عاجل
الأخبار

المخدرات الرقمية... الإدمان في ثوبه الجديد

لم يعُد الإدمان مقتصراً على المخدرات التقليدية، لكن رياح التغيير التي تجتاح كل شيء في عالم اليوم أطلقت صرعة حديثة في عالم المخدرات تصل أقصى العالم في لحظة واحدة دون أن توقفها الحدود.

المخدرات الرقمية... الإدمان في ثوبه الجديد
اضغط للتكبير

لم يعُد الإدمان مقتصراً على المخدرات التقليدية، لكن رياح التغيير التي تجتاح كل شيء في عالم اليوم أطلقت صرعة حديثة في عالم المخدرات تصل أقصى العالم في لحظة واحدة دون أن توقفها الحدود.

فمع انتشار استخدام الإنترنت التي تُعدّ من المستجدات التي شهدها العالم العربي والإسلامي في السنوات الأخيرة، فأصبح كل بيت تقريباً متصلاً بهذه الخدمة التي توصف بأنها سلاح ذو حدين، فهي مفيدة في الاتصال والتعلم، وفي ذات الوقت ذاته تحمل خطراً كبيراً على صحة وعقول الشباب ومستقبلهم إن استخدمت دون وعي.

فقد انتشر نوع غريب من الإدمان يتمثل فى برنامج على الانترنت يستخدمه الشباب لتحميل أنواع من الموسيقي الصاخبة يحدث تأثيراً على الحالة المزاجية يحاكي تأثير الماريجوانا والحشيش والكوكايين وأنواع أخرى من المخدرات، ويسمى "IDOSER" أو مايعرف بالمخدرات الموسيقية.

وتقوم فكرة "المخدرات الموسيقية" على أن يبدأ المُدمن باختيار جرعة موسيقية بحسب صنف المخدّر "الرقمي" المطلوب من بين عدة جرعات متاحة وتحميلها على جهاز مشغل الصوت ثم الاستلقاء على وسادة، والاسترخاء في غرفة ذات ضوء خافت مع ارتداء ملابس فضفاضة وتغطية العينين، وإغلاق جرس الهاتف للتركيز على المقطوعة دون مقاطعة، وتتراوح مدة الجرعة ما بين 15 و30 دقيقة للمخدرات المعتدلة أو45 دقيقة للمخدرات شديدة التأثير.
وتعرف هذه التقنية بـ"الهولو تروبيك" وهو نوع من الموسيقى العلاجية التي تسمح للمستمع بعد فترة بسيطة بالدخول إلى مرحلة تعرف بـ "ما قبل الوعي"، وهي مرحلة وسطى تقع ما بين الوعي واللاوعي، وفيها يسترجع الشخص الأحداث السعيدة والذكريات غير المؤلمة في محاولة للإيحاء بالسعادة والنشوة.

وتشرح "بريجيت فورجو" -الخبيرة الأميركية في التأثيرات العصبية والنفسية- هذه الآليات، فتقول: "تعتمد المواد الرقمية على تقنية النقر في الأذنين، فتبث صوتين متشابهين في كل أذن لكن تردد كل منهما مختلف عن الآخر، الأمر الذي يؤدي الى حثّ الدماغ على توليد موجات بطيئة كموجات (ألفا) المرتبطة بحالة الاسترخاء، وسريعة كموجات (بيتا) المرتبطة بحالات اليقظة والتركيز"، موضحة أن المتلقي يشعر بحالة من اللاوعي مصحوبة بالهلوسات وفقدان التوازن الجسدي والنفسي والعقلي.

أضرار مخيفة

وعن الأضرار التي تُسبّبها هذه الموسيقى تقول "بريجيت فورجو" إن الاستخدام المفرط للأصوات المحفزة يمكن أن يؤدي على المدى الطويل إلى اضطرابات في النوم أو القلق، تماماً كاستخدام المنشطات التي تستعمل في بعض الحالات المرضية كعلاج نفسي.

ويصف راجي العمدة -مستشار اللجنة الطبية في الأمم المتحدة، وطبيب الأعصاب- جلسة الإدمان الرقمي هذه بـ"لحظة شرود"، ويضيف: "هذه الموسيقى تُحدث تأثيراً سيئاً في المتعاطي، على مستوى كهرباء المخ، كونها لا تُشعر المتلقي بالابتهاج فحسب، وإنما تسبب له ما يعرف بلحظة الشرود الذهني، ويؤدي تكرار الاستماع إليها بنفس القدر من الصخب إلى نتائج مدمرة للخلايا المخية ينجم عنها نوبات تشنج متكررة سواء أثناء الاستماع إليها أو بعدها".

ويشير إلى أن هذه اللحظة تُعدّ من أخطر اللحظات التي يصل إليها الدماغ؛ إذ تحدث انفصالاً عن الواقع، ويقلّ فيها التركيز بشدة، كما أن التعرض لهذا التغيير في اختلاف موجة الكهرباء في الدماغ وتكراره لا يؤديان إلى لحظات الشرود فقط، بل إلى نوبات تشنج.

وتذهب آراء أخرى إلى أبعد من ذلك حين تشير إلى أن سبب نوبات التشنج هو وجود بؤر صرعية غير مكتشفة عند هؤلاء الأشخاص تتفاعل مع الأصوات العالية.

ويعبّر الدكتور فايز الشهري -مساعد أمين عام اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات في السعودية - عن قلق اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات من انتشار المخدرات الرقمية، ويقول: "نشعر بالقلق حينما تروج مثل هذه المخدرات للمستهلك العادي وهي غير ذات صلة بالمخدرات والإدمان بشكل عام، وتقلّل من الصورة المخيفة لمواد الإدمان ونتائجها على الصحة بأكملها".

من جانبه قال الدكتور أشرف صبري -استشاري الطب النفسي وخبير التنمية البشرية- إن هذا النوع من الموسيقى يعتمد على نوع جديد من الأبحاث المتعلقة بالعقل الأيمن والعقل الأيسر، فالعقل الأيمن هو الذي يعتمد على الهدوء والخيال والابتكار، وهي ظاهرة فسيولوجية يحاول صنّاع هذه الموسيقى أن يطبّقوها عن طريق استخدام أصوات بدرجة معينة تختلف من الأذن اليمني إلى الأذن اليسرى، فيسمع المتلقي في الأذن اليمني شيئاً مختلفاً بدرجات مختلفة وبشدة مختلفة عن الأذن اليسرى باستثارة العقل الأيمن بشكل يختلف عن استثارة العقل الأيسر، وهنا يمكن أن يسحب الإنسان من الواقع ويدخله في نوع من الاستجمام أو نوع من النشوة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يختلف من شخص لآخر لأن الأمر نسبي.

وأكد أنه لا يمكن الجزم بأن هذه الموسيقى لها تأثير المخدر، لأن هناك جامعة أمريكية قامت بالتجربة على 9 أشخاص 4 منهم لم يحدث لهم شيء، وهذا لا يكفي للحكم على هذه الظاهرة، وهو ما زال تحت الدراسة، مضيفاً أن هناك 15 جامعة تجري أبحاثاً الآن على هذه النوعية.

وأوضح أن هناك شقاً إيحائياً عند الناس يصل من 25% إلى 40% لما يسمعونه أو يشاهدونه، فهناك الكثيرون ممن يتحمسون لكل جديد ويتقمصون الأمر وتحدث لهم هذه الأعراض بالإيحاء.

وأضاف: أي شيء يعتاد عليه الإنسان يمكن أن يتحول لإدمان، ولكن يختلف الأمر من شخصية لأخرى ولا نستطيع التعميم دائماً.

ترويج للمخدرات الحقيقية

 وتوضّح "ناتالي ديكير" -المتحدثة باسم مؤسسة تريمبوس لمعالجة الإدمان- أن هذه الموسيقى في رأيها لن تدفع للانتقال بسرعة إلى تعاطي المخدرات، فهناك مراحل مختلفة جدا لحصول هذا الأمر، مضيفة: الأمر الوحيد الذي يمكن أن تلوم عليه موقع مثل "آي-دوسر"  هو أنهم يتعاملون مع الأمر وكأن المخدرات أمر إيجابي، ويحاولون تقليد تأثير هذه المخدرات، حيث يركزون على أن المخدرات أمر مثير ومشوّق، وأعتقد أن هذا يثير اهتمام الشباب.

ولا تريد ديكير أن تسمي المخدرات الإلكترونية بالخطرة ولكن المؤسف بالنسبة لها أن يتم التعامل مع المخدرات وكأنها شيء إيجابي.

وهذا ما يؤيده الدكتور فايز الشهري -مساعد أمين عام اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات- إذ يرى أن المشكلة في المخدرات الرقمية أنها تقلل دوافع الرفض للمخدرات، مما يجعل المتعاطي أكثر قابلية من غيره لتعاطي المخدرات الحقيقية في حال عرضت عليه، فهي تجعل المتعاطي - وغالباً ما يكون المراهق هو المستهدف- في حالة إيحاء بتعاطي نوع من أنواع المخدرات.

وقال إن الدراسات والتقارير العالمية لم تستطع أن تدرج هذا النوع ضمن المخدرات، ولكنها بينت خطورتها من حيث ترويجها للمخدرات، وتُدخل الشخص المدمن لهذا النوع من الموسيقى في حالة نفسية ومزاجية أقرب إلى شخصية المتعاطي.

وأضاف أن مجانية هذه الخدمات الإلكترونية وعدم وقوعها تحت طائلة القانون، تشكل خطراً على جماعات المراهقين؛ مما يسهل التواصل العالمي فيما بينهم لتبادل المخدرات وطرق ترويجها ومواقع الحصول عليها، مشيراً إلى أن بعض هذه المواقع تستغل قواعد بيانات التي تحصل عليها من الزوار لترويج المخدرات الحقيقية!

ومع أن خطر المخدرات التقليدية يمكن السيطرة عليه بشكل فعلي؛ إما بالمصادرة أو التجريم والعقوبة، أوالعلاج لضحايا الإدمان وتأهيلهم، إلاّ أن خطورة "المخدرات الرقمية" أشد من غيرها، فهي الأقل تكلفة، ولا تحتاج سوى ضغطة زر في الحاسوب ليصل إلى أي نوع من هذه المخدرات دون أثر جسدي، حيث لا تُستهلك بالحقن أو شمها أو تدخينها، وإنما عبر تقنيات إلكترونية تحدث في الدماغ أثراً مشابهاً لأثر المخدرات، من خلال موسيقى إلكترونية ذات أصوات عالية، وإيحاءات وهمية تمر عبر سماعتين لتحدث نشوة واسترخاء، محدثة تأثيراً يحاكي النوع المطلوب حسب رغبة المتعاطي.

وتعطي هذه الآراء مؤشرات قوية على خطورة الظاهرة التي بدات بالانتشار في عالمنا الاسلامي والعربي خاصة في فئة الشباب، وتنبّه العديد من الجمعيات إلى ضرورة اتخاذ تدابير كافية لحمايتهم مما يسيء ويضر لدينهم وأخلاقهم، والسعي لتمكينهم من الاستفادة من التقنية المتطورة بعيداً عن الآثار الضارة التي تنجم عن سوء استخدامها.

التعامل مع الخطر القادم

إذا ما ثبت أن للمخدرات الرقمية أضراراً جانبية قد تؤدي إلى الإدمان فإنها تكون في غاية الخطورة، لأنها تستهدف جذور المجتمع الذين هم النشء والشباب، ومن هنا تأتي أهمية الدراسة الجدية المستفيضة والمتخصصة في محاربة الظاهرة في مهدها، خاصة مع استشراف الخطر القادم.

وفي هذا السياق ذكر بيان صادر عن مكتب مكافحة المخدرات الأميركي أن "خطورة هذا النوع الجديد من المخدرات، تكمن في صعوبة ضبطها، كما أنها قد تقود المدمن إلى أماكن أخرى لا نستطيع التكهن بها، لأن كل شيء يجري في عالم افتراضي".

وقد اتخذت مدارس أميركية كثيرة تدابير وقائية خوفاً من انتشار المخدرات الرقمية في أوساط الطلاب كمنع استخدام بعض الأجهزة الإلكترونية وإعلام الأهل بمراقبة أبنائهم على الإنترنت.

من جهة أخرى تنظر اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات في السعودية لمثل هذه الظاهرة ضمن ثقافة تشجيعية لتعاطي المخدرات، ونشر ثقافة التعاطي بشكل عام.

ويحث المختصون على تحديد دورالأُسرة في وقاية أبنائها من التعامل مع المشكلة، حيث إن الوقاية دائماً خير من العلاج، وذلك يتطلب الحذر من ترك الأطفال وحدهم أمام الإنترنت فقد يطلعون على أفكار مدمرة أوعلى مواد إباحية تفتك بشخصيتهم ومستقبلهم.

كما يجب تجنب السماح للأطفال بإمضاء أوقات طويلة أمام الإنترنت، مما يضعف ارتباطهم الاجتماعي، ويشجعهم على اكتشاف مواقع تضر بهم، مع الحرص على الحديث معهم بصراحة عن كل المخاطر، و أن يشعروا بأن الله يراقبهم و مطّلع على كل ما يقومون به، وتنمية روح المسؤولية فيهم.

وينصح الآباء بوضع برنامج زمني للأطفال مثل ساعة كل يومين أو ساعتين في عطلة الأسبوع، مع مشاركتهم في إنجاز البحوث التي يقومون بها.

وفي جانب الدور الذي يجب أن تقوم به الدول العربية والإسلامية لحماية أبنائها من هذه المخاطر يناشد الخبراء المسؤولين في تلك الدول أن يبذلوا كل جهد ممكن في حجب المواقع والمواد التي تدعو إلى الانحراف ، إذ هذه الخطوة التي لا تكلف الدولة سوى تقنيات يسيرة ستعود بفوائد كبرى في حماية مجتمعاتنا وقيمنا وأخلاقنا.


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك