المقالات
ساعات انتظار القصف في سوريا!
هل هي ساعة؟ أم ساعات؟ .... عقارب الساعة تقول إنها لا تزيد عن ساعة .. . وببعض التفكير المنطقي ستقول إنها يوم أو بعض يوم وربما دهرا..
فاطمة الحجي - سوريا
الأحد,16 يونيو 2013 - 09:54 ص
مشاهدات: 735
وبطريقة حساببية أخرى .. تعتمد على عدد الأيام التي تكون فيها تحت تهديد القصف، ستجد أن الأسبوعين اللذين مرا كأنهما عقدين من الزمن ويزيدون .. هكذا تمر الثواني والدقائق والأيام ..
قصف الهليكوبتر:
لا يمكن أن نتنبأ بوقت القصف، وإن كان احتمال حصوله يزيد كلما اقترب الليل، مع ذلك نحن على تأهب كامل لمغادرة البيت في أية لحظة والخروج على القبو المجاور لبيتنا، أو ما يسمى مجازيا ملجأ، مع أن الصواريخ قادرة على الوصول إليه، وقصف طائرة الميغ قادر على اقتلاعه بالكامل، ومع ذلك هو أفضل من بيوتنا العارية من الأمان، التي بنيت في أيام السلم، المشرعة نوافذها للحياة، والمطلة على كل جهات الشمس، مع التجربة تبين كم كان هذا خطأ فادحاً .. هل ينبغي أن تكون النوافذ مثل كوة قلعة .. وبيوتنا مبنية كغواصة بحرية .. ونرتدي كرجال الفضاء.
بعد تجربة أنواع قصف أخرى، يبدو القصف بالطائرات هو الأكثر وحشية، يمكنها أن تطال البيوت بعمد في أي مكان، شيء يشبه الوحش يلاحق الآمنين في بيوتهم، هذه المرة لم نستطع الذهاب إلى مكان آمن، فالطائرة قدمت بسرعة وبدأت القصف، صوتها البغيض يبدو قريباً، ومن الخطر الخروج الآن في وقت كهذا.
في هدوء الليل من اليسير سماع دوران مروحة طائرة الهليكوبتر وهي تحلق، لا يمكن مشاهدتها وإنما فقط سماع صوتها وهي تنخفض شيئاً فشيئاً .. تستعد للقصف، الجميع يختبئ تحت سقف ما إذا كان قريباً منها، أو يراقبها في حال كان بعيداً عن مرمى نيرانها .. المروحة تدور ... تشعر كأنها تقوم بطحن ما تبقى فيك من حياة .. الكل يدعو .. ينظرون لبعضهم .. الأمهات يعانقن أطفالهن .. وصوت الموت يدور فوقنا .. ثم دوي انفجار هائل .. تنظر إلى الجميع .. هل كان هنا .. يبدو أنه في المنزل الذي يجاورنا .. لا تزال الطائرة قريبة .. يخشى من قصف آخر في هذا المكان .. أحمل أخي الصغير .. وأخرج بسرعة نركض باتجاه القبو .. أربعة صواريخ نزلت في حارتنا .. لا أنباء عن إصابات .. جميع الوجوه شاحبة .. تحاول أن تدرك أنها مازالت على قيد الحياة .
في مرة سابقة أصيب رجل بصاروخ أدى إلى بتر قدميه، إحدى المرات دخلت الشظايا إلى قبو، وكثيراً ما أصيب أشخاص بشظايا صواريخ .. وعادة ما تعتبر أنها شيء عرضي لإمكانية شفائها.
قصف الميغ :
عند الحديث إلى جميع الأشخاص سوف يؤكدون لنا أن القصف بطائرات الميغ والسوخوي .. لا يشبهه شيء، لا يشبهه في كم الأضرار والخسائر البشرية والمادية التي يحدثها، وكم الرعب الهائل الذي يبثه في النفوس، بدون سابق إنذار .. بدون أية مؤشرات .. بلحظة شديدة الهدوء .. يمكن لطائرة الميغ أن تصبح فوق المدينة، خلال ثوان نسمع صوتها وقبل أن يتم تمييزه تقوم بالقصف، فجأة يفقد الإنسان كل شيء تماماً عائلته وبيته وكل شيء ...
أو قد تقوم طائرة الميغ بخرق جدار الصوت، الذي يشبه صوت الانفجار الكبير ولكن فوراً يمكن التعرف أنه لم يكن سوى صوت هائل .. لن يحدث ضرراً أكثر من تحطيم الزجاج .. وإحداث رعب كبير بين المدنيين، خرق جدار الصوت هو نوع من التعذيب النفسي للمدنيين، عمل دنيء جداً ومزعج.
ما بعد القصف:

أول كلمة يمكن أن تخطر لك بعد القصف الجوي هو "الرعب"، مخلوطاً بإحساس بـ "الإهانة" لإنسانيتك المنتهكة أصلاً، يتبعه شعور بـ "التهديد" الدائم، في أي لحظة قد تعود الطائرة .. في أي لحظة قد تصل طائرة الميغ وتنفذ غارة بين المدنيين أو تخرق جدار الصوت، كرد فعل بشري ستحاول أن تتصدى لهذه المفاجأة، ستتوفز حواسك لاستقبال أية مؤشر يدل على اقتراب الخطر، للتصرف بشكل مناسب يحمي من تكرار الصدمة السابقة، وعندها سوف تصبح جميع الأصوات التي تحدث بتواتر متقارب هي صوت مروحية طائرة، وهي في الحقيقة ليست سوى أصوات عادية تسمعها في المنزل كصوت المراوح المختلفة في البيت، والأصوات التي تكون بوتيرة متصاعدة تشبه صوت الميغ .. وهي كصوت سيارة
مسرعة آتية من بعيد، أو موتوسيكل مسرع، صوت الثلاجة في البيت .. باختصار كل الأصوات المحيطة سوف تصبح ذات دلالات متعلقة بالقصف .. لا يمكن التخلص منها بدون الشعور بالأمان .. فكيف إذا تكرر القصف يومياً.
بالإضافة إلى الشعور بالتهديد الدائم .. لا يوجد أي شعور بالاستقرار الجميع جاهز دائماً لمغادرة المنزل بأية لحظة .. القصف قد يطال المنزل بأية لحظة، وقد تخسر كل ما تحتفظ به فيه .. قد تخسر كل شيء في القصف.
صفارات إنذار:
من المعروف منذ الحرب العالمية وجود صفارات الإنذار لتحذير المدنيين للوصول إلى الملاجئ قبل حصول الغارة الجوية، لكن في سورية لم يحصل هذا قط، كثيراً ما استشهد المدنيون في قصف همجي.
في الحقيقة هنا لا يمكن التنبؤ بمكان ووقت القصف، لأن المطارات قريبة جداً من أماكن القصف، العدو يقبع بين المدنيين، لا يخترق المجال الجوي للبلد لأنه فيه أصلاً، وبكل وحشية يقصف الناس الآمنة في بيوتها وفي أية وقت.
ويستمر الموت في سوريا .. لا أدري لساعات أو أيام أو شهور .. لا تصدقوا أن الطائرة قامت بثلاثة أو أربعة أو عشرة غارات فقط .. بل هي قامت بطحن إنسانية الأشخاص القابعين تحت القصف لسنوات عديدة، الموت ليس في غارة لم تصب أحداً بل الموت أن تشعر أن منتهك في أية لحظة .. هذا ما لن يعرفه إلا من جلس يوماً تحت القصف .. الذي لم ينته بعد