المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

الهروب الموقت

📅 26-02-2013 01:47 ص | 👁️ المشاهدات: 198 | كتب: أمينة خيري
منذ اندلاع الربيع العربي وكثر يعتريهم وخز للضمير كلما توجهوا بالريموت كونترول بعيداً من متابعة رياح السياسة وتتبع أعاصير التحول وملاحقة زهور التغيير وهي تقع صريعة ما يسمى بالتحول الديموقراطي. فالمواطن، لا سيما القابع في قلب بلدان الربيع، يملي عليه عقله ضرورة متابعة الحدث وقت وقوعه، والالتصاق بالشاشة الخبرية أين ما ذهب.

 

كلمة «عاجل» المزرية باتت لا تبارح الشاشات المتصارعة على المواطن المسكين، ولونها الأحمر المزعج ينبئ دائماً وأبداً بكارثة في طور التكوين. والمعروف أن متابعة الكارثة وقت حدوثها أكثر إثارة وأعمق متعة من القراءة عنها أو مشاهدتها بعد تبلورها. أما قلب المواطن فيتأرجح بالضرورة بين واجب المتابعة ورفاهية البعد. لكنّ الرفاهية في عرف الثقافة العربية كثيراً ما ترتبط بالجبن والضعف والتخلي عن الواجب، ومن ثم يستمتع كثر في هذا الجزء من العالم، أو هكذا يقنعون أنفسهم، بأن الابتعاد عن باقة القنوات الخبرية يعد انتقاصاً من الرجولة وتشكيكاً في الشهامة. ولكن يظل البشر بشراً على رغم أنف الربيع وصعوبات التحول، وعلى رغم العادات والتقاليد. فالحصول على قسط من فيلم مصري قديم أبطاله منغمسون في قصة غرام وانتقام بات ضرورة ملحة. واستراق النظر إلى حفلة اختيار ملكة جمال العالم وما تحويه من قدود ممشوقة وأسئلة تبدو كأنها من الفضاء الخارجي عن الحق والخير والجمال أصبح حتمياً. والانغماس في الحلقة 190 من مسلسل «الجريء والجميلات» جرعة مخدرة سريعة مسموح بها شرط عدم الإفراط.. حتى الهروب إلى نشرة أخبار إنكليزية أو برنامج تحليلي فرنسي أو فقرة طهو إسبانية تبدو فكرة طيبة للهروب الموقت من الربيع وأخباره.

وتكمن المشكلة في معالجة الآثار الناجمة عن هذا الهروب الموقت، فكم من مشاهد لم يعد ضميره يوخزه بل أصبح يوجعه لأنه ابتعد عن رياح الخماسين التي تهب على بلاده، وكم من هارب عاد لشاشاته الخبرية ليفاجأ بمجزرة مأسوية انتهزت فرصة غيابه لتقع تاركة إياه محملاً نفسه جزءاً من المسؤولية لغيابه عن الشاشات. وكم من عائد إلى الخبر العاجل وهو يمنّي نفسه بأن الربيع انتهى وآن أوان فصل آخر طال انتظاره، حتى وإن كان شتاء قارساً، فإذ به يفاجأ بأنباء عن إعادة الربيع من البداية وعدم احتساب الوقت الضائع.

إنه حقاً شعور غريب مريب. لذة، اقتناص لحظات ممنوعة بعيداً من أعين السياسة ومجرياتها تحمل في طياتها متعة موقتة زائلة لا تصمد أمام الربيع المتدفق. حتى القدرة على تبرير الهروب نحو قنوات الدراما أو شاشات الرقص أو برامج الطهو تنهار أمام الهبة الأولى من هبات الربيع. لكن الربيع على رغم أنه يأتي أحياناً – وربما دائماً – بما لا يشتهي المواطن، إلا أن هباته لن تهدأ بالهروب الموقت إلى الدراما أو باللجوء الدائم إلى الجريء وجميلاته أو بطلب الغوث من نشرة أخبار غربية أو وصفة لحم صينية. فالربيع سيظل على الشاشات يطارد المشاهد في غرفة نومه شاء أو أبى، هرب أو أذعن.


© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)