عاجل
المقالات

النظام السوري في بيئة جديدة للتسوية السياسية

بعد ما يزيد على عامين ونصف من القتال المحتدم ظهرت بارقة امل جديدة في وقف نزيف الدم السوري عبر الدعوة الى جولة تانية من المفاوضات بين المعارضة والنظام السوري ،

النظام السوري في بيئة جديدة للتسوية السياسية
اضغط للتكبير

 وذلك بعقد مؤتمر  "جنيف 2" والمقرر عقده في 22 يناير القادم ،وياتي هذا بعد فشل "جنيف 1" في تحقيق اي تقدم ملموس والذي عقد في 30 يونيو 2012 ، وتهدف الجولة الثانية من المفاوضات الى التوصل الى وقف العنف، وإيقاف التدخل الخارجي، وبدء عملية سياسية تكون بديلا عن الحل العسكري للصراع . والتوصل الى  هيئة انتقالية عبر إنشاء حكومة وحدة وطنية تتولي مهام إدارة المرحلة الانتقالية.

و جاء ذلك في ظل بيئة داخلية واقليمية مختلفة عن بيئة "جنيف 1" وهو ما يطرح التساؤلات حول مدى نجاح الجولة الثانية من احراز تقدم في دفع جهود التسوية، والعمل على وقف الصراع الدائر الذي راح ضحيته ما يزيد عن 120 الف سوري والاف الجرحي واربعه ملايين لاجئ سوري ، فضلا عن تدمير البنية التحتية السورية الى جانب انهاك الجيش السوري في معارك داخلية اما عبر تدمير قدراته او عبر انشقاقة ، وهو ما يصب في النهاية في ضعف القوة السورية ، ويهدد مستقبل الدولة .وجاء ذلك في ظل تعنت اطراف المعارضة والقوى الخارجية المساندة لها في الرضوخ الى التسوية السلمية للصراع كبديلا للحل العسكري.

 وهو ما وضع مستقبل سوريا بين استمرار حالة الاقتتال الداخلي ، والدخول في نمط الصوملة والدولة الفاشلة او بادراك اطراف الصراع لاهمية الحل السلمي للازمة لانقاذ ما يمكن انقاذة من المقدرات السورية ،والحفاظ على وحدة الدولة السورية .والحيلولة دون تأسيس دويلات طائفية وبخاصة مع تصاعد حالة الاستغلال السياسي للتنوع الطائفي في شحن الصراع وبخاصة مع تصوير البعض للصراع على انه صراعا طائفيا بين السنة والشيعة عبر قيادة نظام سوريا "العلوي" وحلفائه في العراق وايران وحزب الله ، في مواجهة دول سنية من اهمها قطر والسعودية وتركيا ، وجاء ذلك مع حالة الشحن الطائفي ما بين السنة والشيعة من ناحية وما بين تعظيم  دول خارجية للهاجس الامني من ايران على دول الخليج ، وبخاصة التي تحوي اقليات شيعية .

وتتعارض هذه الرؤيه مع كون الجيش السوري التابع للنظام به اغلبية سنية وان هناك دول سنية تساند النظام السوري ، وان المعركة ضد سوريا تستهدف اسقاطها من معادلة القوة في الشرق الاوسط لتنفيذ استراتيجية امريكية – اسرائيلية.

 وجاءت  اهمية "جنيف 2 "  مع  بروز عدد من المتغيرات الجديدة والتي من شأنها التأثيرعلى قوة أطراف الصراع من ناحية ووضعت بيئة جديدة ضاغطة في اتجاة الحل السلمي من ناحية اخرى وتغيرت مواقف قوى اقليمية ودولية من الصراع .

فعلى المستوى الداخلي للصراع طرأت تغييرات سواء على المستوى الميداني والسياسي بتحقيق النظام السوري تقدما على المستوى العسكري ونجاحة في  محاصرة المعارضة المسلحة وشن هجمات متواصلة على معاقلها ، وهو ما مثل تقدما للنظام السوري على الارض ، وهو ما انعكس على قوته التفاوضية وعلى تمسكة بمواقفة المتشددة تجاة المعارضة ، ومن جانب اخر تحولت المعارضة المسلحة الى نمط التفتت والاقتتال الداخلي مع دخول الجماعات التكفيرية والمحسوبة على تنظيم القاعدة في الصراع واصطدامها بالمشروع العلماني للمعارضة السورية .

وبرزت بذلك عدة عناصر ضعف في  مواقف المعارضة سواء تلك التي تتعلق بالابعاد العسكرية او السياسية او بالاشارة الى حالة التباين بين معارضة الداخل والخارج حول سبل الخروج من الازمة السورية ، وعدم وجود رؤية موحدة للمعارضة تجاه الحل السياسي ، وهو ما اظهر المعارضة على انها تفتقد دور الشريك القوي في عملية التفاوض مع النظام السوري.

وفيما يتعلق بالظروف الاقليمية الجديدة ،دفع الاعتماد الكبير للمعارضةعلى الدعم الخارجي لها بالمال والسلاح والمقاتلين ،الى تأثرها الشديد بحالة التراجع في الدعم من جانب قطر والسعودية وبعض دول الخليج بعد فشل الحل العسكري واستشعارها لخطر  تاثير الجماعات التفكيرية عليها في المستقبل وبخاصة في حالة عودة المقاتلين الى بلدانهم . وتراجع الدعم التركي للحل العسكري.بالاضافة الى قلق الاوساط الغربية من تنامي نفوذ الجماعات الاسلامية المتطرفة ومعارضتها للقيم الديموقراطية الغربية .

واضافت تطورات الاوضاع في مصر بعد 30 يونيو وسقوط حكم جماعة الاخوان المسلمين تراجعا في المشروع الاسلامي في سوريا ، وهو ما استغله النظام السوري في تعزيز موقفة التفاوضي وتقوية علاقاته التحالفية مع الخارج.

فيحظى النظام السوري بدعم مستمر من الحليف الروسي الى جانب الايراني ، وبخاصة مع اقدام الاخير على التوصل الى تسوية ملفه النووي مع الغرب  وحدوث تقارب ايراني - تركي ، وهو ما اضاف قوة لحلفاء سوريا الاستراتيجين الى جانب حزب الله والذي دخل طرفا في القتال ضد الجماعات المسلحة وهو ما اضاف قوة عسكرية للنظام السوري ، وبخاصة مع استشعار حزب الله تداعيات سقوط نظام الاسد على وضعه في لبنان .

وكشفت الازمة عن ادارة النظام السوري لها على المستوى الاعلامي والتكتيكي بقدر كبير من النجاح  من خلال كشف الممارسات الارهابية من قبل الجماعات المتطرفة والعمل على افشال الحل العسكري في اسقاط النظام السوري .وتوصل النظام السوري الى تسوية مع الغرب حول ملفه في شأن الاسلحة الكيماوية وهو ما كانت تستخدمة المعارضة لشحن الضعوط الدولية على النظام بحجة استخدامها ضد المدنيين .

وجاءت تلك المتغيرات لتنسج بيئة جديدة للعملية السلمية ما كانت موجودة في الجولة الاولى من التفاوض في" جنيف 1 " ، ،وعلى قدر ما مثلت تلك المتغيرات قوة استراتيجية للنظام السوري الا انها دفعت كذلك في اتجاة الحل السلمي للازمة ، وتحولت المواقف الدولية التي كانت تطالب برحيل الاسد وتساند المعارضة المسلحة باتجاه تأييد الحل السياسي بعد فشل اسقاط النظام السوري عسكريا،وقامت  مجموعة الدول الـ11 او ما يسمى بـ"اصدقاء سوريا "وهي الداعمة للمعارضة بالاعلان عن موافقتها ومساندتها للحل السلمي ،واعربت عن ضمانها لمشاركة الائتلاف الوطني السوري، وأكدت روسيا وايران من جانبها ضمان مشاركة الحكومة السورية وبقبولها لنتائج "جنيف 1 "كأساس للتفاوض .

وجاءت عملية "جنيف 2" في أطار تبلور وضعية "عدم التوزان" سياسيا وعسكريا بين المعارضة والنظام السوري،ونجاح نظام الاسد في تعزيز نقاطة على الارض واستثماره ذلك في الموقف التفاوضي ليعبر عن تلك المعطيات الجديدة ،وهو ما برز في تأكيد النظام السوري على ان ذهابة الى جنيف لا يعني موافقته على تسليم السلطة الى "الاخوان المسلمين" ، وان الرئيس الاسد سيبقى في موقعه حتى انتخابات 2014 وربما يترشح مرة اخرى ، وتؤكد سوريا على ان ما فشلت فية المعارضة المسلحة في الحصول عليه بقوة السلاح لن تحصل علية بالتفاوض ، وانها تهدف الى العمل على وقف الدعم الخارجي للجماعات الارهابية والتي تلقى دعما من دول اقليمية  كتركيا وقطر والسعودية.

 وعلى الرغم من نجاج الدعوة الى عقد" جنيف 2" الا انها لم تلق ترحيبا من اغلب التيارات المعارضة الا ان مشاركة الائتلاف الوطني المعارض يعطي لها دفعة قوية في سبيل تحويلها الى واقع ، وربما يمثل  ذلك قوة ضغط سياسية على الاطراف الاخرى غير المشاركة وضغطا عسكريا في حال نجاح التوصل الى توقيت زمني لوقف اطلاق النار ، وبخاصة في مواجهة الجماعات التكفيرية ،والتي ترى ان القبول بالعملية السياسية انتحارا لمشروعها الاسلامي ، مثل الدولة الاسلامية في العراق والشام، وجبهة النصرة وكافة الجماعات الرافضة للقيم الديمقراطية للدولة السورية".

 

وتواجهة عملية جنيف الثانية عدد من التحديات لعل اهمها ، ضعف قوة الشريك المعارض في تمثيل كافة اطياف المعارضة ، وتحدي اقناع اغلب الفصائل باستحقاقات ما بعد جنيف 2 ، وعدم التوحد على شكل الدولة السورية ما بين  دولة فيدرالية او دولة موحدة وبخاصة مع بروز دور الاكراد في المطالبة بحكم ذاتي ، وهناك تحدي اعادة الاعمار وتقديم المساعدات الانسانية للملايين من اللاجئيين وتنظيم عملية عودة السوريين الى ديارهم ، والخلاف حول طبيعة دور الاسد في المرحلة الانتقالية، وهناك تحدي يتعلق باطلاق مشروع وطني للمصالحة الوطنية ، واهمية تشكيل صندوق لاعادة اعمار سوريا ، واعادة تكوين الجيش السوري الوطني ونزع اسلحة المليشيات المسلحة ، وتحتاج عملية التقدم في العملية السلمية اقتناع كافة المسئوليين السوريين سواء اكانوا موالين أو معارضة بأهمية تحمل المسئولية التاريخية في وقف نزيف الدمار السوري على كافة المستويات الانسانية والاقتصادية الى جانب  تحمل الاطراف الاقليمية والدولية المسئولية في تنفيذ مقررات جنيف 2 والرقابة النزيهه لمدى التزام الاطراف واهمية دورها في عملية الرقابة والاشراف على تنفيذ مقررات جنيف 2 ، وأن يكون لجامعة الدول العربية  دورا الى جانب المنظمات الدولية ، وتمثل البيئة الداخلية والخارجية للأزمة  في الوقت الحالي حافزا لامكانية التوصل الى تسوية تاريخية والتي تمثل فرصة لانقاذ ما يمكن انقاذه للحفاظ على الدولة السورية في مواجهة الارهاب والعنف والتدخل الخارجي وانهيار الدولة.   

 

 


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك