عاجل
الأخبار

الكينونة التفاعليّة

إذا كان المفكر الألماني ماكس فيبر تكلّم عن نوعين من الخبرة يتصل أحدهما بالفعل والآخر بالكينونة،

الكينونة التفاعليّة
اضغط للتكبير

إذا كان المفكر الألماني ماكس فيبر تكلّم عن نوعين من الخبرة يتصل أحدهما بالفعل والآخر بالكينونة، فإن الهويّة الرقميّة تتحدّد بخبرتين أخريين هما: التفاعل والظهور. يستند ذلك إلى أن الواقعي والافتراضي يمثّلان حقيقتين للصورة عينها، بل أن فيهما نوعاً من الالتباس يتعلّق بأن الصورة الفعليّة للفرد صارت تبنى على أساس معادلة «أنا أنقر إذاً أنا في نظر الآخرين موجود»، بمعنى أن كينونة الفرد ترتبط بمدى تفاعليته مع الآخرين في الفضاء الإلكتروني خلال فترات حياته كلها، إذ أدى دخول التقنيّات إلى تعدّد أشكال هويّة مستخدم الإنترنت، فصارت تشمل الأبعاد البيولوجيّة (الواقعيّة)، والرقميّة (الافتراضيّة) والوظيفيّة (النشاطات) والسرديّة (النصوص والتغريدات).

وتتداخل عوالم القراءة والكتابة مع الهويّة الرقميّة عبر المستويات كلها، ما ينشئ تداخلاً بين النص وعوالم الفرد والجماعة.

وتبدو أمور الهويّة الرقميّة متعلّقة بمرحلة الانتقال مما يسمى «التصنيف بالنصوص»، بمعنى توصيف المعلومات النصيّة والصور وغيرها، إلى تصنيف الأفراد عبر توصيف المعلومات المتعلّقة بهم.

واستطراداً، ظهرت إعلانات شبكيّة موجّهة وفق «بروفايل» الأفراد، وتتولى برمجيات ذكيّة رسم الإعلانات التي تصل إلى هذا أو ذاك، وفق نوعية الأصدقاء الشبكيين، ومعلومات الـ «بروفايل» وغيرها. وبذا، صار الأثر الرقمي للفرد مادة تجاريّة، بل أن هناك برمجيّات ذكيّة ترصد الأفراد في الزمن الفعلي على مدار الساعة، لتكوين خريطة عن توجّهاتهم وتكويناتهم وسلوكهم.

 

بين الثقافة والكفاءة التقنيّة

لا تنبع تلك التغييرات من قرارات تقنيّة، بل تأتي من الثقافة. فمثلاً، يتسيّد الكمال أسلوب عرض الذات على الشبكات، مع ملاحظة أن عدم الوجود على الـ «ويب» ربما يعني الانعزال. وكي تكون موجوداً ومتفاعلاً مع الشبكات الاجتماعيّة، عليك أن تعطي وتعرض قليلاً أو كثيراً من ذاتك وعنها، ما يؤدي إلى الانتقال من الشبكة العنكبوتية للنصوص، إلى إنترنت الأفراد.

وتتبلور تدريجيّاً منظومة تواصلية تستند إلى خرائط مجتمعية متشابكة، ما يجعل التشابك حقاً أساسيّاً وليس مجرد خدمة. هناك انتقال من ثقافة الإبحار إلى ثقافة البحث، ثم ثقافة التشارك («شير» Share)، ما يفتح الباب للحديث عن الـ «أنا» الاجتماعي الرقمي.

ومن الصعب تناسي أن التبادل والترابط لا يمكن فصلهما عن الحرية، لأن الشبكات تؤدّي أيضاً إلى سهولة المراقبة. ويفرض ذلك أيضاً لفت الانتباه إلى أن الفضاء الرقمي مفتوح للجميع، ما يعني أن الصراعات فيه لا تبقى في اتجاه وحيد، بل تسير في كل الاتجاهات.

يقود ذلك فوراً إلى طرح مسألة الكفاءة الرقميّة التي تنطوي على استخدام واثق لتكنولوجيا المعلومات، في العمل والاتّصالات والتسلية، شرط التمرّس باستخدام المعلوماتية وأدواتها وبرمجياتها وشبكاتها وأساليبها وغيرها.

وكذلك تشمل الكفاءة الرقميّة للفرد، القدرة على فهم المعلومات المعقدة، والحصول على خدمات الإنترنت، واستخدامها في دعم الإبداع والابتكار والتفكير النقدي.

في المقابل، يبدو التعليم في معظم العالم العربي على مسافة بعيدة من تلك المتغيّرات، بل أنه أقرب إلى نقل ما كان مطبوعاً ورقياً، إلى الشبكات الرقميّة. ما هي جدوى ذلك النقل؟ ما مدى تناسب المعلوماتيّة مع الثقافة السائدة؟

لا بد أيضاً من الإشارة إلى أن النظريات التربوية، ودراسة سلوك الأفراد المرتبطة بطرائق التعليم الإلكتروني، ما زالت غير مثبتة لناحية فعاليتها في العملية التربوية، إذ وضِعَت مناهج التربية في الأساس لتتلاءم مع الأساليب الورقيّة، لا الرقميّة. إضافة إلى ذلك، هناك غياب للنصوص الإداريّة التي تحدّد مدى قبول ذلك النوع من التعليم، خصوصاً أن كثيرين ممن يديرون المؤسّسات التعليميّة ما زالوا بعيدين حتى الآن عن كل ما هو رقمي.


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك