الأخبار
لكسر حدة الحظر: حفلات جنون افتراضية وأفلام «أكشن» شعبوية
من كان يتوقّع أن تتطوّر الأمور في مصر على هذا النحو المتسارع؟ من كانوا في السلطة باتوا اليوم مطاردين. يحدث الأمر للمرة الثانية في أقل من ثلاث سنوات. «يبدو كأننا نشاهد أحد أفلام الأكشن»، قالها أحدهم في مقهى ساخراً وهو يتذكر سنوات الرئيس المخلوع حسني مبارك وأيامها الخالية من أي «أكشن»، على حد تعبيره. وجاءه الرد سريعاً من أحد الجالسين قريباً منه: «نحن الآن نعيش في فيلم أكشن دائم منذ أكثر من سنتين».
ACCR
الأحد,25 أغسطس 2013 - 02:51 ص
مشاهدات: 167
كان مشهد أحد المحال القريبة المحطمة والمحسوب أصحابها على جماعة «الإخوان» يشي بالكثير. ففي شارع «الملك فيصل» القريب من ميدان «الجيزة» دارت اشتباكات عنيفة قبل أيام «بين الأهالي وعناصر من الإخوان»، أو «بين الإخوان والبلطجية»، أو «بين الإرهابيين والأمن»، لا تهم التسميات، فهي تأتي دائماً موافقة لتوجهات أصحابها. في هذه الأيام قد يتحول النقاش إلى جدل حاد وخشن بين الجيران، أو الأقارب والأصدقاء.
انقسام
في المقهى ينقسم الناس أيضاً كما في البيوت. تُراوح وجهة الانقسام بين مؤيد لتحركات الجيش ومعارض لها، كما أن هناك من يقف في الوسط محاولاً اتخاذ موقف محايد، بينما يصب آخرون لعناتهم على كلا الفريقين. هكذا ظهر «الميدان الثالث»، والذي اتخذ أصحابه من ميدان «سفنكس» القريب من نيل القاهرة محطة لوقفاتهم الرافضة لكل من الإخوان والعسكر، وهو ميدان صغير يقع في حي المهندسين، غرب القاهرة، يتوسطه تمثال كبير من البرونز لصاحب نوبل نجيب محفوظ.
الأسماء هنا لها مغزى أحياناً، «سفنكس» هو الاسم الروماني لتمثال أبي الهول، والذي أفتى أحدهم ذات يوم بوجوب تحطيمه! نجيب محفوظ هو صاحب «الأدب الفاحش»، كما جاء على لسان أحد متحدثيهم المفوهين ذات مرة على شاشة إحدى الفضائيات.
بعد فض اعتصام أنصار الرئيس المعزول اختفى «الميدان الثالث»، كما اختفى الميدانان الآخران من الوجود، وإن بقى أثرهما افتراضياً في النفوس.
على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس هناك مكان أحياناً لأصحاب اللون الرمادي. «معي أو ضدي»، هكذا هو الحال. يهدد أحدهم بإلغاء كل من يثبت أنه إخواني أو متضامن معهم على صفحته الافتراضية، بينما يهدد آخرون على الطرف الآخر بمحو أنصار السيسي. يدخل الجميع في سجال يومي افتراضي. ولكن، لا أحد يستطيع أن يضبط مؤشر الشارع المصري من خلال «فايسبوك» أو «تويتر». الأمر يكتنفه كثير من التفاصيل والتعقيدات. «الإخوان»، الذين كانوا قبل أيام يملأون الدنيا صخباً وضجيجاً، بدأ صوتهم يخفت الآن.
القاهرة خالية من التظاهرات الحاشدة منذ أيام. يُجبر فرض حظر التجول الأسر المصرية على الجلوس معاً أمام شاشة التلفزيون، والذي تحول بدوره إلى مبرر للتشاحن أحياناً، فالوجوه التي تطل الآن على الشاشة بعضها له تاريخ من «الميوعة»، وهو اللفظ الأقل حدة من «التواطؤ»، مع نظام مبارك. هم يتحفوننا اليوم بدروس في الوطنية والخوف على الدولة المصرية من الانهيار.
على كل حال، اسـتراح الناس تقريباً من طلة رموز «الإخوان» على شاشات الفضائيات بردودهم الاستفزازية وحججهم الملتوية ومنطقهم المراوغ. هم يتساقطون الآن واحداً تلو الآخر. وتُـشكّل التـسـجيلات الصوتية المُسربة للتحقيقات مع أحد أبرز مناصريهم الذي أوقِف أخيراً، مادة خصبة للتندر. كما أنها مادة خصبة لحفلة الجنون على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعكس خللاً في التركيبة النفسية لهؤلاء الذين تصدروا المشهد المصري طوال عام كامل أو يزيد. كيف كان هؤلاء التعساء يديرون الأمور ويتحكمون في مصير هذا الوطن؟ كيف صدقهم الناس؟ كيف دفع كثيرون حياتهم ثمناً لهذا الخواء الإنساني؟
مع اقتـراب ساعات حظر التجول كان سـائق سيـارة الأجـرة يجهد للعبور وسط الازدحام الـحاد قـرب وســط الـقاهرة. والحديث هـنا ضروري لقـتل الـوقـت. لذا مـن الـنـادر أن تعثر على سـائق أجـرة في تلك المدينة المزدحمة لا يجيد تبادل الحديث مع زبائنه. وليس هناك حديث اليوم سوى عن الإخوان والسلفيين وقتل الجنود وفض الاعتصام وحرق الكنائس وما حدث طوال سنتين.
طال الحديث وتشعب إلى تفاصيل عدة، لكن السائق كان يعلن بين الحين والآخر حنقه: «حظر التجول ده والله خراب بيوت». فهو كملايين غيره من المصريين لا يعنيه هذه الأيام سوى متطلباته اليومية. هو مسيحي لكنه لم يتكلم بهذا المقدار من الألم والمرارة حين تطرق الحديث إلى حرق الكنائس. لا يعنيه شيء سوى تلك الأفواه التي يعمل جاهداً على تلبية مطالبها المعيشية البديهية. «ملعون أبو السياسة»، جملة يتمتم بها الرجل كلما شعر بحدة اختناق السير.
انتظرت منه أن يترحم على أيام مبارك، لكنه لم يفعل. أفلت من الدخول في جدل كان يمكن أن يطول لو أنه فعلها. ويحاول فقط الانتهاء من العمل قبل دخول ساعات حظر التجول، فأكثر ما يخاف منه، تلك «اللجان الشعبية» التي تنتشر في الشوارع الجانبية للأحياء الواقعة على أطراف القاهرة. فهي توقف السيارات العابرة للتفتيش بزعم تأمين المنطقة أو الحي. لكنه يقسم أن غالبيتها من اللصوص. فيما يؤكد آخر: «في المـسـاء مررتُ وأنا في طريـقي إلى البيت، بإحدى تلك اللجان، كان أكثر عناصرها من الشباب، بعضهم بدا حليقاً بخطوط مرسومة على فروة رأسه على الجانبـين، على غرار «أوكا وأورتيـجا» تمــيمـة الأحياء الـشــعبية هذه الأيام، صاحبي الموسيقى والأغاني الصاخبة التي تتشـابه كـثيراً مع عشـوائيات هـذه المدينة».