عاجل
المقالات

الحق في النسيان!

ليس النسيان مجرد نعمة، بل هو العملية التي تؤدي إلى تشكلنا كآدميين، كما يقول أستاذ "حاكمية الإنترنت" في معهد أوكسفورد للإنترنت، فيكتور ماير-شونبيرغر. إذ بفضل نسيان أخطاء الماضي، يكون ممكناً لنا كبشر التفكير واتخاذ قرارات بشأن الحاضر والمستقبل.

 الحق في النسيان!
اضغط للتكبير

ليس النسيان مجرد نعمة، بل هو العملية التي تؤدي إلى تشكلنا كآدميين، كما يقول أستاذ "حاكمية الإنترنت" في معهد أوكسفورد للإنترنت، فيكتور ماير-شونبيرغر. إذ بفضل نسيان أخطاء الماضي، يكون ممكناً لنا كبشر التفكير واتخاذ قرارات بشأن الحاضر والمستقبل.
لكن في زمن الإنترنت التي توثق للأبد كل ما أضيف لها وبشكل تفصيلي، خصوصاً عبر تسجيلات الفيديو مثلاً؛ تبدو عملية النسيان، الإنسانية في منشئها وغايتها، عرضة للخطر المفضي إلى زوالها. وهو ما يعني، تالياً، تهديدنا بالبقاء أسرى الماضي، بأخطائه وخسائره، فلا نستطيع الانعتاق منه نحو الحاضر، ناهيك عن المستقبل.
ولأن النسيان هنا يعني أن ننسى نحن أخطاءنا، تماماً كما أن ينساها -أو حتى ينسانا ككل- الآخرون، فيتجلى تهديد "التوثيق الرقمي" عبر الإنترنت في مطاردته الشخص على امتداد الأرض، وإلى ما بعد الأرض، كما يطارد أبناءه وأبناءهم لأجيال في بعض المجتمعات.
هكذا ولأجل جوهرنا الإنساني، يدافع ماير-شونبيرغر عما يسميه "الحق في أن نُنسى"؛ والذي يقوم على تحديد ما يشبه "تاريخ الصلاحية" للمحتوى الإلكتروني، الشخصي خصوصاً، يصار بعدها إلى إلغائه، على نحو ما يتم بإتلاف المنتجات الغذائية عقب مدة محددة من إنتاجها خشية مخاطرها المحتملة. ويشير ماير-شونبيرغر إلى أن تحويل هذا الحق إلى قانون فيدرالي يحظى بدعم غير مسبوق في التاريخ الأميركي، بتأييد 84 % ممن تتراوح أعمارهم بين 18-24 سنة (وهم المولودون في العصر الرقمي)، كما تأييد 90 % ممن تزيد أعمارهم على 60 سنة، وفقاً لاستطلاع بهذا الشأن أجرته جامعة بيركلي الأميركية قبل سنتين.
حتماً يتشارك العرب بقية البشر في الحاجة إلى النسيان، ولربما يكونون أكثر حاجة إلى هذا الحق بالنظر إلى كثرة المحظورات "التابوهات"، السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية، في مجتمعات صغيرة نسبياً، يكاد كل شخص يعرف الآخر بشكل مباشر، أو غير مباشر وبدون كثير عناء، وحيث تُحمّل الأسرة بكاملها جريرة ما ارتكبه أحد أفرادها.
لكن إذا كان النسيان، من تلك الزاوية هو "حق فردي" للإنسان العربي كما الغربي، فإنه قد يكون ضرورة ملحة، بل ولا بديل عنه، الإقرار بهذا الحق باعتباره "حقاً جماعياً" للجماعات والطوائف والمجتمعات ككل. يبدو ذلك خصوصاً في فترة ما بعد الثورات العربية، ولاسيما في الدول التي أحالت الدكتاتوريات فيها هذه الثورات إلى حروب أهلية، أدت بدورها إلى استعادة كل فظاعات الماضي؛ لا التي ارتكبها المستبدون فحسب، أثناء الثورة وقبلها بالتأكيد، بل وأيضا تلك التي ارتكبها الجميع ربما وبحق الجميع، في فترات أسبق. فبهذه الاستعادة يبدو ممكناً مواصلة دوامة حروب انتقام أهلية لا تنتهي، تغذيها ضمن عوامل أخرى، مواد فيلمية وسواها متاحة على الإنترنت، وقابلة للاستخدام لا للاتعاظ من الماضي، وإنما للتعبئة المتبادلة ومواصلة الانتحار الجماعي.
الواقع أن أحد أسباب عدم إزهار الربيع حتى في الدول التي عرفت ثورات هادئة لم تكد تسيل فيها دماء، كمصر مثلاً، هو الفشل في الانعتاق من الماضي وإرثه، والذي أحال رفاق الثورة أمس إلى خصوم وأعداء اليوم؛ فكيف إن كان بالإمكان استعراض المذابح التي ارتكبت بين يفترض أنهم إخوة المواطنة!
حق لنا وواجب علينا أن ننسى، حتى نضمن حقوق أجيال مقبلة في أوطان عربية حقيقية يعرفون فيها إنسانيتهم ويعايشونها فعلاً.


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك