المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

التكنولوجيا تغير خريطة الطاقة العالمية

📅 30-01-2013 05:25 ص | 👁️ المشاهدات: 196 | كتب: كريم خليل http://www.rcssmideast.com
سهلت التطورات التقنية في مجال استخراج النفط والغاز الوصول إلى أنواع جديدة من الموارد الهيدروكربونية لم تكن متاحة من قبل. ساهم في ذلك ارتفاع أسعار النفط التقليدي،
سهلت التطورات التقنية في مجال استخراج النفط والغاز الوصول إلى أنواع جديدة من الموارد الهيدروكربونية لم تكن متاحة من قبل. ساهم في ذلك ارتفاع أسعار النفط التقليدي، مما جعل الاستثمار في مثل هذه التقنيات أكثر ربحية على المستوى الاقتصادي. كما ساهم في ذلك ارتفاع الطلب على الطاقة في دول أسيا الصاعدة، خاصة الصين والهند، الذي جعل التنافس على الموارد المتاحة أكثر سخونة.
 
من ناحية أخرى، تخشى الدول المعتمدة على استيراد الطاقة من اندلاع النزاعات والتوترات في المناطق المنتجة للنفط مثل الشرق الأوسط وإفريقيا، مما يهدد استمرار تدفق الطاقة ويؤدى إلى ارتفاع أسعارها. ومن المتوقع أن يؤدى استخدام التقنيات الجديدة إلى تحول في خريطة الطاقة العالمية، مما قد يغير من الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط التي ارتبطت تقليديا بمواردها من البترول والغاز.
 
على مدى نصف قرن كانت منطقة الشرق الأوسط مركزًا رئيسيًّا لإمدادات الطاقة؛ إلا أنه في الآونة الأخيرة شهدت صناعة النفط تطورا تكبيرة قد تدفع بالمركز العالمي لهذه الإمدادات بعيدًا عن المنطقة. وترجع هذه التطورات في الأساس إلى استحداث تكنولوجيات جديدة للتنقيب؛ كطرق الحفر الأفقي، أو التكسير الهيدروليكي ،Hydro-Frackingلاكتشاف النفط والغاز. وقد حققت هذه التكنولوجيات طفرات واسعة في استخراج النفط والغاز مما يعرف بتكوينات الصخور والرمال الزيتية.
 
 فعلى سبيل المثال؛ بات الغاز المستخرج من هذه التكوينات يساهم وحده بثلث إمدادات الغاز في الولايات المتحدة. وأدى توافره في الأسواق الأمريكية بكميات ضخمة إلى انخفاض أسعار الغاز الطبيعي في عام 2011 لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عشرة أعوام، وإلى أن تتحول الولايات المتحدة من مستورد للغاز الطبيعي إلى مُصدِّرٍ له، وتنخفض وارداتها من البترول إلى أقل من النصف لأول مرة منذ عام 1996 .وفي ظل هذه التطورات التكنولوجية المتسارعة؛ يثور التساؤل حول ما إذا كانت هذه الاكتشافات من النفط والغاز الصخري قادرة بالفعل على تغيير خريطة الطاقة العالمية، بما لها من تداعيات كبيرة على وضعية منطقة الشرق الأوسط الإستراتيجية، أم أن وضعية الشرق الأوسط كمركز ثقل في إمدادات الطاقة ستظل كما هي، على الأقل في المستقبل المنظور؟
 
الاعتبارات الاقتصادية والبيئية
 
تُشير التقديرات إلى وجود حوالي 600 موقع لمخزونات الصخر الزيتي في 27 دولة حول العالم. ولا توجد أرقام مثبتة عن الاحتياطات؛ إلا أن معظمها يتركز في الأمريكتين، والتقدير المتاح حاليًّا أنها قد تصل إلى 2 تريليون برميل في الولايات المتحدة، و 2.4 تريليون في كندا، و 2تريليون في أمريكا الجنوبية، في مقابل 1.2 تريليون من احتياطي الطاقة التقليدي في الشرق الأوسط.
 
وخلال عام 2011؛ شهدت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها توسعا غير مسبوق في إنتاج النفط المستخلص من الصخر الزيتي باستخدام التكنولوجيات الحديثة، ليصل الإنتاج إلى أكثر من 700 ألف برميل في اليوم ليزيد إنتاج النفط المحلي بحوالي % 20 ، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج من نصف الكرة الغربي إلى 10 ملايين برميل يوميًّا بحلول 2020.
 
وعلى الرغم من أن معظم الاكتشافات جاءت في الأمريكتين؛ إلا أن هذه الثورة ستمتد أيضًا إلى أوروبا. وقد بدأت شركات الطاقة الكبرى في شراء مساحات شاسعة من الأراضي في مختلف أنحاء أوروبا الشرقية، وهي المنطقة التي يُعتقد أنها ستكون الوجهة العظمى المقبلة للتنقيب عن الغاز الصخري. ووفقًا لدراسة أجرتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية العام الماضي، قد يكون لدى أوروبا ما يقرب من 639 تريليون قدم مكعب من موارد الغاز الصخري القابلة للاستخراج، وهي مساحة ليست أقل كثيرًا من المساحة الموجودة في الولايات المتحدة، البالغة 862 تريليون قدم مربع.

 
 
هذا، وترتبط الجدوى الاقتصادية لاستخراج الزيت الصخري بسعر النفط الخام من المصادر التقليدية، ووفقًا لدراسات الجدوى فإن مشاريع استخراج البترول والغاز من الصخور الزيتية وغيرها من مشاريع النفط غير التقليدي تصبح مجدية اقتصاديًّا عندما يكون سعر برميل النفط فيما بين 65 - 50 دولارا/برميل . و مع التطور الكبير في التكنولوجيات المستخدمة، من المتوقع أن تنخفض تكلفة الاستخراج، وتبدو الشركات الأمريكية مصممة على استغلالها إلى أبعد مدى، ليس فقط في قطاع استخراج الغاز والنفط، وإنما كذلك في قطاعات الصناعات الكيماوية، والصلب، والقطاعات الأخرى.
 
وبالرغم من النجاحات التي حققتها هذه التكنولوجيات الجديدة؛ إلا أن أعمال التعدين يرافقها العديد من التأثيرات البيئية، مثل التخلص من الأحماض والانبعاثات السامة والمعادن الناتجة عن هذه العملية، بما في ذلك الزئبق في المياه السطحية والجوفية. وأعربت الكثير من جمعيات حماية البيئة عن قلقها من هذه التأثيرات البيئية، حتى إن البعض رأى أن المشاكل البيئية المرافقة لاستغلال الصخر الزيتي أكبر بكثير من تلك المرتبطة باستغلال النفط العادي. و تزداد المعارضة البيئية لعملية التكسير الهيدروليكي بصورة خاصة في أوروبا عنها في أمريكا، والمخاوف من أن تتسبب هذه العملية في تلويث المياه الجوفية، دفعت كلا من فرنسا وبلغاريا إلى حظرها، ومن المتوقع أن تلحقها بعض الدول الأوروبية الأخرى.
 
 
التداعيات علي منطقة الشرق الأوسط
 
مما لا شك فيه أن هذه الاكتشافات الجديدة بالولايات المتحدة، بجانب الاكتشافات في مناطق أخرى في العالم، ستجعل الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على إمدادات الطاقة من منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، وهو ما ستكون له آثار إستراتيجية واسعة؛ فمن المعروف أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط طوال العقود الماضية كانت تقوم على أساس حماية مصلحتين أساسيتين، هما: الدفاع عن أمن إسرائيل، وتأمين مصادر الطاقة للولايات المتحدة
 
. فسنجد أن دور المملكة العربية السعودية المهيمن في معروض النفط العالمي -أو كما يوصف بأنها البنك المركزي العالمي للبترول - قد يتعرض لتحدٍّ بسبب هذه الاحتياطيات الكبيرة في أمريكا الشمالية، فعلى مدى سنوات طويلة اعتبرت أسواق الطاقة العالمية أن الطاقة الإنتاجية الفائضة للسعودية هي خط الدفاع الأخير ضد ارتفاع الأسعار، وكان الحوار العالمي في قطاع الطاقة يقوم على افتراض الندرة الشديدة في الموارد، إلا أنه بهذه الاكتشافات قد تتغير المعادلة بصورة كبيرة. من الناحية العملية؛ قد يعني هذا بدء فض الاشتباك -ولو بصورة تدريجية- للولايات المتحدة من كثير من قضايا المنطقة، أو على الأقل البدء في التفكير حول إمكانية مشاركة لاعبين آخرين لها مثل الصين في الاضطلاع بدور » الضامن الأمني « إذ باتت الأخيرة لديها اهتمامات واسعة ومتشعبة في تأمين مصادر الطاقة من المنطقة. فالصين في واقع الأمر تحولت إلى ولايات متحدة أمريكية جديدة بالمنطقة، فأصبحت توفر ما يقرب من نصف احتياجاتها من واردات الطاقة من المنطقة، في الوقت الذي نجحت فيه الولايات المتحدة في تنويع مصادر إمداداتها من البترول لتصل إلى 22% فقط من وارداتها من المنطقة. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستنسحب تماما من المنطقة فستظل قضية أمن إسرائيل مسألة رئيسية تحتل مقدمة أولويات الإدارات الأمريكية المختلفة، وكذا الكونجرس الأمريكي .

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)