عاجل
المقالات

الشركات واجهزة الاستخبارات في مواجهة الحريات عبر الانترنت

انضم "إدوارد سنودن" الموظف في وكالة الامن القومي الامريكية الى نادي المقاتليين من اجل الحرية بعد كشفة عن برنامج امريكي للتجسس على الافراد عبر الانترنت،وليطرح ذلك تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الانترنت والاتصالات والاجهزة الاستخباراتية ؟ وعلاقة ذلك بالكشف عن بروز تهديدات جديدة للحريات المدنية حتى في اعتى الدول الديموقراطية ؟وماهية الحدود الفاصلة بين الأمن والحرية وطبيعة دور الشركات الكبرى في تلك القضية ؟وكيف يمكن حماية الأمن والخصوصية للأفراد عبر الانترنت ؟

الشركات واجهزة الاستخبارات في مواجهة الحريات عبر الانترنت
اضغط للتكبير
 
الكنز الثمين وصراع المعلومات 
 
أخذ الاهتمام العالمي بالبعد الأمني لشبكة الإنترنت يتزايد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ،والحملة الأمريكية على الإرهاب وما مثَّله ذلك من تحديات جديدة لأنظمة الحكم في العالم. وفجَّر ذلك الطابع الاستخباراتي لشبكة الإنترنت الذي طالما حاولت الدول الكبرى إخفاءه؛وتمتلك الدول الفرص الأكبر في استخدام الانترنت بما لديها من قدرات فنية ومالية وامتلاكها لأجهزة استخباراتية قوية وخاصة الدول المتقدمة تكنولوجيا ،وارتباط ذلك بمجالات التجسس بالأقمار الصناعية والموجات والاتصالات السلكية واللاسلكية.  
وفرض ذلك اشكاليات الموازنه بين حرية استخدام الانترنت وبين الحيلوله دون ان يشكل ذلك تهديدا لامن المستخدمين،وبين دور الدول في الحفاظ على امنها القومي ومدى التزامها بالمواثيق الدولية لحقوق الانسان وبخاصة مع تاكيد الامم المتحدة على أن حقوق الانسان في العالم الرقمي يجب أن تكون محمية ومصانة بنفس القدر الذي تحمى به حقوق الانسان في العالم المادي.
وذلك بعد ان تغيرت طبيعة الحقوق والواجبات والتي تعلقت بالحفاظ على السرية والخصوصية وحق الانسان في تداول المعلومات والبيانات،والحق فى الوصول إليها واستخدامها،والقدرة على الاتصال والتواصل مع الآخرين عبر  شبكات الاتصال والمعلومات .
واصبح الارتباط المتزايد للأفراد بالخدمات التكنولوجية يعطي قابلية التعرض للاستخدام غير الآمن لمعلوماتهم الشخصية والتي تنتج جراء نشاطهم الالكتروني في العديد من المواقع والخدمات والشبكات والاتصالات،وهي بمثابة كنز هام تلهث من ورائه الشركات التجارية لاستخدامها في الهندسة الاجتماعية او من جانب أجهزة الاستخبارات الدولية للاستفادة منها للتأثير على توجهات الأفراد ثم التأثير في المجتمعات والدول،ولعب في ذلك البيئة الالكترونية متعددة الحدود. وتصاعد حجم المعلومات الشخصية المتاحة والتي نتجت عن نشاط الأفراد عبر الشبكات الاجتماعية والتطبيقات الصوتية والمرئية .
ووصل الامر الى ان اصبحت تلك الشركات تملك معلومات شخصية عن المواطنين في الدول اكثر مما لدى حكوماتهم فضلا عن توافر اجهزة ذكية تمتلكها شركات دولية و لا تملك هيئات تنظيم الاتصالات في دول مستهلكة لها القدرة على الدخول الى قواعد البيانات الخاصة بمواطنيها.
 
الانترنت ومخبر بلا حدود
 
ان اكثر الدول تطورا وتقدما في المجال العسكري والتقني تستخدم شبكة الانترنت كوسيلة تجسس وجمع معلومات‏,‏و ظهر مفهوم‏'‏ المخابرات عبر الإنترنت‏,‏ ليعبر عن تحول شبكة المعلومات الدولية إلي مسرح لحرب معلومات من نوع خاص يمزج بين بيئة جديدة وأداة غير تقليدية‏,‏وأصبح لها اوجه رقميه الكترونية غير مسبوقة في شمولها وعمقها واختلافها واتساع نطاق تغطيتها‏,‏فضلا عن فداحة أضرارها وذكاء منفذيها وتعقد آلياتها ‏والتي تتم عبر البرمجيات او الاجهزة التي تصنعها الشركات التكنولوجية الكبري والتي تكون غطاء لاجهزة استخبارات دولية او على الاقل وجود تحالف استراتيجي .
وعلى قدر ما ساعدت التكنولوجيا الامنية في توفير سبل للحماية إلا أنها أتاحت الفرص للتجسس وانتهاك الخصوصية للأفراد ،وجمع المعلومات من مناطق الاستهداف وتوجهات الرأي العام في الدول المختلفة ، وكأداة للتجسس منتشرة ورخيصة وسهلة في العمل الاستخباراتي في ظل الانتشار الهائل والاستخدام الكثيف للانترنت ،وتوافر كم هائل من المعلومات ،واتساع دائرة تجنيد العملاء والتنسيق والتمويل وتطوير اداء الاجهزة الامنية في مجال الرصد والرقابة وجمع المعلومات.
والجدير بالذكر ان هناك مشروع تجسسي قديم يدعى" ايشلون"ـ وهو نظام عالمي مخصص لاعتراض معظم الإشارات الرقمية في أنحاء الكرة الأرضية وتديره المخابرات الامريكية بالتعاون مع اجهزة مخابرات في اربع دول اخري هي بريطانيا ونيوزيلاندا واستراليا وكندا‏,‏بداية من اتصالات الاقمار الصناعية ونهاية بالحركة المختلفة علي شبكة الانترنت بما في ذلك رسائل البريد الالكتروني والملفات التي يتم تبادلها عبر الشبكة بالاضافة الي مجموعة اقمار صناعية مخصصة لنقل فيضان البيانات اليومي الي مراكز التحليل والفحص الأرضية‏.وهناك تحالفات بين دول خارجية مثل بريطانيا والولايات المتحدة والمانيا وغيرها على تشارك المعلومات الاستخبارية التي يتم جمعها عن نشاطات الأفراد الإلكترونية،وزادت انشطة الاجهزة الامنية الاستخباراتية في مواجهة نمو حجم التهديد للمصالح الأمريكية في الخارج وبخاصة بعد 11 سبتمبر 2001 .
 
"بريزم جيت" وهوس تطبيقات التجسس
 
ياتي برنامج "بريزم" كاحد البرامج التجسسية والتي تكشف عن الهوس الامني لدى الوكالات الامنية والتي وصلت إلى 1856 تطبيق تجسسي في عام 2012 فقط لهيئة الاستخبارات الأمريكية وحظي على موافقة المحكمة الفيدرالية،وبرنامج"بريزم"  "PRISM"  هو الاسم الرمزي لمشروع  تجسسي ضخم تديره وكالة الأمن القومي الأميركية وتشغلة منذ عام 2007 منذ عهد جورج بوشوشهد نموا في عهد باراك أوباما.ويهدف البرنامج الى استخراج بيانات المستخدمين المخزنة ضمن أجهزة خوادم شركات إنترنت أميركية كبرى.
وهو ما تسبب في حرج كبير للادارة الامريكية لعلاقتة بالحريات المدنية وهو ما دفع أوباما للاعتراف بوجود البرنامج واعتبره جزءا من "مكافحة الإرهاب" ، وتم الدفع بان ما يجمعه من بيانات هاتفية لا يتضمن أسماء ولا مضمون المكالمات، ويستخدم لاجهاض العمليات الارهابية.ويستهدف فقط غير الامريكين، وخضوع "بريزم"  للقانون وبعلم الكونجرس الامريكي  13 مرة منذ 2009.
وبرر "اوباما" ذلك بانه لا يوجد امن كامل او خصوصية كاملة ، ومن جانبها تراجعت الشركات في نفي علاقتها بالبرنامج واقتصرت على الاعتراف بوجود طلبات حكومية للحصول على معلومات شخصية عن مستخدمين ، وطالبت الدول بتخفيف ضوابط السرية على الرقابة حول الامن القومي والاعلان بشفافية عن طلبات الدول للتجسس والحصول على المعلومات الشخصية للافراد.
 و بخاصة انه يستحيل عمل البرنامج الا بعلم تلك الشركات ولا مجال لها بالادعاء بانها تعرضت للاختراق ، وبخاصة انه يتم تنزيله على أنظمة الشركات بما يمنح حرية الوصول الى الخوادم المركزية لمواقع عالمية مثل جوجل وفيسبوك و"آبل" و"ياهو" و"إيه أو إل" وسكايب" و"يوتيوب" و"مايكروسوفت"،لاستخراج رسائل بريد إلكتروني ومكالمات صوتية ومقاطع فيديو وصور واتصالات أخرى لعملاء تلك الشركات دون الحاجة إلى أمر قضائي.
وفي المادة رقم 215 من قانون "باترويت" الذي صدر بعد إحداث 11 سبتمبر  تم السماح لمكتب التحقيقات الفيدرالية بالتجسس على أي وسيلة تتعلق بأي مواطن غير أمريكي بمبرر مكافحة الإرهاب الخارجي دون أذن قضائي،ويتم ذلك عن طريق الشركات التجارية الأمريكية،في حين يتطلب تنصت وكالة الأمن القومي الأميركي على أي مواطن إذنا من محكمة مشكلة من ثلاثة قضاة بمقتضى قانون المراقبة المخابراتية الأجنبية للعام 1978.

 
 واستخدمت وكالة الامن الوطني الامريكية "بريزم" في الرقابة الاستخباراتية المكثفة على مواطنيين من إيران والأردن ومصر وباكستان والهند،وتم جمع في مارس الماضي 14 مليار تقرير استخباري عن ايران،تلتهاباكستان بواقع 5ر13 مليار،ثم الأردن بجمع نحو 7ر12 مليار تقرير استخباري،والجدير بالملاحظة ان تلك الدول لم تعلن اي ادانه لما حدث على الرغم مما يعد مخالفة للقانون الدولي وتدخلا في الشئون الداخلية لها .
وتنفق الولايات المتحدة ما قيمته 1,2 بليون دولار على إقامة مركز بيانات في ولاية أوهايو الامركية ويتوقع الانتهاء منه في سبتمبر القادم ،وهو ما يساعد على وجود قاعدة بيانات عملاقة،لتوفير خدمات للجيش وأجهزة المخابرات الأميركية- وتعزيز الأمن الإلكتروني،ويحتمل استخدامه في التنصت على بيانات المواطنين الأميركيين,والتجسس على رسائلهم الإلكترونية.والمعلومات الشخصية.وبخاصة في ظل سعى الادارة الامريكية لإحياء مشروع قانون يسمح بتبادل المعلومات بين الحكومة والمؤسسات الصناعية حول التهديدات الإلكترونية.ومواجهة محاولات الصين اختراق شبكات البيانات وسرقة ألاسرار الصناعية والتي تكلف امريكا مليارات الدولارات سنويا.
 
التأثيرات على الحريات المدنية
 
يؤثر التجسس في ثقة المستخدمين في الانترنت والشركات العاملة والى تزايد الخوف من انتهاك حقوق الانسان والحريات المدنية بتعرض حياة المواطنين للخطر نتيجة تسريب معلوماتهم الشخصية ،والمخاوف من تعاون الشركات مع الحكومات لمدها بمعلومات حول المعارضين لنظم الحكم وهو ما يجعلة تعاونا سياسيا وليس جنائيا.
وعلى الرغم من وجود مطالب تحاول الابقاء على تلك الممارسات من قبيل انه اذا تم منع الحكومة من التجسس على مهددي الأمن القومي يمكن ان يساعد ذلك في نمو مصادر الخطر للامن،وهو ما يؤدي الى تقليص الحريات المدنية ويضع مستقبلها عبر الانترنت امام خطر انتهاك الخصوصية للافراد "الضعفاء"والشفافية للشركات والاجهزة الامنية "الأقوياء" أو،السماح للحكومات والشركات العملاقة بالتعرف على نشاطات المستخدمين مع إخفاء نشاطاتها الامنية عن الرقابة الشعبية وعن الضوابط القانونية.
ويتطلب ذلك تعزيز ثقافة المستخدم بامن معلوماته الشخصية وبحقوقة في الامن والخصوصية والتي يجب ان يتم الحفاظ عليها في الاطر القانونية ولا يسمح بالتنازل عنها تحت اعتبارات الأمن القومي وضرورة دعم دور المجتمع المدني العالمي في الرقابة على اداء تلك الشركات ومدى التزامها بحقوق الانسان الرقمية .
واهمية وجود قواعد عالمية بشأن استخدام البيانات تلتزم بها جميع شركات الإنترنت ،ولا شك ان الكشف عن تلك الفضيحة قد هزت النظام السياسي الأميركي والذي يدعى بانه من قلاع الديموقراطية في العالم
ويقدم  "بريزم" دليلا مباشرا وقويا عن المخاطر الكبيرة التي تهدد الحريات المدنية من الاجهزة الامنية السرية.
وان مسألة السماح لها بالوصول الى المعلومات الشخصية يمكن ان يسهل استخدامها من جانب القراصنة وممارسة الابتزاز على المستخدمين .وتضر عملية التجسس على الاتصالات عبر الانترنت بحقوق الانسان الرقمية وبالاشخاص الاخرين الذين يحترمون القانون، وتلحق الضرر ايضا بالحفاظ على فرص الابتكار والتطوير لدى الافراد وتضعهم فريسة للشركات التجارية والتي لا تبغي الا البحث عن تحقيق الارباح .

واستغل السياسيون والاجهزة الامنية الخوف من الارهاب في تمرير ممارسات وتشريعات تحد من الحقوق والحريات الفردية‏,وبحمل استخدام التقنيات المتقدمة لمراقبة وبحث وتتبع وتحليل الاتصالات اخطارا اخري‏,‏ ملازمة فعلي الرغم من انها مفيدة في تتبع تحركات التنظيمات الارهابية‏,إلا انها ليست كافية لمواجهة العمليات الارهابية كما حدث في تفجيرات بوسطن،وان الاجهزة الامنية تستغل تطبيقات التجسس كأدوات تنتهك بها الحريات المدنية بالداخل والخارج وتساهم في تقليص حرية تدفق المعلومات وحرية التعبير والاتصال‏ .وانتهاك السرية والخصوصية للمعلومات لملايين المستخدمين حول العالم، وتكشف توغل نفوذ المؤسسات الامنية بالتعاون مع الشركات المحتكرة للتكنولوجيا على حساب الحريات المدنية عبر الانترنت. وهو ما يكون له تاثير مدمر للقيم الديمقراطية‏ ولحقوق الانسان الرقمية,

 
 
* خبير بمركز الاهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية - مدير مشروع المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك