عاجل
المقالات

انتقال خلايا المنشأ إلى الغاز الطبيعي خيار استراتيجي في الطاقة

قبل أيام قليلة، ناشدت الحكومة المصريّة مواطنيها أن يقتصدوا في استهلاك الكهرباء، خصوصاً مع اقتراب فصل الصيف والحاجة إلى التبريد والتكييف فيه. وأرفقت الحكومة مناشدتها بحملة دعائية واسعة

انتقال خلايا المنشأ إلى الغاز الطبيعي خيار استراتيجي في الطاقة
اضغط للتكبير

تُعرّف ببعض طرق ترشيد استهلاك الكهرباء في الإضاءة والتكييف في المنازل، وهو يمثّل ثلث استهلاك الطاقة. ودلّت هذه الأمور إلى عمق أزمة الطاقة في مصر.

وبصورة عامة، تخصّص الحكومة المصرية قرابة خُمس نفقاتها العامة لدعم الطاقة، على رغم نقص نفقاتها الاستثمارية وعجز الموازنة وزيادة وارداتها من النفط. وعزمت الحكومة على تخفيض مخصّصات الدعم بمقدار 20 بليون جنيه ليصل إلى قرابة مئة بليون في العام المقبل. كما تعتزم قصر دعم الوقود على سيارات الشرطة والجيش والنقل العام وسيارات الأجرة والسيارات الخاصة الصغيرة.

وكذلك وضعت الحكومة برنامجاً طموحاً لتوزيع الوقود بالبطاقات الذكية لضمان وصول الدعم في الطاقة إلى مستحقيه، وتفادي تهريبه. إذ يستفيد من الوقود المدعوم بعض أصحاب الشرائح الاستهلاكية الكبيرة كذوي الدخول المرتفعة وأصحاب المطاعم والفنادق والمخابز والمصانع. كما يُهرب هذا الوقود إلى قطاع غزّة، ويباع أيضاً في أعالي البحار للسفن الأجنبية.

وبسبب دعم الطاقة، تحوّل المزارع المصري عن استخدام طاقة الحيوانات في الزراعة، مُتّجهاً صوب الآلات الحديثة. كما هجر بيوت أجداده الخُضر وسكن بيوتاً غير صديقة للبيئة بناها من مواد تمتص حرارة الشمس، كما لا تتوافر فيها منافذ طبيعية للإضاءة والتهوية. وما زاد الطين بلّة، وجود نسبة ممن ينشطون ليلاً، ما يزيد استهلاك الكهرباء. ومع تفاقم رداءة الطرق وإشغال الباعة لها وعدم وجود أرصفة للمشاة والدراجات، زاد الاعتماد على السيارات بأنواعها كافة.

حاولت الحكومة ترشيد استهلاك الطاقة ليلاً بإصدارها قانوناً يلزم المحال بغلق أبوابها في العاشرة مساء. وعارض أصحاب المحال هذا الأمر بشدّة. في المقابل، تستطيع الحكومة منع المواصلات العامة وإطفاء أعمدة إنارة الشوارع وإغلاق القنوات التليفزيونية الحكومية الساعة العاشرة مساء، للحدّ من نشاط المصريين ليلاً. وكذلك من الممكن تحديد مواعيد مبكرة للعمل، لزيادة نسبة من ينامون باكراً. ومن المستطاع أيضاً تبني تعرفة للكهرباء تشجّع على ترشيد الاستهلاك وتدعم الشرائح الصغيرة.

في السياق ذاته، اتّفقت الحكومة مع العراق على استيراد 4 ملايين برميل شهرياً لتقطيرها في مصر. ومن الممكن دراسة مدّ خط لأنابيب النفط بين مصر والسعودية، كأن يعبر على «كوبري تبوك - شرم الشيخ» الذي تردّدت أنباء عن العزم على إنشائه. وبالمثل، تعتزم ليبيا ضخّ نفط إلى مصر بـ 1.2 بليون دولار، ضمن شروط مُيسّرة. ومن المستطاع إحياء مشروع خط أنابيب النفط بين مصر وليبيا الذي اتّفِق عليه عام 2001. والأرجح أن البديل الأفضل يتمثّل في التحوّل صوب استهلاك الغاز الطبيعي المتوافر في مصر، بدل تصديره إلى الخارج كما هو جار حاضراً.

ومن المتوقع أن يوفر الربط الكهربائي مع السعودية 3 آلاف ميغاواط/ساعة للبلدين. كما يؤمل بأن يقضى على ظاهرة انقطاع الكهرباء، وذلك بسبب اختلاف وقت الذروة بين البلدين، إذ يتزايد استهلاك السعوديين للكهرباء ظهراً، بينما يزداد استهلاك المصريين لها في المساء. ودعمت الحكومة مشروعات الطاقة الشمسية في صعيد مصر. واتّفقت مع روسيا على تجديد توربينات السد العالي.

 

طاقة الرياح وطواحين النيل

من المستطاع النظر في تنمية طاقة الرياح وتحويلها إلى طاقة حركيّة لتشغيل سواقي الري في المزارع، وتحريك مضخّات ري الأراضي الزراعية ومضخّات المياه للمباني العالية، ومطاحن الحبوب، وعصّارات الزيوت وقصب السكر وغيرها. إذ تستخدم مضخّات الهواء على نطاق واسع في ضخّ المياه من الآبار في عدد من البلدان بينها هولندا والدنمارك وأستراليا وبلجيكا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا. ولفترات تاريخية مديدة، اشتهرت مدينة حماة السورية بأنها «مدينة الطواحين» (النواعير). وهناك عدد من التقنيات في صنع توربينات هواء لتوليد الكهرباء، تتوافر على الإنترنت بصورة مفتوحة. ومثلاً، صنع مكس روبسون، وهو طالب في جامعة «بورتسموث» البريطانية، توربين هواء من مواد مستعملة، لم تتجاوز تكلفته 37 دولاراً.

وعلى نحو مماثل، من المستطاع الاستفادة من تدفّق مياه النيل، لا سيما عند مداخل التِرَع وفتحاتها الضيّقة، في بناء طواحين المياه واستخدامها في ضخّ المياه إلى صهاريج وخزّانات المياه المرتفعة، وتشغيل السواقي ومطاحن الحبوب وعصّارات الزيوت وقصب السكر، وآلات درس الغلال وطحن سيقان الذرة وقشّ الرز وغيرها. ويجدر التفكير في أدوات متوافرة فعلياً على غرار توربينات صغيرة للمياه المُصمّمة لإنتاج قرابة مئة كيلوواط/ساعة، ما يكفي لإنارة قرية صغيرة. كما يمكن تنمية مصادر غاز البوتاغاز القابل للاستخلاص من مياه الصرف الصحي.

وعلى عكس النفط والطاقة النووية، تتميّز مصادر الطاقة المتجدّدة بقلة تكاليف التشغيل والصيانة، وصداقتها للبيئة، إضافة لكونها متوافرة في مصر.

 

التوسّع في الخدمات الإلكترونية

من المتوقع أن يؤدى التوسّع في التعليم عن بُعد وتطوير خدمات الحكومة والتجارة الإلكترونيتين، إلى تخفيف الضغط على وسائل المواصلات، وتالياً المساهمة في ترشيد استهلاك الطاقة. فمثلاً، من الممكن السماح في بعض المِهن بالعمل من البيت وإبقاء التواصل مع مكان العمل عبر البريد الإلكتروني، ربما مع شيء من التغيير في الأجور. والأرجح أن يلقى برنامجاً كهذا قبولاً كبيراً عند طلاب الدراسات العليا وربات البيوت وأمثالهم، لأنه يمكنهم من الحصول على مصدر إضافي للدخل من دون الإخلال ببقية مناحي حياتهم اليومية.

وكذلك من المستطاع التوسّع في نظام التعليم عن بُعد، لا سيما في التخصّصات النظرية. ومن الممكن تبني برنامج قومي لتسهيل نقل الموظفين الحكوميين إلى أماكن عمل قريبة من مساكنهم، مع ملاحظة أن قرابة 3 ملايين مصري يأتون يومياً إلى القاهرة من المحافظات الأخرى، بهدف العمل. ويمكن أن يستفيد من هذا البرنامج مئات الآلاف من العاملين في الشرطة والتعليم والتجارة، إضافة إلى طلاب الجامعات وغيرهم.

في السياق ذاته، يمكن وضع مشاريع للتوسّع في بناء البيوت الخضر، واستخدام التقنية الخضراء لترشيد استهلاك الطاقة. وكذلك يساهم إصلاح الطرق والأرصفة في تشجيع المشي واستعمال الدراجات الهوائية. وهذا يتطلب أيضاً إعفاء صناعة الدراجات من الضرائب، وتجهيز أماكن مخصّصة لركن هذه الدرّاجات. ولعله لم يفت الأوان على أن تبدأ الحكومة في استخدام مصابيح موفرة للكهرباء في مؤسساتها المدنيّة والعسكريّة.

ويجب أن تعمل الحكومة على توفير مجمّعات متكاملة يتوافر فيها العمل والسكن ومراكز التسوق. إذ يؤدي بُعد المسافة عن أماكن العمل والتسوق، إلى زيادة الضغط على وسائل المواصلات. وفي السياق نفسه، يجدر التوسّع في بناء بيوت للطلاب الجامعيين.

وكخلاصة، يبرز اقتراح بإلغاء دعم الطاقة للمصانع والسيارات، واقتصار دعم غاز «البوتاغاز» على محدودي الدخل. ومن المستطاع توجيه الوفر الناتج من تقليص دعم الطاقة إلى تحسين المواصلات العامة، وتنمية الخدمات الإلكترونية، وتطوير مصادر الطاقة المتجدّدة، ودعم الطاقة النووية. كما يمكن تخصيص جزء من هذا الوفر لتمويل خطيّ النفط بين مصر وليبيا والسعودية، وتطوير صناعة تكرير البترول، وتمويل الربط الكهربائي مع السعودية والسودان وغزّة، وإصلاح الطرق، وتوصيل الغاز الطبيعي المصري إلى المنازل والمصانع.

 

* خبير مصري في اقتصاد الشبكات


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك