يشير مصطلح "حرب الفضاء الإلكتروني"، إلى الإجراءات التي تتخذها أي دولة لاختراق شبكة دولة أخرى اختراقاً غير مصرح به، أو أي نشاط آخر يؤثر على نظام حاسوبي؛ بغرض إضافة أو تغيير أو تزييف البيانات، أو التسبب في تعطيل جهاز حاسوب أو إتلافه، أو تعطيل أو إتلاف جهاز متصل بشبكة أو شلّ الأشياء التي يتحكم فيها نظام الحاسوب.
المؤلف
بيانات النشر
( )
عدد الصفحات
الرقم الدولي
وثمة كثير من أمثلة حرب الفضاء الإلكتروني التي وقعت في السنوات الأخيرة، وأبرزها "سيطرة" إسرائيل على ردارات منظومة الدفاع الجوي السورية الحديثة في سبتمبر 2007، ما أتاح للطائرات الإسرائيلية قصف موقع في دير الزور بشرق سوريا، ادعت إسرائيل أنه منشأة نووية. وكل هذه الأمثلة تؤكد أن الصراع بين الدول القومية عن طريق العدوان الإلكتروني قد بدأ. ولكن بخلاف هذه الملاحظة التي لا شك فيها، يمكن الإشارة إلى خمسة أمور مهمة فيما يخص حرب الفضاء الإلكتروني:
أولاً، أن حرب الفضاء الإلكتروني حقيقة واقعة، وأن ما شهدناه حتى الآن لا يقارن بما يمكن أن يحدث. فمعظم المناوشات المعروفة في الفضاء الإلكتروني تستخدم أسلحة إلكترونية بدائية (باستثناء وحيد ملحوظ وهو العملية الإسرائيلية المشار إليها آنفاً). ومن المنطقي أن نخمّن أن المهاجمين لا يريدون الكشف عن قدراتهم المتطورة حتى الآن. ويلاحظ أن الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى قادرة على أن تشن من حروب الفضاء الإلكتروني ما يدمر غيرها من الدول الحديثة.
ثانياً، أن حرب الفضاء الإلكتروني تحدث بسرعة الضوء، فعندما تتدفق فوتونات الحزم المهاجمة عبر كابل الألياف الضوئية فإن الوقت المستغرق بين شن الهجمة وتأثيرها يكاد يتعذر قياسه، مما يخلق المخاطر أمام صنّاع القرار في أثناء الأزمات.
ثالثاً، أن حرب الفضاء الإلكتروني حرب عالمية الطابع، وفي نطاق أي صراع يستشري العدوان الإلكتروني على مستوى العالم سريعاً؛ لأن أجهزة الحاسوب والأجهزة الخادمة المخترقة خفية أو التي تم السيطرة عليها في شتى أنحاء العالم سرعان ما تنضم إلى الهجمة، فتنجرّ بلاد كثيرة إلى الصراع سريعاً.
رابعاً، أن حرب الفضاء الإلكتروني لا تحتاج إلى ساحات المعارك التقليدية؛ فالأنظمة المختلفة التي يعتمد عليها الناس - من المصارف إلى رادارات الدفاع الجوي - يمكن الوصول إليها عبر الفضاء الإلكتروني والسيطرة عليها سريعاً أو تعطيلها دون الحاجة إلى دحر الدفاعات التقليدية للدول.
خامساً، لقد بدأ عصر حرب الفضاء الإلكتروني، وصارت الدول تتحسب من وقوع الهجمات الإلكترونية فبدأت "تعد ساحة المعركة"، وذلك بأن يحاول كل منها اختراق شبكات الدول الأخرى وبنيتها التحتية لوضع ثغرات التسلل والقنابل المنطقية، وكل هذا يتم الآن في وقت السلم. وهذا الطابع المتواصل لحرب الفضاء الإلكتروني الذي يطمس الحدود الفاصلة بين السلم والحرب يخلق بُعداً جديداً وخطيراً في حالة انعدام الاستقرار.
إن معظم الحروب الفعلية التقليدية في المستقبل ستصاحبها حروب فضاء إلكتروني، وستكون هناك حروب فضاء إلكترونية أخرى قائمة بذاتها، من دون أي انفجارات أو قوات مشاة أو قوات جوية أو بحرية. وإن عدم إمكانية التنبؤ المرتبطة بحرب الفضاء الإلكتروني الشاملة يعني أن ثمة احتمالاً قوياً بأن صراعاً كهذا يمكن أن يغير ميزان القوى العسكرية العالمية، ومن ثم يؤدي إلى تغيير جوهري في العلاقات السياسية والاقتصادية.
في عام 2009 أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية قيادة عسكرية جديدة تُعرف بقيادة حرب الفضاء الإلكتروني، تشمل عدة أفرع رئيسية في الجيش، وتتركز مهمتها في استخدام تقنيات المعلومات والإنترنت كسلاح للحرب. وتسيطر على الفكر الأمريكي بشأن موضوع حرب الفضاء الإلكتروني النظرة القائلة بأن الفضاء الإلكتروني "نطاق" أو ساحة تدور فيها رحى الحرب، ويجب أن "تهيمن" عليها الولايات المتحدة. وتعلن الاستراتيجية العسكرية القومية السرية (التي أفرج عن جانب منها بناء على ما نص عليه قانون حرية المعلومات) أن هدفها هو «ضمان التفوق الاستراتيجي للجيش الأمريكي في نطاق الفضاء الإلكتروني». هذا التفوق مطلوب لضمان «حرية التحرك» للجيش الأمريكي و«حرمان أعدائنا من هذه الحرية». وتقول الوثيقة: إن الولايات المتحدة إذا أرادت أن تحرز هذا التفوق فعليها أن تبادر بالهجوم: «القدرات الهجومية في الفضاء الإلكتروني [مطلوبة] لتحقيق المبادرة والحفاظ عليها».
ولكن في ثنايا هذه الوثيقة يكمن تقييم واقعي للمشكلات التي تواجه الولايات المتحدة في مجال حرب الفضاء الإلكتروني؛ لأن «عوامل التهديد يمكن أن تستغل اعتمادنا» على الفضاء الإلكتروني، ولأنه «ما لم يتم بذل جهود ضخمة، فلن تظل الولايات المتحدة متمتعة بمزية في مجال الفضاء الإلكتروني».
والواقع أن دولاً عدة في العالم أخذت تركز على تطوير قدرات حرب الفضاء الإلكتروني، ومن أبرز هذه الدول روسيا التي يعتبرها مسؤولو الاستخبارات الأمريكية التهديد الأكبر للولايات المتحدة في مجال الفضاء الإلكتروني، وكذلك الصين التي يعد تطورها في مجال حرب الفضاء الإلكتروني جلياً إلى حد كبير. ومن الدول الأخرى المعروف أن لديها وحدات ماهرة لحرب الفضاء الإلكتروني إسرائيل وفرنسا. ويرى مسؤولو الاستخبارات الأمريكية أن هناك ما يتراوح بين عشرين وثلاثين جيشاً في العالم لديه قدرات يعتد بها في مجال حرب الفضاء الإلكتروني؛ مثل تايوان وإيران وأستراليا وكوريا الجنوبية والهند وباكستان والعديد من بلدان حلف شمال الأطلسي (الناتو). فكما قال المدير السابق للاستخبارات الوطنية الأدميرال مايك ماكونيل: «الغالبية العظمى من الدول الصناعية في عالم اليوم لديها قدرات هجومية في نطاق الفضاء الإلكتروني».
إن الفضاء الإلكتروني هو مجموع شبكات الحاسوب في العالم وكل ما ترتبط به وتتحكم فيه هذه الشبكات. وهو ليس الإنترنت فقط، ويجب أن يتضح في ذهننا هذا الفرق. فالإنترنت شبكة مفتوحة مكونة من عديد من الشبكات. وتستطيع من أي شبكة على الإنترنت أن تتصل بأي كمبيوتر آخر متصل بأي شبكة من شبكات الإنترنت. أما الفضاء الإلكتروني فيشمل الإنترنت، إلى جانب العديد من شبكات الحاسوب الأخرى التي لا يمكن الوصول إليها عبر الإنترنت. وبعض هذه الشبكات الخاصة تشبه شبكة الإنترنت تماماً، لكنها منفصلة عنها، على الأقل نظرياً. كما يشمل الفضاء الإلكتروني الشبكات التجارية التي تقوم بمهام معينة؛ من قبيل إرسال البيانات الخاصة بالتدفقات المالية، والمعاملات في الأسواق المالية، ومعاملات البطاقات الائتمانية. وبعض الشبكات هي نفسها نظم للتحكم؛ بمعنى أنها هي التي تسمح للأجهزة بمخاطبة غيرها من الأجهزة، مثل لوحات التحكم التي تخاطب المضخات والمصاعد والمولدات.
وبصفة عامة، يمكن أن تدخل قوات حرب الفضاء الإلكتروني في قلب هذه الشبكات وتسيطر عليها أو تدمرها. وإذا استولت على شبكة ما فيمكنها أن تسرق كل معلوماتها، أو ترسل إليها تعليمات بتحويل الأموال، أو تسريب النفط، أو إطلاق الغاز، أو تفجير المولدات، أو إخراج القطارات عن قضبانها، أو صدم الطائرات، أو إرسال كتيبة لتقع في كمين، أو تفجير قذيفة في المكان الخطأ. وكما قال الأدميرال مايك ماكونيل: «المعلومات التي تتعامل معها شبكات الحاسوب، والتي تدير المرافق ووسائل المواصلات والمصارف والاتصالات لدينا، يمكن استغلالها أو مهاجمتها في عدة ثوانٍ من أماكن بعيدة عبر البحار. وعندئذٍ لن تستطيع الأساطيل البحرية أو الصواريخ العابرة القارات أو الجيوش النظامية الدفاع عنا ضد هذه الهجمات المنفَّذة من بعيد، من أماكن ليست فقط خارج حدودنا بل خارج الأبعاد المادية، حيث تقع في المجال الرقمي للفضاء الإلكتروني».
ثمة ثلاث سمات في عالم الفضاء الإلكتروني تجعل حرب الفضاء الإلكتروني ممكنة؛ وهي: وجود عيوب في تصميم الإنترنت؛ ووجود عيوب في المعدات والبرمجيات؛ والاتجاه إلى توصيل المزيد من الأجهزة والآلات الحيوية شبكياً.
ولا يعتمد قياس قوة الدولة في مجال حرب الفضاء الإلكتروني على امتلاك القدرات الهجومية فقط، بل لابد من تقييم عاملين آخرين؛ هما الدفاع والاعتماد. ويُقصد بالدفاع قياس قدرة الدولة على اتخاذ إجراءات عند تعرضها للعدوان لصد الهجمة أو تخفيف آثارها، أما الاعتماد فهو مدى اتصال الدولة بالإنترنت واعتمادها على الشبكات والأنظمة التي قد تكون عرضة للأخطار في حال وقوع حرب إلكترونية.
وعند التفكير في القدرات "الدفاعية" وفي "عدم الاعتماد" معاً نجد أن كثيراً من الدول تحرز درجات أعلى من الولايات المتحدة. وهكذا، فإن قدرة تلك الدول على النجاة من حرب الفضاء الإلكتروني بتكاليف أقل، بالمقارنة بما يمكن أن يحدث للولايات المتحدة، تخلق "فجوة في مجال حرب الفضاء الإلكتروني". وهذه الدول يمكنها أن تستخدم حرب الفضاء الإلكتروني ضد الولايات المتحدة لإنزال خسائر جسيمة بها، وفي الوقت نفسه قد تستطيع الصمود أمام الرد الأمريكي على حرب الفضاء الإلكتروني. وقد تغري هذه "الفجوة في مجال حرب الفضاء الإلكتروني" دولة ما بشن عدوان على الولايات المتحدة. وحيث إنه من المستحيل تقليص الاعتماد على نظم الشبكات اليوم، لذلك فإن الطريق الوحيد لسد الفجوة، وتحسين إجمالي الدرجات على محصلة القوة في مجال حرب الفضاء الإلكتروني، هو تحسين الدفاعات.
يقوم الدفاع على ثلاثة محاور (المثلث الدفاعي): الأول، هو حماية العمود الفقري للإنترنت، والذي تمثله شركات الإنترنت الرئيسية؛ والمحور الثاني هو تأمين شبكة الكهرباء؛ أما المحور الثالث فهو حماية شبكات وزارة الدفاع.
