عاجل
الكتب كتب صادرة

«كتابة على جدار الصحافة»

تبدأ الحكاية في بلدة «المتين» حيث فرض الواقع المعيشي على «الشاويش» أن يصارح نجله الأكبر طلال سلمان: «راتبي يقصر عن إعالتكم جميعاً، عليك أن تساعدني بأن تحمل نفسك بنفسك... اذهب برعاية الله، فتدبّر أمر إكمال تعليمك وسكنك بالعثور على عمل يدرّ عليك ما تحتاج إليه لحياتك... وكلّ ما أستطيع تزويدك به، بعد الدعاء، هو هذه الليرات الأربعون، تنفق منها، ريثما يتوافر لك دخل تعيش به» .

«كتابة على جدار الصحافة»
اضغط للتكبير

 

في كتابه «كتابة على جدار الصحافة»، (دار الفارابي)، يروي الصحافي طلال سلمان بعضاً من هذه الحكاية وهي سيرة حياته، وشيئاً من تاريخ صحافة لبنان، ونظامه السياسي «الفاسِد والمفسِد»، بحيث سمح له موقعه الصحافي أن يدخل في دهاليز السياسة، ويشهد «بازارات» السياسيين، بين موالٍ ومعارِض، بائع ومشترٍ. وهو يصوّر مدينة بيروت «أميرة الحزن العربي، المتلألئة بأنوار الثقافة والعلم...»، إضافة إلى وجوه الشباب في تلك المدينة، وكيف كانوا يخترقون الشوارع في تلك المرحلة، مفعمين بالطموح والآمال: الثورة الفلسطينية، جمال عبدالناصر، الوحدة العربيّة... ساحات كانت تتّسع لكل لبنان، يدوّي فيها الفراغ الآن!

جدار يخلفه جدار: جدار الفقر. جدار الوحدة. جدار الخوف. جدار الظلم. جدار السياسة. جدار الصحافة. وليس آخرها جدار الحب. هذا الواقع الأليم أبرَزَه طلال سلمان بأسلوبه الساخِر الذي يضمر الكثير من الألم. ولعل القراءة المتأنية للكتاب، وتخيّل بعض المواقف أو محاولة تشخيصها، تتجلّى بوضوح ملامح من المرارة والحزن اللذين عاشهما الكاتب.

الليرات الأربعون نفدت! والعمل في الصحف لا يزال من دون أجر! كانت البداية صعبة جداً، بدءاً من مرحلة التدريب المجاني «قال لي المحرّر في الجريدة: لولا أنّني أقدّر تعبك لطالبتك بأن تدفع كلفة تعليمك بدل أن تطالب بمرتّب!». ثمّ مرّت أيام قطع فيها طلال الشاب مسافات طويلة ركضاً ليتسنّى له أن يركب الترامواي! وانقضت ليالٍ نام فيها جائعاً، وكذلك كانت نهاراته «لم يكن يملك أن يشارك» الزملاء «في وليمة الطعام التي يتقاسمون كلفتها، وليس معه ما يؤهّله للشراكة» حتى انقضت أشهر ثلاثة، فدخل على زملائه صائحاً بفرحٍ مكبوت: «تفضّلوا يا شباب، كلوا مرتّبي الأول!».

أخذت رتبة الفتى ترتفع عاماً تلو عام: من مصحّح إلى محرّر إلى سكرتير تحرير فإلى سجين بتهمة مفبرَكة! وجد الصحافي الشاب نفسه سجيناً في الزنزانة الرقم 12، وحيداً، حتى دخلت عليه ذبابة! فأسقطت عنه حال الوحدة : «طرق الدركيّ الباب ثمّ فتحه للخادم الذي كان يحمل إليه «وجبته» المعتادة. قال في نفسه: هذا سيتيح لي أن أكرم ضيفتي (الذبابة) الجائعة بالتأكيد، فهي دخت باحثة عن أيّ شيء يؤكَل فلا تجد. ثمّ رفع صوته قائلاً كمَن يخاطبها: أنت ذبابة مثقفة! ولذلك تقصدين الكتب حيثما ذهبت، فإن لم تقصديها قصدتك. هيّا تفضّلي شاركيني طعامي الشهي!».

تجربة السجن، كانت شديدة المرارة، وقد تركت أثراً عميقاً في نفس هذا السجين، وكذلك مساحة لا بأس بها من فصول الكتاب. خرج من السجن بريئاً، وإن وجد أنّ البراءة لم تعد تنفعه بعدما خسر سمعته ومواقع عمله. إلا أنّ رئيس المحكمة زجره قائلاً: «اشكر ربك، يا ابني، كان يمكن أن تنتهي أوضاعكم إلى ما هو أسوأ... هيا اذهب، مع السلامة!».

كانت صدمة الشاب بالقضاء كبيرة، وكذلك كانت صدمته بالصحافة حين راح، بعد أن استعاد حريّته، يقرأ عناوين الصحف التي صدرت خلال فترة توقيفه... فتساءل عن قيمة الصحافة، وإذا كانت مجرّد ناقل لمعلومات توزّع عليها فتنشرها من دون تدقيق، على رغم أنها قد تقضي على مستقبل مواطنين فضلاً عن إساءتها إلى صورة العدالة... هل هذه هي بالفعل مهمة الصحافة؟ لمن يشكو أمره هو ومعه كل الآخرين؟ مَن يوصل الصوت؟

بالطبع، لم يكن السجن هو الجدار الأخير. لكنّ طلال سلمان، وقف وصمَد وتابَع، حتى أصدر عام 1974 جريدة «السفير»، تحت شعار «صوت الذين لا صوت لهم» وهي أصبحت واحدة من أبرز الجرائد اليوميّة اللبنانيّة، وتكاد تدخل عامها الأربعين.

أصبح الشاب رئيس تحرير، ومع الوقت بات ينتظره قرّاؤه في افتتاحيّة يوم الاثنين تحت عنوان «كتب طلال سلمان»، ثمّ ما لبث أن ابتدع لنفسه زاوية أدبيّة، تصدر يوم الجمعة في «السفير الثقافي» تحت عنوان «هوامش». والجدير ذكره هو الأسلوب الأدبي الذي يمتاز به طلال سلمان صحافياً. وقد يكون «كتابة على جدار الصحافة» أوّل كتاب يحمل طابع السيرة، بأسلوب أدبي، قريب من أسلوب الكاتب في «هوامش».

وهنا أيضاً، «كتب طلال سلمان». لكنّ لغة «هوامش» وكذلك لغة هذا الكتاب «على جدار الصحــافـــة» تختلفان، عن لغة «الافتتاحيّة» التي يبرز فيها الكاتب الصحافي، بلغة واقعيّة، تتابع المواقف والأحداث اليوميّة، وتتميّز بشيء من التندّر والسخرية. في حين نلمس في «هوامش» تلك اللغة الأدبيّة التخييليّة الساخرة والمشوّقة، إذ يسرد الكاتب حكايا صغيرة من الواقع، لا تتعدّى الموقف أو اللحظة. لكنّ هذه الحكايات تبقى نتيجة ما تحمل من وقائع واختبارات.

بات قرّاء «الافتتاحيّة» ينتظرون «الهوامش» بأقسامها الثلاثة: الكلمة، الحكاية و «نسمة». القسم الأول، عادة ما يكون عبارة عن كلمة ألقاها الكاتب في ندوة أو تكريم أو مؤتمر... وقد تكون نقداً لكتاب جديد، أو رأياً بكاتب ما. أما القسم الثاني، فهو «حكاية»، وهي من النصوص الممتعة، إن لناحية الأسلوب أو لجهة الموضوع. كأن يأخذك سلمان إلى جلسته، ويجعلك ترى بعينيه هو، كيف كان الموقف مع «حبيبة» ما. أو لينقل إليك إحدى اللقاءات في مكتبه في جريدة «السفير» حيث قد تزعجه الزيارة، أو يصدمه الزائر، وقد يخرجه عن طوره... وقد يجعلك تسمع كلاماً صامتاً، سمعه هو وفهمه، وينقله إليك بأمانة! حكاية صغيرة لا تتجاوز الأسطر، لكنّها كافية لأن تنقل الصورة بل المشهد كاملاً.

أما القسم الثالث، فهو للشخصيّة النموذجيّة «نسمة» الذي لم تُعرَف له مهنة إلا الحب. ينقلك الكاتب (نسمة) إلى عالم الحب الجميل، وكأنّه يعيش خارج الزمان والمكان، يعشق حبيبته في حضورها وغيابها، ويرسل أشواقه «نسمات» دافئة عندما تبتعد هذه الحبيبة أو تنشغل عنه، ليعود ويمتهن الحب حديثاً. من أقوال نسمة، مثلاً: «أجمل الحبّ أوّله، حين يهمي رذاذاً ناعماً كالندى. قطرة قطرة ينمو ويتمدّد داخلك، يأخذك إلى شيء من الخَدَر، ثمّ يتحوّل إلى نشوة، فإلى لهفة تتهاطل معها الأسئلة التي تعرف أجوبتها، لكنك تكابر فتأخذها إلى حيث ترغب. أمّا حين يتمكّن فذلك هو زمن العواصف...».

طلال سلمان الذي لطالما كتب في السياسة، وأصدر «الافتتاحيّات» كتباً عدّة: «عن الديموقراطيّة والعروبة والإسلام»، «سقوط النظام العربي من فلسطين إلى العرق»، «لبنان العرب... والعروبة»... يتجلّى في كتابه الأخير «على جدار الصحافة»، وفي كتابه «هوامش» بأجزائه الثلاثة، أديباً متمرّساً وكاتباً مبدِعاً، يتقن فنّ السرد والحكاية، بأسلوب القاص الذي يحوّل التفصيل إلى موضوع يُروَى، يجذب القارئ إلى عالمه بأسلاك خفيّة لكنّها متينة، فيصبح أسيرها حكاية بعد حكاية، حتى ليظلّ في الصحافة هذا القلم النضِر، ذا الذوق الجميل، الساخر الأسلوب، والطريف في حكاياته.

ترى هل يكون طلال سلمان الأديب هو الأبقى؟ هذا السؤال لا بد من طرحه وإن كان سيظل بلا جواب.


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك