لغتي. وإذا كان ثمة في عملي ما يدعوني إلى الرضا والاعتداد بالنفس فهو إلهامي بعضَ المصورين الشباب، على شاكلة زملائي ومجايليَّ يوجين سميث وويليام كلاين أو ستيغليتز الذين كان لهم دور راجح في انتباهي إلى الصورة وأساليب التقاطها واختيارها. ولكنني، أولاً وأخيراً ربما، عصامي تعلَّم التصوير على نفسه، ومن تجاربه. وأنا متيقن من أن على الواحد أن يشق طريقه بنفسه، وأن يبلغ الرشد من تلقائه. وطريقي أنا قادتني إلى لون من الإنسانوية، ولم أنفك من محاولة أن أكون امرءاً تليق به كرامته. وأرى نفسي «وسيطاً» حاول وسعه الوساطة بين الناس.
وصورتي الأولى في معرض «فيزا الصورة» (بمدينة بيربينيان الفرنسية) هي لجيل كارون ببيافرا- نيجيريا في 1968 إبان المجازر العرقية والدينية، ويراني المشاهد حاملاً آلة التصوير لصق بطني. وهي قد تكون كناية، ولكن شاغلي كان ساعتذاك تافهاً وضئيلاً: كنت أحمي جهازي من الوقوع في الماء تفادياً لخسارة فرصة العمل، والاضطرار إلى العودة من حيث أتيت عشية اندلاع الحرب التي جئت من بعيد لحضورها والشهادة عليها. وحملني طبعي الحماسي وانتظاري ابتداء التصوير، على قلق محموم. وأشد ما أكره، اليوم وصفي بـ «مصور حربي»... وحين استعيد وقائع حياتي المهنية أتساءل كيف بقيت على قيد الحياة، ففي أحد الأيام رافقت كتيبة جنود من 160 جندياً إلى المعركة، ولم ينجُ منهم إلا 39. وأحسب أن آلة التصوير كانت في مثابة جواز مرور أو تأشيرة. ولست أشك، على صواب أو خطأ، أنني كنت هدفاً في متناول بندقية قناص غير مرة، ولم يطلق النار عليَّ لعلمه بأنني لست غير شاهد على القتال والحرب.
وأقر بأنني رجوت الله في دوامة القتال وتبادل النار من حولي، مساعدتي على الخروج سالماً من المعمعة المستعرة. وأظن أننا نحتاج كلنا إلى الإيمان والتصديق. وقد يكون المعنى المعروف للإيمان تعويضاً عن الضعف والهشاشة. فهل تكون الصورة الفوتوغرافية من أشكال الخلاص أو كفارة عن الشر؟ لا أدري. ولكنها كانت سبيلي الوحيد إلى الهرب من تفاهة الحياة اليومية التي شببت بين ظهرانيها، وكانت مزيجاً من الجهل والتعصب، من غير أن أتخفف تماماً من العنف الفطري الذي أحاط بي. فأنا لم أولد في المحل المناسب وكانت أمي تضربني، وهمتُ على وجهي في الشوارع، وخالطتُ العصابات التي كانت في لندن يومَها تصبغ الحياة الاجتماعية بصبغة قَبلَية توارت اليوم ولم تترك أثراً إلا في نوادي كرة القدم والإحساس بالانتماء إليها. كنت منبوذاً، وأردت على الدوام إبلاغ الناس غضباً يعتمل في داخلي، وإزجاء احترامي وتحيتي إلى المجهولين الكثر الذين يبذلون وسعهم في سبيل البقاء على قيد الحياة. وفي نهاية المطاف، أعملتُ روحي كلها في التقاط هذه الصور كلها.
وعلى خلاف جوواو سيلفا، الذي قال إنه حين يرى صورة لا تبدو له مطابقة للانطباع الذي يحفظه عنها، لا أنسى أبداً الأسيرين النيجيريين في بيافرا وهما ينتفضان هلعاً قبيل إعدامهما، على مقربة مني. ولا أنسى الولد الأمهق من بيافرا وهو يمسك يدي ويعلم علم اليقين انه موشك على الموت. ولا شك في أن تصوير المأساة تقنياً ليس عسيراً ولا معقداً، ولكنني بذلت ثمناً باهظاً طيلة حياتي لقاء هذا، فأنا لم أبلغ الشهرة، وأحصل على جوائز عن تصويري آلام البشر من غير عذاب ضمير موجع. وكان عليَّ في الآن نفسه، عرض هذه الصور على الملأ. وحين يشعر الناس بالاحترام، حين يشاهدون الصور في معرض يسوده الصمت والإجلال، لا يسعني إلا العرفان بالجميل.
ومن مسارح الحوادث الخطرة زرت سورية، وبقيت فيها 5 أيام فقط. وكان عليَّ البقاء أسابيع طويلة قبل أن أتمكن من رواية حكاية تدل على معنى. أنا أستمع كل صباح، الساعة السابعة إلى الاخبار الدولية، وفضولي ورغبتي في الشهادة لم يضعفا. وعيناي وأنا على وشك بلوغ الـ80، لا تزالان دقيقتي النظر، ولكن ساقيَّ لا تفيان بالغرض ولا بالحمل. وبعد سورية، سوف تنفجر نزاعات أخرى في أفريقيا أو في موضع آخر. وهذا إلى آخر الأزمنة. فأسأل نفسي إذا لم أبدد حياتي من غير طائل.
? * مصور بريطاني، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 6/9/2013، إعداد منال نحاس