عاجل
المقالات

غموض ماليزي يستحضر برمودا والعوالم الموازية

لا شيء يحرّك الخيال مثل الغموض. لو أيقظت طبيباً نفسيّاً من نومه وقلت له أن هناك من يظن بأن الطائرة الماليزية التي سمع اخبارها قبل نومه، هبطت في مثلث برمودا، لأرجح أنه سيلفظ كلمتي "أثر رورشاخ"، ثم يغط في النوم مجدداً.

 غموض ماليزي يستحضر برمودا والعوالم الموازية
اضغط للتكبير
لا شيء يحرّك الخيال مثل الغموض. لو أيقظت طبيباً نفسيّاً من نومه وقلت له أن هناك من يظن بأن الطائرة الماليزية التي سمع اخبارها قبل نومه، هبطت في مثلث برمودا، لأرجح أنه سيلفظ كلمتي "أثر رورشاخ"، ثم يغط في النوم مجدداً. لا مهيّج للخيال أشد من الغموض. وأول نصيحة في فنّ الإغراء والإغواء هي الحفاظ على الغموض، كي تستمر الإثارة، كي لا يتوقف ضخّ الأدرينالين والعرق البارد، كي يستمر الخيال. "رورشاخ"؟ ببساطة، إنّه اختبار نفسي مبني على الغموض، كبناء الفعل المضارع على الضمّة. توضع نقطة حبر كبيرة في منتصف ورقة. ثم تتطوي. وتفرك. وتفتح طيّتها ثانية. يطلب ممن يعاينها أن ينظر، ويقول ما "يرى". لكنه لا يرى: ببساطة خياله هو الذي "يرى". لا نهاية لما يراه الخيال في "رورشاخ"، لأنه غامض، لأنه صنيعة انفلات الخيال ليملئ فراغ الوقائع باستحضار كل الخيالات والمكبوتات والمروثات والمشتهيات، كل ما يندرج في الـ"فانتازم"، كل الخيال.

"لا زالت هواتفهم ترن". كانت هذه الكلمات البسيطة كافية، عند بثّها على "تويتر" مع القول بأنها صادرة من أهل ركاب الطائرة المجهولة المصير، لإثارة عواصف لم تخمد من الخيال المنفلت. إنّه أمر شاركت فيه شعوب كثيرة. في الغرب، ظهر على "تويتر" من غرّد ليقول أن الطائرة ذهبت إلى أحد العوالم الموازية، في إشارة إلى اعتقاد البعض بوجود عوالم مشابهة لعالمنا، لكنها في أبعاد كونيّة مغايرة، هي نظرية غامضة وغير مؤيّدة علميّاً لحد الآن.

في العالم العربي، اندلع في المخيلات الصورة الأشد غموضاً لـ"مثلث برمودا". ليس مهمّاً أن هذا "المثلث" يفترض أنه يمتد في المياه بين أميركا وكوبا، هذا تفصيل لا يقف عنده خيال. ليس مهماً أنه، وبعيد انتهاء الحرب الباردة، اختفت قصص الاختفاءات الغامضة في "مثلث برمودا"، كأنها أصيبت بصاعقة ضخمة. غاب عن الأذهان أن طرفي الحرب الباردة أدرجا "مثلث برمودا" وقصصه، ضمن الحرب الباردة وصراعاتها، التي انتهت. صار "مثلث برمودا" نكتة. حتى هوليوود، مصنع الخيال الهائل الذي غذّا أساطير "برمودا" طويلاً، تراجعت إلى حدود الفكاهة في هذا الشأن. من يذكر أيضاً أن بريطانيا أغلقت مكتبها الرسمي عن "مشاهدات الأطباق الطائرة"، معلنة أن ما تراكم لديها لم يكن سوى "مشاهدات" متّصلة بتجارب لأسلحة سريّة، بل حدّدت أن الكمية الأكبر بين تلك "المشاهدات" كان على علاقة بطائرة "يو 59" الاستراتيجية منذ الحرب العالمية الثانية، و"القاذفة الشبح" قبيل نهاية الحرب الباردة. سارت أميركا على خطاها. إنها قاذفة حربيّة، لكنها "شبح" فلا يراها الرادار، وسريّة لا يُعلَن عن تجاربها. أعط البشر غموضاً، خذ ما يدهشك: خيال جامح بلا نهاية. سيول بلا حصر، عن كائنات فضاء، أطباق طائرة، مركبات أسطورية و...و... كل الحدود التي يجمح الخيال ويحطمها، كأنها رماد.

"لا بأس... تصبحون على خير" 

كل هذا لا يهم. اختفت طائرة "بوينغ 777" الماليزية في سماء صافية، على غرار اخفاء ساحر لحمامة في منديل حرير. كانت الرحلة "إم آتش 370" متّجهة من كوالالمبور إلى بكين. لم تكن هنالك عواصف ولا "منسون". لم تطلق نداء استغاثة. آخر جملة وصلت منها، وفق المعلومات المتوافرة لحد الآن هي عبارة: "لا بأس. تصبحون على خير". اختفت. لا أشلاء. لا حطام. تضارب في المعلومات. خاطفون وإرهابيون، ثم لا ليسوا مسؤولين. حدّد قمر اصطناعي صيني أشلاء من الطائرة، ثم لا ربما ليست من الطائرة. لا تزال هواتف الركاب ترن، ثم لا، هذا الأمر ليس دقيقاً. في غياب المعرفة، يسود الخيال، وتسدعي المخيلات أخيلة تستدرج أخيلة في سلاسل لا تنقطع. دخلت أميركا على الخط. رجّح خبراؤها أن الطائرة حلّقت لأربع ساعات قبل أن "تختفي". هل وصلت إلى مكان قريب من "بحر العرب"؟ هل حطّت في طرف قصي من سلسلة جزر المحيط الهندي، ربما عند جُزُر "آماندان"، بحسب آخر ما توافر من أخبار عند كتابة هذا المقال؟ يستند هذا الافتراض إلى شيء ما واقعي: استمر جهاز الاتصال المؤتمت في الاتصال بالأقمار الاصطناعية لساعات، بعد اختفائها عن ردارات الطيران المدني التي كانت تواكب رحلتها كالمعتاد. بديهي أن هذا الأمر أعاد احتمال الاختطاف، لكن الأمر يتعلّق بجزر صغيرة ربما يصعب تماماً أن تحطّ عليها طائرة ضخمة من نوع "بوينغ 777". إلى أن ينجلي الأمر، سوف لن يكف الخيال عن استيلاد حكايات وأساطير وجن وعفاريت ومردة وحوريات وكائنات فضاء و..."مثلث برمودا"! إلى حين ظهور حقائق رحلة "إم آتش 370"، يمكن القول ببساطة، "لا بأس. تصبحون على خير" أو ربما "تختفون" على خير!


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك