعلامية والقانونية للمنتج والمستهلك في مجتمع المعلومات، التحميل من قواعد البيانات كمثال»، المجلة العربية للمعلومات، عدد 1، مجلد 22، تونس، 2001، ص. 87.

([29])    ينظر حول المشروع الرقمي للمكتبة الوطنية اليابانية موقعها على الشبكة العالمية: www.ndl.go.jp.

([30])    يمكن الاطلاع على تفاصيل المشروع في موقع المنظمة العالمية التالي:

www.unesco.org/webworld/mdm.

([31])    يراجع مثلاً: الأخضر إيدروج، «طريق النشر العلمي الإلكتروني، بناء المجتمع الرقمي»، مجلة آفاق الثقافة والتراث، عدد 37، السنة 10، محرم 1423 هـ/ أبريل 2002 م، ص. 114.

([32])    من نماذج الإصدارات المجافية للمقاييس العلمية للضبط والتحقيق أعمال مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي بالأردن المسجلة على أقراص مدمجة والمؤسسة على رقمنة أمهات كتب التراث بعد بتر تحقيقاتها العلمية. يراجع مقالنا: «التراث العربي والتقنيات الحديثة للمعلومات»، مجلة التراث العربي، عدد 90، السنة 23، ربيع الآخر، 1424 هـ/ حزيران/ يونيو 2003، ص. 145.

([33])    موقع هذه المكتبة الخائلية على الشبكة: www.promo.net/pg وهدف مؤسسها نشر عشرة آلاف نص منذ انطلاقها سنة 1971.

([34])    سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط، مجلة عالم الفكر، عدد 2، أكتوبر-دجنبر 2003، مجلد 32، ص. 81.

([35])      نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، المرجع السابق، ص. 102.

([36])      من الدراسات التطبيقية التي تعرضه للإشكالات التقنية للنشر الإلكتروني، تقرير رائد أنجزه المختبر الكيبيكي للنشر الإلكتروني للمجلات الجامعية، في يونيو 1999 أشرف على إنجازه جيرارد بواسمونو، ص. 176 يراجع نص التقرير كاملاً على الموقع: WWW.ERUDIT.ORG.

([37])      يراجع حول الطباعة الحجرية: فوزي عبد الرزاق، مملكة الكتاب، تاريخ الطباعة بالمغرب 1365-1912، تعريب خالد بن الصغير، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1996،
ص.
142.

([38])      DANIEKKE TRUDEAU-L'APPORT DES NOUVELLES TECHNOLOGIES AU DOMAINE DE L'EDITION CRITIQUE in:                                                     

 http://www.sjsu.edu/depts/foreign_lang/Constant/apport.html#hypertexte.

([39])      بن عيسى باطاهر، الدور الحضاري للعربية في عصر العولمة، جمعية حماية اللغة العربية، الإمارات العربية المتحدة، 1422 هـ/ 2001 م، ص. 31.

([40])      ردد المفكرون والباحثون العرب على مدى أزيد من ربع قرن هذه الدعوات خاصة في مجال الاستفادة من التقنيات الرقمية قارن مثلاً بين ما ورد في كتاب: أنطونيوس كرم، العرب أمام تحديات التكنولوجيا، صدر عام 1982 ضمن سلسلة عالم المعرفة، عدد 59؛ ونبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، الصادر عام  2001، عن السلسلة ذاتها، عدد 265.

([41])      يراجع بالخصوص بشأن ضروريات النهضة الحضارية، تقرير التنمية الإنسانية العربية، المرجع السابق، 2003، ص. 145.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)