عاجل
المقالات

الحرب لا تختزل بهجمات سيبيرنيطيقية ولا توجِّه من بُعد

ليست المقالة هذه من قبيل الاستخفاف بعمل ملاّحي طائرات درون (توجَّه من بُعد من غير طيار). شاركنا، مع غيرنا، في عمليات بوادي هلمند، واعتمدنا على دعم هؤلاء الملاّحين، ولكن لم نتخيل يوماً أو نتوقع أن ترجح كفة أنظمة التوجيه من بُعْد، على كفة القوات البرية في ميدان المعركة وصفوفها الأمامية.

الحرب لا تختزل بهجمات سيبيرنيطيقية ولا توجِّه من بُعد
اضغط للتكبير

ليست المقالة هذه من قبيل الاستخفاف بعمل ملاّحي طائرات درون (توجَّه من بُعد من غير طيار). شاركنا، مع غيرنا، في عمليات بوادي هلمند، واعتمدنا على دعم هؤلاء الملاّحين، ولكن لم نتخيل يوماً أو نتوقع أن ترجح كفة أنظمة التوجيه من بُعْد، على كفة القوات البرية في ميدان المعركة وصفوفها الأمامية.

وحسبُنا أنّ مثل هذا التوجيه هو مصدر مسح جوي لا غنى عنه، ومساندة جوية للقوات المنتشرة على الأرض. لكن إجراءات البنتاغون المقترحة على مدى سنة ونصف سنة زرعت القلق في نفوسنا. ولا شك في أن القادة العسكريين يميلون أكثر فأكثر إلى تكنولوجيا الدرون الغامضة والسرية، ووقعوا في شِبَاك أَسْرها ففقدوا الصلة بوقائع ميدان المعركة المعاصر. ولا تخفى على القناصين والطيارين السابقين من أمثالنا، مترتبات قرار البنتاغون الاستغناء عن «آي-10»، وهي طائرة دعم من قرب مدججة بالسلاح يسميها الجنود «المسدس الطائر»، وهي بمثابة كتيبة استطلاع في ميدان المعركة تحلّق تحليقاً بطيئاً ومنخفضاً غير بعيد من البر، فيسع الطيارين إلقاء نظرة من كثب على ما تحتاجه القوات البرية. هؤلاء الطيارون هم امتداد للقوات المنتشرة في ميدان المعركة، وجسر تعاون قوي معها، ولا يسع ملاحي طائرات الدرون مضاهاتهم.

وتفوق كلفة أسطول «آي-10» كلفة برنامج درون. وفي مرحلة ضبط الإنفاق، قد يبدو قرار الاستغناء عن الأسطول هذا في محله، لتقليص الإنفاق، لكن هدف القرار لا يقتصر على شاغل الإنفاق وخفضه، ففي شباط (فبراير) 2013، أعلن البنتاغون جائزة جديدة - ميدالية التميز الحربي - مخصصة لملاّحي الدرون و «المقاتلين السيبيرنيطيقيين» تتصدر ميدالية القلب القرمزي والنجمة البرونزية في سلم الميداليات. بالتالي، يفوق تكريم ملاح درون لا يغادر مقعده في قاعدة نيفادا تكريم جندي في كتيبة رماة أصيب في القتال. ومثل هذا التكريم ضعيف الصلة بالواقع، على رغم أننا لا نستخف بعمل هؤلاء، ولكن لا يخفى أنه لا يقتضي شجاعة، فالمقاتلون في الصفوف الأمامية يواجهون خطراً فعلياً يقتضي جبهه شجاعة وإقداماً، وهؤلاء يغامرون بحياتهم بينما خسارة ملاّحي الدرون تقتصر على عطل قد يصيب أداة تكنولوجية يستخدمونها في عملهم. ووجّه الرأي العام والكونغرس سهام النقد إلى القرار هذا، فاضطر البنتاغون إلى التراجع وإلغاء الجائزة التكريمية.

لكن الاستغناء عن «آي-10» ومشروع الجائزة، يسلطان الضوء على نظرة قادة البنتاغون إلى أطول الحروب في التاريخ الأميركي. وليس المدنيون منهم والعسكريون، على حد سواء، أصحاب بصيرة ثابتة، فهم يرون الحرب من عدسة كاميرا الدرون الضيقة. والنازع هذا يخلف أثراً كبيراً في صفوف القتال الأمامية. ولو سبق لمسؤولي مشروع الجائزة أن اختبروا ما يتعرض له قناص في مخبأه أو طيار في قمرة قيادة «آي-10»، لما أسبغوا على جائزة ملاّحي نينتاندو (لعبة إلكترونية) هالة أسمى من جائزة الجنود. ولا يبالي الرأي العام الأميركي بتقويم كلفة الحرب الفعلية، ويعتبر أنه غير مسؤول عن قرار إرسال 3 ملايين مواطن إلى القتال.

وتدق إحالة «آي-10» على التقاعد وميدالية طياري الدرون ناقوس الخطر، ويغفل الأميركيون الغارقون في عالم الألعاب التكنولوجية المتطورة، أن آلافاً من مواطنيهم يشاركون في معارك برية وجوية ويغامرون بحياتهم من أجل حماية المصالح الأميركية. والخلط بين البراعة (ملاّحي الدرون) والبسالة يقوض مكانة الشجاعة. وما لم تقدَّر كلفة الحرب حق مقدارها، سيكلَّف أبناؤنا وبناتنا خوض معارك من غير تقويم تداعيات قرار إرسالهم إلى الحرب. وعلى وقع حوادث أوروبا الشرقية الأخيرة، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في المسلّمات العسكرية وديبلوماسية ما بعد الحرب الباردة. وعاجلاً أم آجلاً، سنضطر إلى قبول الواقع: الفوز في النزاعات ليس رهن تحريك مقبض توجيه طائرة من بُعْد فحسب. الحرب كريهة، لكن السعي إلى تخفيف وقع فظاعاتها عبر قصرها على الآلات فحسب، يعمّق الشرخ بين الأميركيين وبين الجنود والجنديات المقاتلين دفاعاً عنهم وفي سبيلهم.

 

 

?* قائد سابق لفرقة قنّاصة في قوات «المارينز»، وطيار سابق وقائد عمليات خدما في أفغانستان، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 20/5/2014، إعداد م. ن.


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك