المقالات
الفضاء الإليكتروني وتهديدات الأمن القومي المصري
بفضل ثورة المعلومات، ومع ظهور الانترنت ومواقع الويب ظهرت لدينا بيئة جديدة هي الفضاء الإليكتروني، وهذه البيئة تختلف عن البيئات الطبيعية الأخرى التي عرفتها البشرية وهي، الأرض، البحر، الجو، الفضاء الخارجي
ايهاب عبد الحميد خليفة *
الخميس,22 أغسطس 2013 - 04:08 ص
مشاهدات: 452
، وبرغم أنها تختلف عن البيئات الأربعة الطبيعية السابقة في كونها بيئة من صنع الإنسان Manmade، إلا أنها تتمتع بخصائص تشترك فيها مع تلك البيئات السابقة، جعلت منها مجالاً للصراع بين الدول للسيطرة عليها، وأصبح الفضاء الإليكتروني أحد العناصر الرئيسية التي تؤثر في النظام الدولي بما يحمل من أدوات تكنولوجية تلعب دوراً هاماً في عملية التعبئة والحشد في العالم، فضلاً عن التأثير فى القيم السياسية، فسهولة استخدامها ورخص تكلفتها ساعد على قيامها بأدوار مختلفة في الحياة البشرية سواء تجارية أو اقتصادية أو معلوماتية أو سياسية أو عسكرية أو أيديولوجية، هذا فضلاً على أنها لم تعُد حكراً على الدول فقط، وقد أصبح جليًا أن من يمتلك آليات توظيف هذه البيئة الإليكترونية الجديدة يصبح الأكثر قدرة على تحقيق أهدافه والتأثير في سلوك الفاعلين المستخدمين لهذه البيئة.
خصائص الفضاء الإليكتروني:
عرف "جوزيف ناي" الفضاء الإليكتروني بأنه نطاق تشغيلي مُحكم باستخدام الإليكترونيات لاستكشاف المعلومات عبر أنظمة مترابطة ببعضها البعض وببنيتها التحتية[1]. وترجع فكرة ظهور الإنترنت أو الفضاء الإليكتروني إلى ستينيات القرن الماضي، حيث شهد مولد فكرة اتصال أجهزة الحاسب ببعضها البعض من خلال شبكة تستخدم تكنولوجيا مختلفة عن تلك المستخدمة في أنظمة الهاتف، وهذه الفكرة تحديداً تبنتها وكالة الأبحاث المتطورة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية ونتج عنها أول شبكة حاسبات في التاريخ والمعروفة بأسم "أربانت"، وقد مثلت الأربانت النواة الأساسية للشبكة العالمية المعروفة باسم الانترنت، وكان نتيجة لذلك أن شهد القرن العشرون ثورة معلوماتية كان لها انعكاساتها على مسار السياسة الدولية، حيث أفرزت تلك الثورة ثلاث عناصر أساسية هي المعلومة، والفضاء الإليكتروني، والطابع الرقمي، ويمكن التمييز بين ثلاثة أبعاد لتأثير الثورة المعلوماتية في السياسة الدولية، يتمثل البعد الأول في ظهور شكل جديد من القوة هي القوة الإليكترونية[2]، ويتمثل البعد الثاني في تغير أدوات شن الحروب، ويتمثل البعد الثالث بالانتشار العنكبوتي للقوة[3].
ويتميز الفضاء الإليكتروني بأن له عدة خصائص ساعدت في انتشاره والاعتماد المتزايد عليه منها رخص التكلفة الاقتصادية، والسرعة في تبادل المعلومات، وسهولة استخدامه، فضلاً عن إمكانية تخفي الفاعلين الذين يستخدمونه وعدم الكشف عن هويتهم الحقيقية[4]،وهو ما جعل الفضاء الإليكتروني بيئة جاذبة لمستخدميها، دفعتهم إلى توظيفه في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
التهديدات الامنية للفضاء الإليكتروني:
يطرح الفضاء الإليكتروني عدة تهديدات ومخاطر تهدد الأمن القومي للدول، منها التهديدات ذات الطبيعة الاقتصادية، وكذلك مخاطر الجريمة الإليكترونية، و?الحرب الإليكترونية، و?الارهاب الإليكتروني، حيث يستطيع أحد مستخدمي الفضاء الإليكتروني أن يوقع خسائر فادحة بالطرف الآخر، وأن يتسبب في شل البينة المعلوماتية والاتصالاتية الخاصة به، وهو ما يسبب خسائر عسكرية واقتصادية فادحة، من خلال قطع أنظمة الاتصال بين الوحدات العسكرية وبعضها البعض أو تضليل معلوماتها أو سرقة معلومات سرية عنها، أو من خلال التلاعب بالبيانات الاقتصادية والمالية وتزييفها أو مسحها من أجهزة الحواسيب، وبالرغم من فداحة الخسائر إلا أن الأسلحة بسيطة لا تتعدى الكيلو بايتس، تمثل في فيروسات إليكترونية تخترق شبكة الحاسب الآلي وتنتشر بسرعة بين الأجهزة، وتبدأ عملها في سرية تامة وبكفاءة عالية، وهي في ذلك لا تفرق بين المقاتل والمدني وبين العام والخاص وبين السري والمعلوم.
كما دفع التطور في مجال الفضاء الإليكتروني إلى ظهور ترسانة غير تقليدية من الأسلحة الافتراضية كالفيروسات وهجمات إنكار الخدمة والاختراق وسرقة المعلومات والتشويش، وتتميز هجمات الفضاء الإليكتروني بالحداثة والتنوع كقطع كابلات الانترنت ونشر الفيروسات وهناك ما يعرف بالقنابل الإليكترونية التي تستهدف تعطيل الاتصالات والتشويش عليها والتنصت على المكالمات وبث معلومات مضللة عبر شبكات الحاسب والهاتف واستهداف شبكات الحاسب بالتخريب عن طريق نشر الفيروسات ومسح الذاكرة الخاصة بالأجهزة المعادية[5].
التأثيرات الامنية على مصر
يتزايد عدد مستخدمي الانترنت في مصر بصورة سريعة، حيث زاد عدد المستخدمين خلال العقد الماضي من 1% من إجمالي عدد السكان إلى 21%، فيستخدم الانترنت في مصر أكثر من 17 مليون مستخدم[6].
ولعب الفضاء الإليكتروني دورًا هامًا في ثورات دول الربيع العربي وخاصة الثورة المصرية، حيث ساعد في ذلك انتشار مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك وتويتر، والمدونات، وهو ما دفع النظام السابق إلى قطع خدمات الانترنت عن الدولة المصرية لإعاقة الشباب عن التواصل وتنظيم التظاهرات التي تندد بحكمه، فكان بمثابة نموذج لتحول القوة الإفتراضية الموجودة على الانترنت إلى قوة حقيقية وملموسة زلزلت أركان نظام أمنى استمر ثلاثة عقود. وقد أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن قطع الانترنت لمدة 5 أيام فقط في مصر أدي إلي حدوث خسائر تقدر ب90 مليون دولار[7].
ولما كانت مصر أحد أهم الممرات الدولية التي تمر عبر إقليمها كابلات الانترنت والتي تصل إلى 18 كابلاً دوليًا[8]، كان من الضروري وضع استراتيجية للاستفادة من هذه الكابلات، والعمل على تأمينها ضد أي هجمات تستهدف خدمات الانترنت في مصر أو غيرها من الدول التي تعتمد على هذه الكابلات، خاصة بعد تكرار حوادث انقطاع هذه الكابلات، وما نجم عنها من خسائر مالية واقتصادية.
ومن هنا فقد تأثر الأمن القومي المصري بالفضاء الإليكتروني على عدة مستويات، فعلى المستوى السياسي ساعد في انهيار نظام سياسي وقيام نظام آخر، وعلى المستوى الاقتصادي كان لقطع خدمات وكابلات الانترنت سواء بصورة عمدية أو عارضة أثره على الاقتصاد المصري وعلى شركات السياحة والطيران والبورصة، وذلك لأن جميع شركات البورصة متصلة عبر شبكة الانترنت، وبذلك تتأثر هي أيضا بالقطع، وعلى المستوى العسكري كان الفضاء الإلكتروني مسرحا لتنامي النشاطات السرية الدولية في الشرق الأوسط، والتي كان من أبرزها نشاط أقمار التجسس، وقيام الموساد الإسرائيلي باختراق أجهزة ونظم الاتصالات في مصر، ولبنان، وسوريا، والعديد من الدول العربية[9]، وعلى المستوى الاجتماعي ساعد الفضاء الإليكتروني على مزيد من التشبيك بين الثقافات المختلفة، وسمحت بسرعة وسهولة انتقال الثقافات الوافدة سواء كانت مناسبة أو غير مناسبة للمجتمع المصري، فضلاً عن حوادث القرصنة الإليكترونية التي شهدتها بعض المواقع الحكومية نتيجة لحوادث فردية مثل قيام مجموعة أنونيموس الشرق الأوسط باختراق موقع وزارة الإعلام المصرية احتجاجًا على تصريحات وزير الإعلام المصرى التي وصفوها بأنها تحمل إيحاءات جنسية لمذيعة بقناة النهار[10].
سبل تدعيم الأمن الإليكتروني .
وضع التقرير الدوري الصادر من شركة مايكروسوفت، جمهورية مصر العربية على رأس قائمة أكثر الدول خطرًا على مستوى العالم في تعرض أجهزتها للقرصنة والبرامج الخبيثة، حيث كشف التقرير عن أن أكثر من 40 في المائة من أجهزتها غير محمية،وذلك للنصف الثاني من عام 2012.[11]
وتتضح خطورة الفضاء الإليكتروني في إمكانية سرقة معلومات استراتيجية خاصةً ذات الطابع العسكري أو الحربي، أو التلاعب بالبيانات المالية والتجارية الخاصة بالعملاء في البنوك والبورصة المصرية، وتزداد الخطورة مع سعي الحكومة لاستخدام البعد الإليكتروني في التعاملات اليومية للمواطنين مثل خدمات الحكومة الإليكترونية وضمان وصول الدعم لمستحقيه عبر الكروت الذكية، ومن ثم يتوجب على الحكومة المصرية القيام بالتالي:
- وضع استراتيجية تهدف إلى تعزيز الأمن الإليكتروني المصري، بالتزامن مع زيادة الاعتماد على وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة.
- تعزيز مجالات التعاون في الأمن الإليكتروني مع الدول المتقدمة في مجال البرمجيات.
- تأمين شبكات الاتصالات وخطوط كابلات الانترنت البحرية وتوفير بدائل لها.
- تعظيم الاستفادة من الاقمار الصناعية وتكنولوجيا الاتصال عن بعد بجانب الكابلات البحرية والألياف الضوئية.
- امتلاك الدولة المصرية للمعرفة التكنولوجية حتى لا تجعل نفسها عرضة للاختراق الخارجي من خلال أجهزة الحاسبات المستوردة والتي قد تكون محملة ببرامج تجسس متقدمة.
وبذلك تضمن الدولة المصرية تحقيق أمنها القومي، وتعزيز استراتيجيتها الدفاعية والعسكرية في ظل الاعتماد المتزايد والمتنامي على الفضاء الإليكتروني كأحد أدوات الدولة لتحقيق أهدافها الداخلية والخارجية.
*
-Joseph Nye, Cyber Power, Cambridge: Harvard Kennedy School, Belfer center for Science and International affairs, May 2010. p3
- Richard L. Kugler, “From Cyber Space To Cyber Power: Defining The Problems”, In Franklin D. Krammer, Stuart Starr, And Larry K. Wentz. Eds, Cyber Power And National Security (Washington, D.C: National Defense Up, 2009), P316.
- د. سعاد محمود أبو ليلة، "دورة القوة: ديناميكيات الانتقال من "الصلبة" إلى " الناعمة" إلى "الافتراضية""، مجلة السياسة الدولية، ملحق اتجاهات نظرية: القوة: كيف يمكن فهم تحولات القوة في السياسة الدولية؟، عدد رقم (188)، ( مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أبريل 2012)، ص 16
.Joseph Nye S., Cyber Power, Op. Cit,. Pp 4 -15.
-عادل عبد الصادق، "القوة الإليكترونية: أسلحة الانتشار الشامل في عصر الفضاء الإليكتروني"، مجلة السياسة الدولية، ( مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أبريل 2012)، ص ص 28 -30.
[6]- Mohamed Chawki, Egypt’s Cyber Revolution that Shook the World, On
- خبر منشور بصحيفة الأهرام بتاريخ 4 فبراير 2011، يمكن مطالعته على الرابط التالي:
- خبر منشور بموقع اليوم السابع بتاريخ 2 أبريل 2013، يمكن مطالعته على الرابط التلاي
- عادل عبد الصادق، "القوة الإليكترونية: أسلحة الانتشار الشامل في عصر الفضاء الإليكتروني"، مجلة السياسة الدولية، عدد رقم 188، (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أبريل 2012) ، ص ص 28- 35.
- خبر منشور على موقع مصراوي بتاريخ 26 أبريل 2013، يمكن مطالعته على الرابط التالي:
- Microsoft Security Intelligence Report, Volume 14, July through December, 2012. P3.