المقالات
الصراع الدولي والفضاء الالكتروني
ْ
الصراع بصفة عامة هو نشاط إنساني ينشأ من رغبة طرفين أو أكثر في القيام بأعمال متعارضة فيما بينهم، فذلك هو المنطق البسيط للصراع، والذي لا يتم حله إلا بواسطة مجموعة متناسقة من التدابير والقواعد،
ايهاب خليفة *
الجمعة,30 أغسطس 2013 - 03:10 م
مشاهدات: 363
والذي تتعدى مستوياته الأفراد إلى الجماعات والدول، وقد كان سائداً أن قواعد التعامل بالنسبة لكل حالات الصراع تظل ثابتة علي كافة الأصعدة، إلا أن التطور التكنولوجي خلق طرقاً وأساليب مختلفة في الصراع، يصعب فيها تحديد المُعتديِ والمُعتدىَ عليه.
ويجري الصراع مدفوعاً بمجموعة من الرغبات والحاجات الخاصة، فعندما تشعر الأطراف المتفاعلة أن هناك ثمة مصالح يمكن أن تجنيها من جراء الانخراط في الصراع فإنها تقدم على الدخول فيه، وتغريها تلك المصالح بكسر قواعد سابقة أو المغامرة بانتهاك أعراف عامة لإدارة الصراعات على المستويات المختلفة.
ويمكن تعريف الصراع على أنه: "التصادم والتعارض بين طرفين أو أكثر، بينهم اختلافات قيمية ومصلحية، وينخرطان في سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي تهدف إلى إلحاق الأذى والضرر بالطرف الأخر، مع سعي كل طرف إلى تعظيم مكاسبه على حساب الآخرين وتأمين مصادر قوته"، ويكمن الفارق الجوهري بين مفهومي الصراع والعنف في أنَّ مفهوم الصراع أوسع من مفهوم العنف، إذ تتعدد صور الصراع وآلياته، ويعدُّ العنف إحدى هذه الآليات في إدارة الصراع وحسمه، وتتوقف شدة الصراع على كم وكيف العنف المستخدم فيه.
وتختلف أشكال الصراع وفقا لمحصلة اعتقادات وتصورات ورغبات القوى المشاركة في أدواره، وللصراع تواجد في كافة أشكال السلوك الاجتماعي، ولكل صراع أرضية يقوم عليه، وهو موجود في الواقع بحكم توازنات وتعقد الواقع ذاته، غير أنه دائماً ما يأتي ممتزجاً بالكثير من التبريرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فهناك سبب أصيل لأي صراع كما أن هناك تبرير مباشر لوجوده.
وتتعدد مستويات الصراع الدولي، فهناك صراع على مستوى الدول، أي على مستوى الفاعلين الدوليين كالصراع بين دولة وأخرى والصراع بين دولة ومنظمة دولية والصراع بين دولة وجماعات فردية سواء خلفيات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو غيرها، وقد يكون الصراع داخل الدولة الواحدة كالصراعات السياسية والطائفية والإثنية والعرقية وغيرها، وهناك أيضاً الصراعات بين الأفراد داخل الدولة ولكنها تخرج من دائرة الصراع الدولي إلى دائرة النزاعات الفردية التي ينظمها القانون الداخلي وليس القانون الدولي.
وفيما يتعلق بأطراف الصراع الدولي فقد يكون الصراع بين فاعلين دوليين State actors أو فاعلين من الدول أو فاعلين من غير الدول Non-state actors، ويكون الصراع دولياً إذا كانت الدولة بمفهومها التقليدي طرفاً فيه، ويكون الصراع في هذه الحالة بين دولة وأخرى، وقد يكون صراعاً بين دولة ومنظمة دولية أو جماعة معينة لا ترتقي إلى مستوى الدولة، أما الصراع بين الفواعل من غير الدول فقد يكون بين مجموعة من الأفراد وبعضهم أو مجموعة من الأفراد وغيرها، بحيث لا تكون الدول طرفاً فيه.
وتختلف القيم والموضوعات التي يكون حولها الصراع باختلاف المصالح وتعارضها، إذ يمكن أن يكون أي اختلاف مدعاة للتفاقم ليصل لحد الصراع السلمي أو العنيف، فقد يكون الصراع على الاقليم أو الموارد الطبيعية، أو الحدود الجغرافية والسياسية، أو السيطرة السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو المعلوماتية، وهناك الصراع العرقي والصراع الديني والصراع الأيديولوجي، وبتعدد هذه القيم والموضوعات تتعدد أيضاً ميادين الصراع، فقد يكون الميدان هو الأرض إذا كنا بصدد موارد طبيعية أو حدود، وقد يكون الميدان هو الفضاء إذا كان الصراع حول السيطرة السياسية والعسكرية، وقد يكون الميدان هو الفضاء الإليكتروني إذا كنا بصدد السيطرة المعلوماتية والتكنولوجيا.
وتعتبر ظاهرة الصراع ظاهرة موغلة في القدم، ترجع إلى رغبة الإنسان في المحافظة على بقاءه واستمراره وتطوره، حيث بدأ الصراع بين الإنسان والطبيعة منذ نشأة البشرية الأولى حيث استطاع الإنسان الأول بالتفكير بطرق بدائية للتغلب على ظروف الطبيعة القاسية، فراح الإنسان يستخدم الحجارة للتعامل مع الأشياء التي يصعب قطعها أو تكسيرها بواسطة الأيدي، وتواترت عمليات الاستخدام العنيف للأشياء على هذا النحو، هذا الصراع أخذ بالتطور فأنتقل إلى نوع أخر، صراع الأفكار، وصراع الحضارات، صراع المادة مع الإنسان =، صراع الخير والشر، ولقد برز الصراع بين الدول مع بدء ظهور فكرة الدولة القومية صاحبة السيادة بعد صلح ويستفاليا عام 1648.
ويبين من هذا أن الصراع كان قديماً يأخذ شكل القتال بالسلاح، حيث أن التقدم في التقنية المسلحة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حيث ظهور المفرقعات، والقذائف المعدنية، زاد من حدة ووحشية التدمير والقتل بين الأطراف المتصارعة، فقد كان الصراع يأخذ شكلين إما الفناء أو البقاء، لذا لم يعرف الصراع بين الأمم ذلك الوقت أشكاله المتعارف عليها اليوم، من دعائية، إعلامية، دبلوماسية، أيديولوجية، تسلحية، ومعلوماتية وإليكترونية وما غير ذلك من أشكال.
وتتعدد أدوات الصراع الدولي بتعدد المصالح، وتختلف أشكاله وفقاً لقدرات وإمكانيات ورغبات القوى المشاركة فيه، فقد تكون القوة العسكرية هي أحد أهم أدوات إدارة الصراع، وقد تكون القوة الاقتصادية والحصار الاقتصادي والمالي هو العامل الرئيسي في إدارة الصراع، وقد تكون الأداة المعلوماتية من خلال وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة والانترنت هي العامل المسيطرة في إدارة الصراع.
إلا أن الصراع قد تطور بشكل هائل نتيجة للتطور الكبير في المعلومات مما جعل هذهِ المعلومات هي الهدف الأساسي الذي تسعى الدول للحصول عليه، هذه المعلومة هي التي مكنت الدول من إنتاج السلاح النووي، وظل هذا التطور مستمراً، حيث اعتمدت كل مرحلة من مراحل التطور الإنساني على سلطة أو قوة من طبيعة معينة تنساب مع متطلبات هذه المرحلة، ولقد أثرت هذه السلطة أو القوة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أدوات الصراع بين المجتمعات وآلياتها، وأفرزت مفردات ومكونات تكاملت معاً لتنتج نظاماً دولياً سيطرت مفاهيمه بعض الوقت أو كل الوقت، وفي هذا الإطار تميز عصرنا الحالي بظاهرة الثورة العلمية والتكنولوجية ولقد أزاحت وحيدت التكنولوجيا الكثير من عناصر القوة عن مواقعها التي تربعت عليها فترة طويلة. مما عرض المفهوم التقليدي للقوة إلى إنتقادات وأفصح عن محتوى جديد للقوة فلم يعد ما في يد الدولة من قدرات عسكرية أو ما تمتلكه من أموال وثروات، كافية لبلورة دورها كقوة مؤثرة وفاعلة. إن مسار هذا التغير الذي أحدثته التكنولوجيا في حالة حركة وهو في طريقه إلى التصاعد وطور التكوين ومن غير الممكن فهم العلاقات الدولية وظاهرة الصراع الدولي بمعزل عن التطور الذي يشكل ملمحاً لم يكتمل بعد حيث يصعب تحديد آثاره وتداعياته بشكل شامل ونهائي حاليا ومستقبلاً.
ومع برزو الفضاء الإليكتروني زادة الرغبة في السيطرة عليه باعتباره ميدان جديد للعلاقات والتفاعلات بين الدول، وأصبح سلاحاً ذو حدين، فقد يتطور الخلاف السياسي بين دولتين إلى مواجهة عبر الفضاء الإليكتروني وقد يتطور إلى إحداث أضرار مادية ضخمة وهو ما يمثل مكمن الخطورة الأكبر في درجة التأثير على الصراع الدولي، خاصة في الوقت الذي تسعى فيه جميع الدول إلى الحصول على المعلومة واقتحام أنظمة المعلومات السرية للأجهزة العسكرية والمعلوماتية، إلا أنه يلعب في نفس الوقت دوراً في المساعدة على منع الصراعات وذلك من خلال المساعدة في تقريب وجهات النظر وتبادل الأفكار والرؤي والآراء، حيث يشهد الفضاء الإليكتروني عبر الشبكات الاجتماعية والتجمعات الإليكترونية زيادة العلاقات بين المواطنين عبر الدول، وسهولة تبادل المعلومات والبيانات، والمساعدة في تجاوز الهياكل البيروقراطية للحكم، كما عزز الفضاء الإليكتروني من التغيير الهيكلي للدبلوماسية بالانتقال الجزئي من الاعتماد على الدولة الرسمية إلى تفاعل جهات وجماعات وأفراد داخل الدولة، والانتقال من مرحلة تبني النموذج المركزي في صنع السياسة الخارجية للانتفاح على طرق تنفيذ أهدافها، وتم تنشيط الاتصالات الداخلية ووزارة الخارجية والانتقاح على المعلومات.
وبالتالي الصراع الإليكتروني هو أحد أوجه الصراع الدولي، حيث يستطيع أحد أطراف الصراع أن يوقع خسائر فادحة بالطرف الآخر، وأن يتسبب في شل البينة المعلوماتية والاتصالاتية الخاصة به، وهو ما يسبب خسائر عسكرية واقتصادية فادحة، من خلال قطع أنظمة الاتصال بين الوحدات العسكرية وبعضها البعض أو تضليل معلوماتها أو سرقة معلومات سرية عنها، أو من خلال التلاعب بالبيانات الاقتصادية والمالية وتزييفها أو مسحها من أجهزة الحواسيب، وبالرغم من فداحة الخسائر إلا أن الاسلحة بسيطة لا تتعدى الكيلو بايتس، تمثل في فيروسات إليكترونية تخترق شبكة الحاسب الآلي وتنتشر بسرعة بين الأجهزة، وتبدأ عملها في سرية تامة وبكفاءة عالية، وهي في ذلك لا تفرق بين المقاتل والمدني وبين العام والخاص وبين السري والمعلوم.