عاجل
المقالات

القبلية الجديدة

لا شك أننا نشهد الآن ارتدادا إلى القبلية، وابتعادا عن الدولة القومية. بل إننا يمكن أن نشهد الأمر نفسه حتى فى أمريكا ــ وبوجه خاص، فى السياسة الأمريكية.

 القبلية الجديدة
اضغط للتكبير
ا شك أننا نشهد الآن ارتدادا إلى القبلية، وابتعادا عن الدولة القومية. بل إننا يمكن أن نشهد الأمر نفسه حتى فى أمريكا ــ وبوجه خاص، فى السياسة الأمريكية.
ومن المعروف أن معظم العالم كان يتكون من القبائل، قبل ظهور الدولة القومية، بين القرنين الثامن عشر والعشرين. وكانت القبائل موحدة من حيث اللغة والدين والدم والمعتقد. وكان يخشى بعضها البعض، وغالبا ما تشن حروبا ضد بعضها البعض. بينما كان الملوك والأباطرة يفرضون فترات هدنة مؤقتة، على الأكثر. ولكن فكرة الأمة تجذرت فى معظم دول العالم خلال القرون الثلاثة الماضية. وبدأ أفراد القبائل يتحولون إلى مواطنين، ويعتبرون أنفسهم شعبا واحدا يتميز بمشاعر وطنية وواجبات تجاه وطنه. وعلى الرغم من أن القومية لم تحل أبدا محل القبلية تماما فى بعض المناطق الاستعمارية السابقة، فقد اكتمل معظم الانتقال من القبيلة إلى الأمة بحلول منتصف القرن العشرين.
غير أن التكنولوجيا خلال العقود القليلة الماضية، تؤدى إلى تفكيك أسس الدولة القومية. وأصبحت الاقتصادات الوطنية متشابكة؛ بحيث يعتمد الأمن الاقتصادى على الجيوش الوطنية بدرجة أقل من اعتماده على التركيز على المعاملات المالية فى جميع أنحاء العالم. وتتلاعب الشركات العالمية بتأليب الدول ضد بعضها البعض للحصول على أفضل الصفقات بشأن الضرائب والقواعد المنظمة.
وتنتقل الأخبار والصور بسهولة عبر الحدود، لدرجة أن المواقف والتطلعات لم تعد قومية على نحو خاص. ولم تعد أسلحة الإنترنت، حكرا على الحكومات الوطنية، ويمكن أن تنشأ فى مرآب أحد قراصنة الشبكة العنكبوتية. كما تراجعت أهمية الدول فى عالم يسود الترابط بين كل أشخاصه وكل شئونه. وعادت الروابط ذات الأهمية الأكبر، لتصبح أكثر شخصية، مرة أخرى. كما صارت المعتقدات والانتماءات الدينية، والفروق الدقيقة فى لغة المرء وثقافته، والوقائع اليومية للطبقة الاجتماعية، وامتدادات عائلة الشخص وقيمها ــ تمد الناس بمشاعر الهوية أكثر من أى وقت مضى. وفى الوقت نفسه، تتمزق الدولة القومية. والآن، تستسلم أوروبا الموحدة ــ التى بدت فى متناول اليد قبل بضع سنوات ــ لقوى الطرد المركزى من اللغات المختلفة والثقافات. وسقط الاتحاد السوفييتى وحلت محله دول مقسمة على أسس قبلية. فلا يمكن لفلاديمير بوتين ضم كل أوكرانيا بسهولة ولكن الجزء الناطق بالروسية فقط. كما تم تقسيم البلقان.
واندلعت الحركات الانفصالية فى كل مكان ــ التشيك ينفصلون عن السلوفاك؛ والأكراد يريدون الانفصال عن العراق وسوريا، وتركيا، وحتى الاسكتلنديون يسعون للانفصال عن إنجلترا. ولا تنشأ الاضطرابات التى تعم الآن كثيرا من بلدان الشرق الأوسط عن الحركات الديمقراطية التى تسعى للإطاحة بالديكتاتوريات، بقدر ما تنشأ عن الصراعات القبلية القديمة بين الطائفتين الإسلاميتين الرئيسيتين ــ السنة والشيعة. ماذا عن أمريكا؟ تغير «بوتقة» العالم لونها. ففيما بين تعدادى عام 2000 و2010 انخفضت نسبة سكان الولايات المتحدة التى تسمى نفسها بيضاء من 69 فى المائة إلى 64 فى المائة، وجاء أكثر من نصف معدل النمو السكانى فى البلاد من ذوى الأصل اللاتينى. وصارت أمريكا مقسمة من حيث الطبقة الاقتصادية؛ فعلى نحو متزايد، يبدو أن الأغنياء يسكنون بلدا مختلفا عن البلد الذى يسكنه بقية السكان. ولكن النزعة القبلية الأمريكية الجديدة يمكن رؤيتها بأوضح صورة فى سياستها.
وفى الوقت الحاضر، يحمل أعضاء قبيلة (يطلقون على أنفسهم ليبراليين وتقدميين وديمقراطيين) وجهات نظر وقيم تختلف بشكل حاد عن أعضاء قبيلة أخرى (المحافظين، حفلات الشاى، والجمهوريين). ولدى كل قبيلة أفكار متناقضة حول الحقوق والحريات (بالنسبة لليبراليين: الحقوق الإنجابية وحقوق المساواة فى الزواج؛ وبالنسبة للمحافظين: حقك فى امتلاك السلاح وأن تفعل ما تريد بما تملك).
كما أن لدى كل منها طواطمها الخاصة (التأمينات الاجتماعية مقابل حكومة أصغر) والمحرمات (قطع الاستحقاقات أو زيادة الضرائب). ولكل منها شياطينها (حزب الشاى وتيد كروز؛ وقانون الرعاية بأسعار معقولة وباراك أوباما)؛ فضلا عن نسختها الخاصة من الحقيقة (تعتقد إحداها فى تغير المناخ والتطور، ولا تؤمن الأخرى بذلك)، ووسائل إعلامها الخاصة التى تؤكد بها معتقداتها. بل إن القبائل تبدو مختلفة الشكل. حيث تميل إحداها أكثر نحو السود والملونين وحقوق المرأة، وتميل الأخرى أكثر إلى البيض والذكور. (على سبيل المثال، كان اثنان فى المائة ممن صوتوا لميت رومنى من الأمريكيين الأفارقة). ويرأس كل قبيلة زعماء الحرب المتنافسين الذين كادوا يتسببون فى تعثر الحكومة القومية فى واشنطن. وعلى نحو متزايد، تعيش القبيلتان منفصلتين فى مناطق خاصة بهما ــ سواء كانت ولاية زرقاء أو حمراء، ساحلية أو فى مناطق الوسط، حضرية أو ريفية ــ حيث تعكس حكومات الولايات أو المناطق قيمهما المتناقضة.
وأنا لا أدعى وجود تكافؤ أخلاقى بينهما. وأعتقد شخصيا أن اليمين الجمهورى تجاوز الحدود، ووفقا لاستطلاعات الرأى يتفق معى غالبية الأمريكيين.
لكن الحقيقة أن القبيلتين تجذبان أمريكا كل فى ناحية وتضعان الأهداف القبلية فوق المصلحة الوطنية وهو ما لا يختلف عما يحدث فى بقية أنحاء العالم.


 
طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك