المقالات
قصف العقول
ليس ظهور المغنية إليسا أو الوزير اللبناني السابق فيصل كرامي عبر مواقع التواصل الاجتماعي في صور تحد بالغة الدلالة لـ?«حملة» وزير الصحة اللبناني
فجر يعقوب
الأحد,16 نوفمبر 2014 - 11:19 ص
مشاهدات: 191
ليس ظهور المغنية إليسا أو الوزير اللبناني السابق فيصل كرامي عبر مواقع التواصل الاجتماعي في صور تحد بالغة الدلالة لـ «حملة» وزير الصحة اللبناني وائل أبو فاعور على المطاعم ومحلات الأغذية المنتشرة على الأراضي اللبنانية إلا نوع من قرع الجرس في اتجاه مضاد للحملة الشعواء.
قد يمكن قراءة ظهور إليسا وهي تتناول برغر اللحم والبطاطا المقلية التي تخص أحد هذه المطاعم الموضوعة على قائمة الفضيحة تحت عناوين كثيرة ليس هنا مجال التعاطي معها. كذلك هذا ينطبق على الوزير السابق الذي يتناول الكنافة بالقشطة الشهيرة التي تقوم عليها «إحدى أعرق المؤسسات الغذائية اللبنانية» كما قال كرامي في معرض تعليقه على الصورة الصباحية. ربما يمتد الأمر إلى شخصيات عامة أخرى لها حضورها الطاغي في الساحتين الفنية والإعلامية في محاولات تحد صارخة، وقد يحدث العكس، كأن يجد وزير الصحة من يعاضده من هذه الشخصيات في حملته المستمرة على الأغذية الفاسدة، فنحن أمام متوالية قد لا تنتهي في الأيام القليلة المقبلة.
يمكن استشفاف الخطر الحقيقي من مواطن مجهول الاسم ظهر مصادفة على شاشة فضائية «الجديد» حين كانت مراسلتها نوال بري تقف أمام أحد أشهر محلات بيع الدجاج في جونية، وهو نال قسطاً وافراً من التشهير به، وكان قد تسوق للتو من المحل المذكور. أوضح الرجل أنه يعرف تماماً بحملة وزير الصحة، لكنه قال إن ليس أمامه هو أو أولاده إلا تناول هذا الطعام حتى لو كان فاسداً، فليس أمامهم خيارات أخرى، وليس بأيديهم حيلة. قال إنهم تعودوا حملات من هذا النوع على محطات التلفزة، ولكن لا شيء يتغير إذ سرعان ما تهدأ هذه وينساها اللبنانيون، ويواصلون حياتهم، وكأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق. الرجل يعرف أنه يتسوق أغذية فاسدة ولا يفكر بالإقلاع عن تناولها، أقله، حتى تتم محاسبة هذه المحلات المسؤولة عن تخزينها وبيعها للمستهلك من دون الأخذ في الاعتبار مقاييس السلامة التي تفترضها عمليات البيع والشراء كما هو معمول به في كل دول العالم.
لن يكون سيئاً أمام هذا الواقع المرير المحبط أن تقوم جهات مختصة بدراسة الواقع الإعلاني التلفزيوني الاستهلاكي الذي تقوم عليه شركات بيع اللحوم والأغذية ومعرفة حصة كل مواطن لبناني منها، طالما أنه لا يتوقف عن مشاهدتها محشورة بين البرامج والمسلسلات والندوات والأغاني الخ. بعد تقديم هذه الدراسات المعمقة عن عالم الإعلانات المعقد وسهولة تواطئه مع المعلنين يمكن فهم الآلية التي دفعت هذا المواطن إلى الاستسلام أمام سطوة اللحم الفاسد، إذ يبدو واضحاً أن الإعلان التلفزيوني يقوم أولاً على «قصف العقول» قبل أن يبدأ «غيره» بقصف الذائقة والحس السليم لدى البشر. في معظم الدول المتقدمة هناك دراسات لمعرفة حصة كل مواطن فيها عن عدد الإعلانات الموجهة إليه. هنري ميلر كان يقول إن كل مواطن أميركي مكلف في الواقع بمشاهدة 13 ألف إعلان سنوياً وحده. ليس سهلاً بعد ذلك معرفة ما يحدث في محلات الأغذية حتى في تلك الدول التي تخضع لرقابة صارمة في الاتجاهين: المستهلك والمعلن على حد سواء.