وظهر شكل جديد لا يركز فقط على أدوات التعبير السلمية بل يستخدم أنماط جديدة من العنف لتحقيق أهداف سياسية،وعلى نحو يهدد سيادة الدولة واستقرار المجتمع ولمسيرة التحول الديمقراطي،فماهي دوافع ظهور تلك الحركات الجديدة للعنف السياسي؟وما هي خصائصها ؟ وهل تملك تلك الحركات القوة بالفعل على ارض الواقع ؟وكيف يمكن مواجهتها ؟وهل يمكن أن تتحول تلك الحركات إلى العنف الكثيف ؟ ولماذا لم ينعكس التقدم في العملية السياسية على حالة الاستقرار؟
تطور الحراك الاجتماعي
تحولت الحركات الاحتجاجية بعد سقوط الرئيس مبارك لأنماط جديدة وإشكال أخرى ووسائل مختلفة ،ومعبره عن الحراك الثوري الذي تقوده في الشارع،وتعرضت للتحول في نشاطها من مرحلة التجمع وقت الثورة حول أهداف واحدة لمرحلة التفتت في القيادات والأفكار،ودخلت مرحلة الاستقطاب الشديد ثم مرحلة العنف السياسي،وبذلك تحولت الحركات الاحتجاجية من كونها جماعات ضغط لحركات عنيفة تهدد سيادة الدولة واستقرار المجتمع .
وطرأ على المشهد السياسي بعد الثورة حالة التفتت بعد التوحد بين تيارات سياسية متباينة فكريا وتنظيميا،و برزت حركات واثتلافات ثورية عديدة في ظل تشجيع المجلس العسكري الحاكم آنذاك على تكوين الأحزاب السياسية ومرونه انشائها،وهو ما عمل على تفريغ الطاقة الشبابية والثورية في عملية التحزب السياسي وساعد على تعزيز الاختلاف حول اولويات المرحلة الانتقالية،وهو ما صب في النهاية لصالح القدرة التنظيمية لجماعه الإخوان المسلمين وهو ما مكنها من الاستحواذ على العملية السياسية مع ضعف المعارضة ،
وعلى الرغم من التوقع بانخفاض حدة النشاطية السياسية بعد انتخاب الرئيس مرسي وتسليم الجيش للسلطة الا ان تلك الحركات قد تحولت الى شكل اخر من المعارضة أو التأييد لأحد التيارات السياسية الموجودة او الانقسام ما بين مولاة حكم حزب الحرية والعدالة التابع لجماعه الإخوان او ممارسة المعارضة للرئيس مرسي خارج الاطر الرسمية.
وبعد الانتخابات الرئاسية ظهرت حركات مؤيدة وأخرى معارضة سواء لشخص او قضية او تيار ويتم استخدام الشارع كنوع من ابراز القوة والقدرة على التأثير.مثل التيار الشعبي لحمدي صباحي وحركة حازمون .
ومثلت الذكرى الثانية لثورة 25 يناير فرصة للدعوة عبر صفحات التواصل الاجتماعي. بالتظاهر والمطالبة بتنفيذ اهداف الثورة بدلا من الاحتفال ، وان تشهد ذلك موجة ثورية اخرى، وان يتولى مجموعه من الشباب حماية المظاهرات وتم الاعلان عن قيام حركة البلاك بلوك بذلك.
وشهدت تلك المرحلة استخدام الحركات الاحتجاجية للعنف كوسيلة للتغير والتعبير وان يتم استعادة نموذج اسقاط مبارك مرة اخرى،وظهور جماعات وحركات عنيفة مضادة ، وكان من ابرز ذلك " حركات السلفية الجهادية و الاشتراكيون الثوريين والاولتراس وحازمون و البلاك بلوك والوايت بلوك "والاناركيين "و"وكتائب القصاص" وحركة "مسلمون" وغيرها والتي تعبر عن حالة الاستقطاب الشديد داخل المجتمع ،والى ارتفاع حدة استخدام القوة او التهديد بها ضد الخصم السياسي،وهوما يعبر عن الفجوة بين تقدم في العملية السياسية وبين استمرار حالة الاحتقان داخل النخب السياسية،وهو ما اوجد محاولة نشر الفوضى والعنف في مقابل حرية الراي والتعبير والتظاهر السلمي، والخلط بين معارضة سياسات الرئيس مرسي وبين شرعيتة واسقاطة ،وبين مؤسسات الدولة والنظام السياسي، وفي ظل اخطاء ادارة مرسي و جماعه الاخوان المسلمين في التعامل مع التعاطي مع الأزمة السياسية .
خصائص الحركات الجديدة
اولا : طابع اللامركزية في عمل الحركات الجديدة حيث تتكون من مجموعه من الإفراد المنظمين في شكل مجموعات منفصله ولها قائد وتنظيم شبكي وتسعى للانتشار عبر المحافظات .
ثانيا :تفاوت في نوعية الاسلحة التي تستعملها ففي حين تستخدم السلفية الجهادية أسلحة النار الكثيف من مضادات الدروع والطائرات وغيرها تستخدم حركات أخرى نمط تسليح خفيف كالأسلحة البيضاء والمولوتوف وكرات اللهب والالعاب النارية كحركات البلاك بوك .
ثالثا : دورالاعلام وبخاصة الجديد في عمل تلك الحركات وبخاصة التواصل الاجتماعي كعنصر حيوي لدعم وتحقيق اهدافها ومنصة اعلامية حاضنه لنشاطها الاعلامي وبث رسائل التحريض والتعبئة والحشد لأعضائها وتنظيم العمليات والتنسيق وتبادل المعلومات بين اعضائها
رابعا : ان العضوية في الحركات الجديدة غير واضحة ولا تمثل رابط فكري او إيديولوجي بخلاف السلفية الجهادية ولا يوجد رابط تنظيمي للعضوية .وتنتسر تلك الحركات كمجموعات افتراضية منتشرة ولا يعكس عدد المنتمين لصفحاتها عن قوة حقيقية بل يتم تضخيم الصورة الذهنية عنها بتغطيه نشاطها اعلاميا.
خامسا : سيطرة استلهام النموذج في تفكير تلك الحركات ففي حين يسيطر على حركات البلاك بلوك وغيرها فكرة اعادة تطبيق تجربة إسقاط مبارك تحاول السلفية الجهادية تطبيق نموذج تنظيم القاعدة .ومحاولة تطبيق نفس السيناريو.
سادسا : في حين لعبت السلفية الجهادية دورا واضحا في حالات الفراغ الامني على الحدود وبخاصة في سيناء نشطت حركات الاحتجاج الجديدة بداخل التكتلات السكانية بما يغلب عليها العصيان والاحتجاج المدني عن التمرد المسلح .
سابعا : على الرغم من محاولة التوحد الظاهري في ارتداء زي موحد كالملابس والقناع الأسود لحركات البلاك بلوك الا انها لم تعبر عن تنظيم واقعي يمتلك القوة على الأرض.مع حرية الانضمام لتلك الجماعات او الخروج منها وهناك صعوبة في تحديد هويه اعضائها
ثامنا : عبرت حركات البلاك بلوك عن ظاهرة اعلامية تم استغلالها سياسيا اما لتشوية المعارضة او لاثبات نشر الفوضي وعدم الشرعية للرئيس مرسي او محاولة تمرير قانون التظاهر بما يخدم الرئيس مرسي .
تاسعا: ان ظهور حركات الاحتجاج شديدة اومتوسطه اومنخفضة العنف يرتبط بأبعاد اجتماعية واقتصادية متردية ناهيك عن الضعف الشديد لسيادة الدولة والقانون وتراجع دور المؤسسة الأمنية.
عاشرا :تستخدم تلك المجموعات خطاب يركز على شرعية العنف ضد الأخر او ضد مؤسسات الدولة وانهم ليس امامهم سوى التحول للعنف من اجل تغيير الواقع فاقامة الخلافة الاسلامية للسلفية الجهادية واقامة الدولة المدنية اللبرالية لحركات اخرى .
دوافع التحول للعنف
اولا : حالة الاحتقان السياسي بين الحكم والمعارضة وبخاصة بعد تمرير الاستفتاء على الدستور على الرغم من تحفظات المعارضة .
ثانيا : نمط تحالفات الرئيس التقليدية مع جماعة الاخوان المسلمين وعدم خضوعها الى سيادة الدولة والقانون وممارسة السيطرة على صنع القرار بما يقوض الدولة المدنية الحديثة
ثالثا : حدوث فجوة اقتصادية واجتماعية بين اداء الرئيس منذ توليه السلطة وبين التقدم على ارض الواقع في سبيل تحقيق التقدم المنشود وبخاصة مع اداء حكومة قنديل
رابعا : قفل باب المرونة السياسية والحوار بين القوى السياسية والمعارضة حول خريطة التحول السياسي في مصر .
خامسا :محاولة استخدام الحراك الشبابي المنظم المتمثل في قوة الاولتراس او شباب 6 ابريل او الاشتراكيون الثوريون في موازنة قوة الاخوان التنظيمية او مواجهة ما يطلق علية "مليشيات الاخوان"
سادسا : دور وسائل الاتصال والمعلومات في نقل انماط جديدة من الاحتجاج العنيف لتطبيقها في مواجهة النظام الحاكم والتاثر بافكار حركات احتجاج دولي بغض النظرعن إمكانية تطبيقها على الواقع .
