عاجل
الكتب مراجعه كتب

اقتصاد الابتكار السباق على المزايا العالمية

من غير المدهش أن يرى الأمريكيون بلدهم أكبر بلد ابتكاري في العالم؛ حيث يتنافس أرقى العلماء للدراسة في جامعات أمريكا، ويحلم النابغون المتحمسون من المبدعين بالانتقال إلى وادي السيليكون،

اقتصاد الابتكار السباق على المزايا العالمية
اضغط للتكبير
من غير المدهش أن يرى الأمريكيون بلدهم أكبر بلد ابتكاري في العالم؛ حيث يتنافس أرقى العلماء للدراسة في جامعات أمريكا،

ويحلم النابغون المتحمسون من المبدعين بالانتقال إلى وادي السيليكون، بينما يتجه المستهلكون الأمريكيون الأذكياء إلى شراء أجهزة الآي باد الأمريكية وبرامج السوفت وير. الروس من جهتهم يدّعون أنهم يبنون وادي سيليكون موازي خاص بهم تحت اسم سكولكوفو “Skolkovo”. ويتحدث الأمريكيون عن بناء الولايات المتحدة لوادي سيليكون مساو لسكولكوفو، وهو ما يشير إلى أنهم يسعون إلى هزيمة خصمهم السابق في لعبة الابتكار.‏

 

غير أن المزايا الابتكارية للأمريكيين هي في تآكل سريع. في الواقع لقد دخلت أمريكا سلفاً وفي عدة مجالات في عجز ابتكاري. في كتاب “اقتصاد الابتكار” يؤكد الكاتبان روبرت اتكنسون وستيفن ايزيل من معهد المعلومات التكنولوجية والابتكار في واشنطن هذه الدعوة عبر جهد كبير ومفصل يوضحان فيه أيضاً سبب حدوث ذلك الانحدار.‏

المؤلفان يجادلان بأن أمريكا تفقد شهيتها للابتكار - أو على الأقل في المجالات المنتجة للابتكار- وذلك في نفس الوقت الذي تحقق فيه الدول الأخرى المزيد من الابتكارات. ترتيب أمريكا في مجال البحوث والتطوير يأتي بتسلسل الثامن من بين مجموعة دول التعاون الاقتصادي والتنمية”OECD”، حيث تخصص للبحوث والتطوير 2.8% من الناتج الإجمالي المحلي لتأتي في مرتبة وراء الدول الصاعدة في الابتكار مثل فنلندا التي خصصت نسبة 4%. وفي الولايات المتحدة تتركز فقط ثلاث من بين أعلى عشر شركات مستلمة لبراءات الاختراع الأمريكية عام 2009.‏

الشركات الأمريكية تنقل مهام البحوث والتطوير إلى دول العالم الصاعد، بينما تقوم في نفس الوقت شركات العالم الصاعد ببناء مراكز بحوث وتطوير خاصة بها. وبهذا تتباهى شنغهاي بنوع جديد من الجامعات ومراكز البحوث “تحمل لوغو الشركات الأمريكية والصينية على حد سواء” بينما تبقى مدينتي “ترنتون” و”نيوجرسي” تعانيان من المصانع المغلقة وتزايد عصابات الشوارع.‏

هذا التحول المتسارع ترافق مع اثنتين من السياسات الفاشلة. الأولى هي ما يطلق عليه المؤلفان “الابتكارية التجارية”. الحكومة الصينية تجبر الشركات الأجنبية على تسليم رأس المال الفكري للشركات الصينية كشرط للحصول على حق الدخول إلى أهم أسواق العالم. هي أيضاً تحمي المبتكرين الناشئين من المنافسة الأجنبية بمزيج من الحماية الصريحة والحيل التنظيمية. الثانية هي أن السياسيين الأمريكيين عاجزون عن رؤية ما يحدث حولهم. أمريكا تسلك نفس طريق الانحدار والإنكار الذي سلكته بريطانيا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.‏

يذكر المؤلفان أنه بدلاً من السماح للناس بالانتقال إلى الفعاليات ذات القيمة المضافة العالية، قاد فقدان الوظائف في قطاع التصنيع إلى خسارة منظومة البيئة الابتكارية بالكامل. أمريكا لا تستطيع تجنّب الانهيار البريطاني إلا إذا تبنّت سياسات ابتكارية شاملة.‏

ربما هناك من يسجل بعض الاعتراضات حول هذا الكتاب. المؤلفان يتأثران بسهولة بسياسات الابتكار التي تبدو عظيمة. هما أيضاً يذهبان وبسرعة للافتراض بأن أنواع التصاميم التكنولوجية التي تنجح في دول صغيرة مثل سنغافورة والدانمارك تنجحان أيضاً في دولة ضخمة مثل الولايات المتحدة. برنامج لشبونة للاتحاد الأوربي الذي أعلن بأن أوروبا ستكون أعظم اقتصاد ابتكاري في عام 2010 لم ينتج أي شيء سوى السخرية في أوساط اللجنة التنفيذية العليا للحزب الشيوعي الصيني.‏

وبالنظر إلى كل حالات الفشل الأخير فإن اعتماد اللامركزية في الابتكار ضمن النظام الأمريكي سواء بين الولايات أو الجامعات أو مراكز البحث أو ضمن الشركات الممارسة لمختلف الأفكار، سيكون هو الأفضل من أي نظام مركزي تقوده واشنطن.‏

هناك من يؤكد على أن “اقتصاد الابتكار” هو كتاب ثمين. المؤلفان صائبان حين يحذران من الانحدار الذي تواجهه القيادة الأمريكية في عدة مجالات وبطريقة أسرع مما يتصوره الأمريكيون. يحق للكاتبين القول بأن الاقتصاديين الكلاسيك عادة لا يدركون حقيقة أن الابتكار هو نتاج لتفاعل المنظومة البيئية “ecosystems “ بدلاً من الشركات الفردية، وأن المنظومة الأيكولوجية هي هشة بطبيعتها. لا غرابة من أن يخشى الكاتبان من أن “الابتكارية التجارية” قد تكون أكثر ضرراً لأهدافها من التجارية التقليدية: أمريكا سوف لن تنال أبداً نفس الهيمنة التي امتلكتها في النصف الثاني من القرن العشرين. ولكن السياسة الحكيمة يمكنها أن تضمن لأمريكا الاستفادة من صعود ما تبقّى من دول العالم بدلاً من أن ترى شركاتها تصارع لأجل البقاء ومستويات المعيشة لديها في انحدار.‏

.....‏

كتاب “اقتصاد الابتكار: السباق على المزايا العالمية” صدر للكاتبين Stephen Ezell وRobert Atkinson عام 2012 عن مطبوعات جامعة يال في 440 صفحة.‏


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك