المقالات
المجتمعات الافتراضية.. تداعيات سلبية على الحالة النفسية
لطالما وُصف الإنسان بأنه كائن اجتماعي، كونه يحيا في مجتمع مكون من أفراد جنسه، يتواصل ويتعاون معهم، بغرض الاستمرار في البقاء
د. اكمل عبد الحكيم
الخميس,16 أكتوبر 2014 - 07:27 ص
مشاهدات: 222
|
لطالما وُصف الإنسان بأنه كائن اجتماعي، كونه يحيا في مجتمع مكون من أفراد جنسه، يتواصل ويتعاون معهم، بغرض الاستمرار في البقاء، وفي تحقيق احتياجاته البيولوجية، وتلبية متطلباته النفسية. ولكن رغم وجود اتفاق عام على هذا الوصف، إلا أنه لا يوجد تعريف محدد لمعنى السلوك الاجتماعي، أو للحياة الاجتماعية، حيث كثيراً ما تستخدم هذه التعبيرات بمعانٍ فضفاضة، تجعل منها في أحسن الحالات مفاهيم مبهمة، تشير إلى أشياء قد تكون مختلفة أو حتى متناقضة.
ويعتبر المجتمع، نتاجاً لهذه الطبيعة الاجتماعية، وللسلوك الاجتماعي لأفراد الجنس البشري، وإنْ كان شكل ومحددات هذا التركيب الإنساني قد شهدت تطورات عدة مؤخراً. فبداية كان ينظر للمجتمع على أنه مجموعة من الأفراد يشغلون حيزاً جغرافياً معيناً، في شكل قبيلة، أو قرية، أو مدينة، أو أمة بأكملها. إلا أنه مع تطور وسائل الاتصال منذ القرن الثامن عشر، أصبح تعبير المجتمع يطلق أيضاً على مجموعات الأفراد التي تتشارك في الاهتمام، أو في نمط الحياة، مثل المجتمع العلمي، أو مجتمع بحارة السفن التي تشق عباب البحار والمحيطات، أو حتى مجتمع الطوائف الدينية، والأقليات العرقية، دون أن يشترط وجودهم في المكان نفسه جغرافياً. ومؤخراً، ومع بزوغ فجر ثورة المعلومات، وبالتحديد الشبكة العنكبوتية، وظهور شبكات التواصل الاجتماعي (Social Media)، ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، مثل «فيسبوك»، و«تويتر»، وحتى «يوتيوب»، أخذ مفهوم المجتمع شكلاً مختلفاً، لا يلتزم بالمحددات والمعايير التقليدية، في ما أصبح يعرف بالمجتمعات الافتراضية.
ومثله مثل الشكل التقليدي للمجتمع، تركت هذه الأشكال الحديثة للتواصل الاجتماعي أثرها على العديد من جوانب الحياة الفردية، مثل الاتجاهات السياسية، والفكر الديني، وأشكال وأساليب الترفيه، ونوعية ومدى الثقافة، وغيرهم. ولم يسلم الجانب الصحي، بجزئيه، البدني، والنفسي، من تأثيرات وتبعات شبكات التواصل الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، أصبحت هذه الشبكات تستخدم لخلق مجتمعات افتراضية للمصابين بأمراض مزمنة معينة، لتبادل المعلومات، والآراء، والخبرات الشخصية في التعامل مع مرضهم، ضمن ما يعرف بمجموعات الدعم (Support Groups)، أو جمعيات أصدقاء المرضى. كما أن الإفراط في استخدام هذه الشبكات الذي قد يصل بالبعض إلى ساعات عدة يومياً، يقلل من مقدار حجم النشاط البدني لهم، ويعرضهم لزيادة الوزن، والسمنة، وما ينتج عنهما من أمراض وعلل متنوعة.
وإنْ كان في رأي البعض، تتخطى تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية، آثارها تلك على الصحة البدنية، خصوصاً على المراهقين، حيث أظهرت الدراسات أن المراهقين الذين يستخدمون هذه الشبكات، ربما تتأثر صحتهم العقلية. فعلى سبيل المثال، نجد أن من يفرط منهم في استخدام «فيسبوك»، يمكن أن يصبح «لا اجتماعي» (antisocial)، أوعدواني، أو أن يصاب بالنرجسية -حب النفس- وهو اضطراب في الشخصية يتميز بالغرور، والتعالي، والشعور بالأهمية، نسبة إلى أسطورة يونانية، ورد فيها أن «نركسوس» كان آية في الجمال، لدرجة أنه عشق نفسه حتى الموت عندما رأى وجهه في الماء.
ومن المؤكد أن شبكات «التواصل» تلك، قد قللت من الوقت المخصص للتواصل الاجتماعي، ومن فرصه، بشكله التقليدي الطبيعي، فمنذ إطلاق «فيسبوك» عام 2004، أصبح هذا الموقع مصدر إلهاء وتسلية، ومضيعة للوقت للكثيرين. حيث تظهر الإحصائيات أن الأميركيين يقضون وقتاً على «فيسبوك»، أكثر مما يقضونه على أية موقع آخر، وبمتوسط 17 دقيقة في اليوم الواحد للمستخدم العادي، ولمدة ساعات في الكثير من الأحيان، في حالة شبيهة بالإدمان. وإن كان أخطر تأثير لشبكات التواصل الاجتماعي تلك، يتجسد في علاقتها بأفكار ومحاولات الانتحار. ففي عام 2008، حذرت الشرطة البريطانية من أن الطوائف أو المذاهب المنحرفة على الإنترنت (Internet Cults)، بالإضافة إلى الرغبة في الحصول على التقدير والمجد، قد يشجعان البعض على الانتحار. وهي المخاوف نفسها التي عبر عنها مطران الكنيسة الإنجليزية، خصوصاً في ما يخص العلاقات المؤقتة التي قد ينخرط فيها البعض، لتنهار لاحقاً، وتتركهم في حالة من اليأس والاكتئاب.
ومؤخراً، تعاظم الإدراك بخطورة التنمر الإلكتروني (Cyber bullying)، أو المضايقات المستمرة، والاعتداءات اللفظية على مواقع التواصل الاجتماعي، في دفع بعض المراهقين إلى حافة اليأس، وقتل نفسهم، مثلها في ذلك مثل التنمر والمضايقات التي تحدث في ساحات المدارس والفصول. وبالفعل سجلت حالات انتحار عدة في العالم الغربي بين المراهقين، كان سببها الرئيسي والوحيد، هو تعرض الضحية لسيل من التنمر الإلكتروني من زملاء الصف. وأخيراً، ومن الجانب الصحي أيضاً، أدى إفصاح بعض المشاركين في تلك الشبكات، عن إصابتهم بأمراض معينة، لم يعلنوا عنها عند شرائهم لوثائق التأمين الصحي، إلى قيام شركات التأمين بإلغاء وثائقهم، ومطالبتهم برد نفقات علاجهم. كل هذا يقع ضمن اتجاه متزايد، خصوصاً في العالم الغربي، لاستغلال صفحات المستخدمين على شبكات التواصل الاجتماعي، لغرض التدقيق الأمني، أو لسبر أغوار حالتهم المالية، أو بيان ملاءمتهم للوظيفة المتقدمين لها، أو حتى عن التقدم للخطبة والزواج، كبديل عن سؤال الأصدقاء، والمعارف، والجيران، كما كان العرف في المجتمعات التقليدية.
|
| |