سابعا : استخدام البيئة التكنولوجية العريضة في مصر بالنظر لعدد مستخدمي الانترنت والمحمول في ممارسة دور الاعلام البديل المعارض والأكثر تأثيرا في الجيل الجديد من الشباب كقوة محركة للاحتجاج
ثامنا : الفارق الكبير في القدرة الاعلامية بين جيل الشباب من المعارضة وبخاصة الاعلام الخاص والبديل وهو ما انعكس على المبالغه في قوة مجموعه البلاك بلوك وتوفير غطاء اعلامي لاستخدامها للعنف من خلال استضافتهم وتغطية نشاطهم عبر القنوات الفضائية.
تاسعا : ان تلك الحركات تاتي في اطار تزايد حركة العنف المجتمعي والاعتداء على سيادة الدولة والقانون ومحاولة اخضاع مؤسسات الدولة لحسابات الصراع السياسي بين الفرقاء .
عاشرا : دفع امتلاك الرئيس مرسي للقوة التنظيمية بانتمائة لجماعه والقوة السياسية بوصوله عبر صناديق الاقتراع ، المعارضة لاستخدام تلك الحركات لايجاد حشد تنظيمي يواجهة الاخوان ، وشرعية ثورية جديدة تكون اداة ضغط على النظام للتنازل اوالاستجابة للمطالب التي ترفعها اوباسقاط شرعيته .
ناقوس خطر التحول
تكشف عملية ظهور جيل جديدة من الحركات الاجتماعية عن دور الشبكات الاجتماعية كفاعل إعلامي في الحراك السياسي سواء عبر استخدام النشطاء لها او عبر تدشين صفحات مؤيدة او معارضة للرئيس مرسي أو باستخدامها في التنظيم للمظاهرات ، وبرزت بيئة جديدة لظهور قوى جديدة تعارض بشكل غير تقليدي، تميزت بقدرتها الفائقة على التعامل مع وسائل الاعلام والتحرك في الشارع ومواكبة التطورات على نحو اكثر سرعه من اداء المؤسسات الرسمية . ومن اجل صياغة علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع .
وبرز ذلك في توظيف الاعلام الجديد واستخدام أدواته الجديدة لإحداث التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي داخل المجتمع وهيكل القوة السياسية داخل الدولة ،فتارة يتم استخدام تلك الادوات كوسائل اعلامية جديدة للحصول على الحشد والتجنيد والتعبئة والتنسيق والتواصل وجمع المعلومات ، وتكوين التحالفات ، وتارة اخرى بالتعبير عن الارتباط المتزايد لتلك الحركات الجديدة بالمجال العام ، وبإدارة حالة من النقاش العام حول بعض قضايا المجتمع في محاوله لوضع أجندته واولوياته، والتي ربما تساهم في إعادة تشكيل الدولة على أسس جديدة ، وأصبح للاعلام دور في الصراع المحتدم بين اللبراليين والإسلاميين واصبح يستخدم كاداة لتبرير العنف بين الخصوم السياسيين وعلى الرغم من الاستقطاب الشديد الا انه توجد تباينات داخل كل تيار فكري في العمل السياسي .
على اية حال يتم النظر لتلك الحركات العنيفة على انها ردود افعال لتغييرات بنائية في المجتمع ومرتبطة بتحولات الوضع الاقتصادي والسكاني والتكنولوجي وببنية النظام السياسي القائم وحدود شرعيته وقدرته على ادارة الحكم وبخاصة مع ثورة التوقعات المتزايدة بعد ثورة 25 يناير وثورة الاحباطات المتزايدة مع استمرار حالة التدهور والتي تدفع الافراد والجماعات الى تنظيم صفوفها للتعبير عن الرغبة للتحول نحو الافضل ، ولجأت لاستخدام خطاب العنف ضد الاخر لتطبيق سياسة القمع والقتل والارهاب .
وتعبر عملية تحويل الافكار الى قوة مسلحة عن انسداد الحل السياسي والتوافق الوطني،وعلى الرغم من أهمية المواجهة الأمنية للحركات المهددة لمؤسسات الدولة الا ان المعالجة السياسية هي الجديرة على امتصاص الغضب والشحن والتعبئة للعنف ضد الدولة .
ان الواقع الافتراضي دائما يسبق الواقع الا ان الفاعلية على ارض الواقع يرتبط بوجود بيئة تحتضن تلك الدعوات لاستخدام العنف وبخاصة مع انتشار السلاح والعنف المجتمعي بشكل عام . وفي اطار حالة التفكك التي يعانيها المجتمع ومؤسسات الدولة نتيجة سوء ادارة المرحلة الانتقالية والفشل في ترسيخ قيم التعددية والمشاركة والحوار التوافقي، وتدق تلك الحركات جرس الانذار من خطر التحول الى العنف الكثيف والمنظم والواسع الانتشار وهو ما يحمل خسارة لكافة اللاعبين السياسين ولأمن واستقرار المجتمع ودور المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي .