عاجل
المقالات

الموسيقى ليست سوداء ولا بيضاء... بل عابرة للأعراق والأقوام-

يدور سؤال على جواز تسمية «لا سيتيه دو لا موزيك» في باريس معرضها الأخير، «الموسيقى السوداء العظمى». وهذا المعرض هو ثمرة مبادرة مجلة «موندوميكس» الصادرة عن صحافيين مقربين من موسيقيين أفارقة وأميركيين وجنوب اميركيين.

 الموسيقى ليست سوداء ولا بيضاء... بل عابرة للأعراق والأقوام-
اضغط للتكبير
ا

يدور سؤال على جواز تسمية «لا سيتيه دو لا موزيك» في باريس معرضها الأخير، «الموسيقى السوداء العظمى». وهذا المعرض هو ثمرة مبادرة مجلة «موندوميكس» الصادرة عن صحافيين مقربين من موسيقيين أفارقة وأميركيين وجنوب اميركيين. وفي مجتمع هؤلاء الفنانين لا يطعن في مثل هذه التسمية ولا تُشجب وينظر إليها على أنها عنصرية. وفريق «موندوميكس» أراد الاحتفاء بالتنوع الموسيقي الذي ولد ابرز المغامرات الفنية في القرن العشرين. فناقـــش قضية هذه الموسيقى مع البرازيلي «كارلينوس براون» الذي رغب في إنشاء «مركز الموسيقى السوداء» في سلفادور دو باهيا. وعلى رغم أن معرض «لا سيتيه دو لا موزيك» ينظمه بيض في باريـــس، هـــو وثيــق الصلة بسياق تاريخي أوسع. فهذه المبادرة سبقها معرض نظم في داكار ثم في جزيرة ريونيون وفي جوهانسبورغ. وثمة فائدة ترتجى من الأســــئلة الشائكة التي تثيرها تسمية «الموسيقى السوداء». وترددت مؤسسة «لا سيتيه...» في استضافة المعرض. فدارسو الموسيقى الإثنية، والمختصون منهم في القارة الأفريقية، لا يصفون هذا الضرب من الموسيقى بالأسود. ولا يسعهم وهم ملمون بالتنوع الإثني في أفريقيا وسم موسيقى بمفهوم عرقي. ولكن هذه التسمية هي مرآة بنية العلاقات الاجتماعية في عالم اليوم.

وفي 2010، بحثت ندوة إمكان تسمية ضرب موسيقي بالأسود. فوصلتني رسائل من زملاء باحثين ينددون بموضوع الندوة ويتهمونني بالماهوية (ربط قدرات الشخص بجوهر أو ماهية)، وأخرى من أصدقاء يسخرون مني ويسألون عن سبب انشغال جامعيين بمفهوم (الموسيقى السوداء) «بدهي». واستندت الندوة إلى نص عالم الموسيقى البريطاني، فيليب تاغ، الذي دحض إمكان ربط الموسيقى بالعرق أو الثقافة. وتناول مقاربة رومانسية تعلي شأن الموسيقى السوداء، وحاديها إلى ذلك شعور بالذنب إزاء تاريخ الهيمنة الأيديولوجية والكولونيالية للبيض. وهذا النوع من إعلاء الشأن يفترض أن السود هم في «طبيعتهم» رائعون فينزلق إلى محاكاة الكليشيهيات العرقية التي تقول إن الموسيقى تجري في عروقهم. وأثبت تاغ تهافت مفهوم الموسيقى السوداء من «تكنو» ديترويت إلى الجاز وغيرهما من أنواع الموسيقى، وقدم بيّنات على أن سمات تقنية مثل «بلو نوت» (النوتة المنخفضة الوقع التي تميّز موسيقى البلوز) التي تنسب إلى موسيقى العرق الأسود ليست حكراً على السود. فهي على سبيل المثال منتشرة في موسيقى الجزر البريطانية الشعبية. والتأثير الأوروبي في القارة الأميركية لم يقتصر على نقل إرث باخ أو فيفالدي. فالمهاجرون الريفيون الإرلنديون حملوا معهم أغاني بذيئة الكلمات يعتبرها كثر أغاني «سوداء»، ولكنها موسيقى شعبية فحسب. ويرجح تاغ كفة الطبقة الاجتماعية التي تظهر فيها الأغاني والموسيقى على كفة العرق. وترجيحه هذا في محله ولا يطعن فيه في مجال الموسيقى وعلومها. ولكن موقفه هذا لا يسمح بفهم مكانة مفهوم الموسيقى السوداء في وسط الموسيقيين أنفسهم. ولذا، برزت الحاجة إلى تجاوز رؤيته، أي الطعن في «ماهوية» المفهوم هذا، وتناوله تناولاً بحثياً مختلفاً. وأنا كدارس للموسيقى الإثنية لا يسعني إعلان أن الموسيقى السوداء غير موجودة وإهمال خطاب أصحاب الموسيقى. فهم مستودع معارف موسيقاهم وإليهم تعود تسمية هذه الموسيقى. ولا شك في أن العرق هو خرافة وبنية وهمية، ولكنها بنية خلفت أثراً لا يستهان به في العالم المعاصر. والمقاربة العرقية في الموسيقى تخلّف أثراً طيباً في من يشار إليهم بالسود، فتسبغ عليهم هالة أو مكانة مرموقة. وفي المجتمعات التي هيمن عليها الاستعمار الفرنسي والإسباني والبرتغالي، تحمل الموسيقى بصمة أفريقية واضحة، على ما هي الحال في الموسيقى الكوبية والهايتية والسامبا. وفي الرومبا الكوبية، تستخدم أدوات موسيقية تتحدر مباشرة من إثنية البانتو. وهذا الجانب الأبرز والأكثر جاذبية في الطراز الموسيقي الكوبي: بنية العزف المركبة. وفكرة «الموسيقى السوداء العظمى» ولدت في وسط الشتات الأفرو - أميركي في شيكاغو. وفي القرن التاسع عشر، في مجتمعات جنوب الولايات المتحدة، كانت العلاقات بين السود والبيض أمتن من نظيرها في الشمال. ولكن رفع لواء إلغاء الرق والتمييز العنصري فاقم الهوة بينهما. وموسيقى الجاز ولدت من هذه الهوة في نيو أورليانز، أي من تربة مجتمع كولونيالي يميّز بين مستويات السواد (أوكتافون (ثِمن دم الشخص أسود)، وكوارتيرون (ربع دمه أسود، أي مولود من شخص مختلط الدم وأبيض)، وخلاسي وكريول). وإثر إلغاء الرق، لم تعد تقوم قائمة لسلّم التمييز هذا. وصار السود سوداً من غير مستويات في السواد. ووجد الكريول - وهم اعتقوا من قبضة الرق قبل مئة عام وكانوا يفاخرون بإلمامهم بالموسيقى الكلاسيكية وبسمّوهم عن «شؤون السود» - أنفسهم سوداً بين ليلة وضحاها، وخسروا مرتبتهم المختلفة. وشعروا بالعار، ولم يشاءوا خلطهم بأصحاب البشرة الداكنين. ولكن الفصل العنصري ألغى الحدود بينهم وبين السود، وجمعهم في خانة واحدة، فولدت موسيقى الجاز.

ويسلط المعرض الضوء على موسيقى الراب الفرنسية - وهي على خلاف الراب الأميركي الذي يغلب عليه السود - ضاربة الجذور في الجزائر والبرتغال. وهذه الموسيقى هي خير مثل على عدم ارتباط ضرب موسيقي بجوهر عرقي. فالناس من مشارب عرقية مختلفة قد يتبنّون موسيقى واحدة هي لسان حال الأقليات.

 

 

?* دارس أنتروبولوجيا، عن «ليبيراسيون» الفرنسية، 1-2/3/2014، إعداد منال نحاس


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك