الدوريات
مفاهيم استراتيجية
ثقافة الصورة الرقمية
في ظل ثورة المعلومات والقفزات التكنولوجية المتلاحقة، تغيرت المفردات الأساسية للعمل الإعلامي والصحفي، والذي يعتمد بشكل أساسي على الصورة كوسيلة توصيل وتواصل، حيث ضربت هذه الثورة بتقنياتها المتلاحقة، المفاهيم الأساسية المتعلقة بالصورة الإعلامية،وبوظيفتها، وبأسس استخدامها ومعالجاتها، وبكيفية إنتاجها، وأخلاقيات التعامل معها ونشرها.
د. السيد بخيت*
الإثنين,29 يوليو 2013 - 08:14 ص
مشاهدات: 5416
ما أحدثت هذه الثورة تغيرات كثيرة في صناعة وثقافة الصورة الإعلامية، والتي شهدت الكثير من التطورات في مجال إنتاجها، والكثير من الظواهر الجديدة، وخاصة فيما يعرف بالصورة الإعلامية الرقمية، والتي تطل على الساحة الإعلامية كمفهوم جديد، وكوسيلة اتصال جديدة، لها تقنياتها وظواهرها وأخلاقياتها الخاصة بها، والتي تستحق أن تفرد لها دراسة خاصة للكشف عن جوانبها وأبعادها المختلفة.
ويشي الاستخدام الحديث للصورة في وسائل الإعلام عن تزايد حدة التخصص في التعامل مع الصورة الرقمية، وعن زيادة جودتها، وتسارع تنقلها من مكان لأخر، وقدرتها على التشكل بسهولة في بيئات ووسائط إعلامية متعددة، بفعل اعتمادها علي اللغة الرقمية. كما يكشف عن إثارة بعض الصور لردود فعل سياسية واجتماعية وثقافية بدرجة أكبر مما قد تحدثه الفنون الإعلامية الأخرى، وعن ظهور ممارسات غير أخلاقية في مجال استخدام الصور الرقمية إعلاميًا.
ففي ظل ثورة المعلومات، أصبحت الصور الرقمية تحيط بالبشر في كل مكان، وخاصة عبر وسائل الإعلام، حتى بدأ البعض يتساءل عن مدى تأثير هذا التشبع بالصور على فهم الأحداث، وعن التأثير الناتج عن سرعة نشر وبث الصور على درجة استجابة الجمهور للأحداث،ومدى قدرة الصورة على إحداث ردود فعل قوية وسريعة ومباشرة، فضلاً عن تأثير التراكم الناتج عن الاستخدام المكثف للصور على الذاكرة الثقافية للمجتمعات. كما أحدثت المعالجة الرقمية للصور تأثيرات كبرى على طرق إنتاج وتحرير وإدارة وصناعة الصور في وسائل الإعلام، وأثارت تساؤلات عديدة عن الأبعاد الأخلاقية الجديدة للصور الإعلامية الرقمية، وعن تأثيراتها على العمل الإعلامي برمته، وعلى مصداقية وسائل الإعلام من جهة، وعلى الحقوق الاتصالية والإعلامية للجمهور من جهة أخرى.
وبالرغم من التطورات المتلاحقة في عالم صناعة الصورة الإعلامية، فإن معظم المؤسسات الإعلامية لم تسن لنفسها ضوابط عمل محددة، للتعامل مع هذه التطورات، حيث تعمل معظمها بدون موجهات وأدلة تساعد العاملين بها على تعظيم استفادتهم من هذه التقنية الجديدة، ودون أن تأتي على حساب القيم والأخلاقيات والممارسات الإعلامية الواجب الالتزام بها.
ويهدف هذا البحث لرصد التطورات الحادثة في مجال صناعة الصورة الإعلامية الرقمية، وأبرز ملامح ثقافتها وتأثيراتها، وأبرز التقنيات التي تستخدمها، وتحليل الظواهر المرتبطة بتأثير المعالجة الرقمية للصور على العمل الإعلامي، وأبرز الممارسات الإعلامية ذات الطابع الأخلاقي السائدة في هذا المجال، وردود الفعل التي أثارتها، وأبرز الحالات الإعلامية التي ظهرت جراء تطبيق المعالجة الرقمية على الصور، وبيان الأبعاد الأخلاقية المرتبطة بها، مع تقييم للتصورات الإعلامية المتعلقة بكيفية التعامل مع هذا الشكل الجديد من المعالجة للصورة،وخاصة تقييم مواثيق الشرف الصحفية التي اهتمت بالتطرق لهذا الموضوع، ومحاولة وضع تصور أخلاقي محدد لكيفية التعاطي مع هذه الظاهرة الجديدة.
ويتمحور البحث حول أفكار أساسية تركز على مكانة الصورة في السياق الثقافي والاجتماعي والإعلامي، باعتبارها وسيلة اتصال قائمة بذاتها، وباعتبارها تجسد رمزًا لواقع اجتماعي وثقافي، وتكثيفًا لقيم وممارسات وعادات وأعراف متبعة.وتتأسس الرؤية النظرية للبحث في معالجة موضوع صناعة الصورة الإعلامية الرقمية على منظور ثقافي أخلاقي وإعلامي وتقني، يضع صناعة الصورة في سياق اجتماعي وثقافي وتاريخي وإعلامي وتكنولوجي، ويرى الصورة كوسيلة اتصال قوية ومؤثرة تستمد كيانها وبقائها وحياتها من ثقافة مجتمعها ومن تزاوجها مع الثقافات الأخرى. كما يرى أن الموقف من الصورة ينبغي أن يتأسس على ذات المواقف التي ُتتخذ في مجال صناعة القرارات الإعلامية والإخبارية، وأن النظر للصورة ينبغي أن يتجاوز البعد التقني والتحريري للمعالجة الرقمية للصورة، لبيان تأثيراتها الثقافية والاجتماعية والإعلامية،وأن أية مؤسسة إعلامية ينبغي أن تصيغ لذاتها ضوابط خاصة ومحددة في مجال معالجة الصورة، وخاصة الصورة الرقمية، تلتزم فيها بأخلاقيات العمل الإعلامي.
وقد أثارت عدة عوامل دراسة هذا الموضوع، كما أظهرت وجود مشكلة بحثية تستحق الدراسة من بينها: تعاظم أهمية الصورة في وسائل الإعلام الحديثة، وتنوع وتطور التقنيات المستخدمة في مجال المعالجة الرقمية للصور، وتطور أساليب المعالجة، فضلاً عن الأهمية التقليدية للصورة في وسائل الإعلام، وظهور بعض الإشكاليات الأخلاقية في مجال الممارسات الإعلامية المتبعة في بعض وسائل الإعلام بل وفي مؤسسات إعلامية عريقة ، مما كشف عن غياب وجود تقاليد وأعراف لديها فيما يتعلق بطرق معالجة الصورة رقميًا، وكذلك قلة الكتابات التي تناولت التطورات الحديثة في مجال المعالجة الرقمية للصورة وتأثيرها على الجوانب الأخلاقية للعمل الإعلامي.
ويفترض البحث تعاظم ظاهرة الصورة الإعلامية الرقمية، وتزايد إدراكها وتصورها كوسيلة اتصالية متميزة، لها تقنياتها ودلالاتها وتأثيراتها ومفرداتها الخاصة بها.كما يفترض غياب وجود تصورات أخلاقية محددة لدى المؤسسات الإعلامية في مجال تعاطيها مع الصورة الرقمية. وكذلك يفترض وجود ممارسات أخلاقية غير سوية في مجال التعاطي مع المعالجة الرقمية للصور في بعض المؤسسات الإعلامية بفعل عوامل عديدة من بينها جدة الظاهرة والانبهار بها، وغياب وجود ضوابط محددة للتعاطي معها، ووجود ضغوط مهنية واقتصادية، وعدم الوعي بثقافة أخلاقيات الصورة الرقمية وغيرها.
ويقوم البحث على التحليل الثانوي لبعض الكتابات والأدبيات العلمية:الثقافية والإعلامية والتكنولوجية والقانونية المتعلقة بالصورة الرقمية، وكذا على التحليل الكيفي لبعض مواثيق الشرف الصحفية والإعلامية المتعلقة برؤية المؤسسات الإعلامية للمعالجة الرقمية للصور، وخاصة المواثيق الخاصة بوسائل إعلام أمريكية، اهتمت بتناول موضوع الصورة الرقمية، وأيضا على التحليل الكيفي لبعض الحالات والممارسات المتعلقة بتعاطي بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى مع ظاهرة الصورة الإعلامية الرقمية.
للاطلاع
د. السيد بخيت ،ثقافة الصورة الرقمية،مفاهيم استراتيجية ، المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني ،سبتمبر 2013.pdf