إن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة تقريباً التي تعمل على منع الحد من التسلح في مجال الفضاء الإلكتروني. ومن باب المفارقة أن روسيا هي أكبر الدول التي تشجع على ذلك. وإذا نظرنا إلى احتمالات زعزعة الاستقرار والأضرار التي يمكن أن تلحق بالولايات المتحدة من جراء حرب الفضاء الإلكتروني، فقد يظن القارئ أن الولايات المتحدة لابد أن تكون قد شرعت في التفاوض على اتفاقيات دولية لضبط التسلح تقليلاً لهذه المخاطر. ولكن الولايات المتحدة في واقع الحال، ومنذ أن رفضت إدارة كلنتون المقترح الروسي في هذا الصدد، دأبت بإصرار على معارضة ضبط التسلح الإلكتروني.
واليوم، وبعد أن أنشأت أكثر من عشرين دولة وحدات لحرب الفضاء الإلكتروني الهجومية بجيوشها وأجهزة استخباراتها، وبعد أن زاد فهمنا لشكل حرب الفضاء الإلكتروني في المستقبل، آن الأوان لتقوم الولايات المتحدة بمراجعة موقفها بشأن ضبط التسلح الإلكتروني والتفكير فيما إذا كان هناك أي فائدة يمكن أن تجنيها من خلال الاتفاقيات الدولية في هذا المضمار.
وبصرف النظر عن الميزات التي نجنيها من حرب الفضاء الإلكتروني، فهناك ست خطوات بسيطة يجب أن نتخذها بالتزامن معاً كي ندرأ عنّا كارثة حرب الفضاء الإلكتروني.
أولاً يجب أن نفتح حواراً عاماً موسعاً حول حرب الفضاء الإلكتروني. والحوار الذي نحتاج إليه يتطلب بحوثاً أكاديمية راقية، وإصدارات جديدة من الكتب، وصحافة واسعة المدارك.
البند التالي في أولويات منع حرب الفضاء الإلكتروني هو إنشاء مثلث دفاعي. والمثلث يتكون من صد البرامج الخبيثة على الإنترنت عند الشركات التي تقدم الخدمة عبر العصب الرئيسي للشبكة؛ وتعزيز أدوات التحكم في شبكات لربط الكهربائي؛ ورفع مستوى تأمين شبكات وزارة الدفاع وتحقيق التكامل بين أسلحتها.
ومن الممكن أن يتحول مجرمو الإنترنت إلى محاربين مأجورين على الشبكات، ومن ثم نحتاج في البند الثالث إلى مجموعة الأولويات لتقليل مستوى جريمة الفضاء الإلكتروني التي تفشت عبر الإنترنت. فقد بدأ مجرمو الإنترنت يخترقون سلاسل الإمداد التي تغذي شركات تصنيع معدات وبرمجيات الحاسوب لزرع الشفرات الخبيثة فيها. وبدلاً من الاكتفاء باستخدام أدوات الاختراق المتوافرة على نطاق واسع، بدأ مجرمو الإنترنت الآن يكتبون بأنفسهم شفرات مصممة خصيصاً للتغلب على نظم التأمين، كما حدث في سرقة ملايين من أرقام البطاقات الائتمانية من شركة تي جيه ماكس في عام 2003. هذه التوجهات تبين تزايد المهارات الفائقة لدى مجرمي الإنترنت، وقد تشير إلى احتمال تفاقم التهديد الإجرامي، بحيث يصل إلى مستوى متطور يضارع التهديد على المستوى الدولي، وهذا يعني أننا بحاجة إلى مضاعفة الجهود لمكافحة الجريمة الإلكترونية.
الأولوية الرابعة من أولويات التعامل مع حرب الفضاء الإلكتروني هي وضع اتفاقية مناظرة لمعاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية، أي معاهدة للحد من أسلحة حرب الفضاء الإلكتروني. وكما يوحي اسم المقترح، فإن المقصود به هو الحد من حرب الفضاء الإلكتروني، لا فرض حظر دولي على الاختراق أو جمع المعلومات. ولابد كذلك من إنشاء مركز للحد من المخاطر الإلكترونية بغرض تبادل المعلومات وتقديم المساعدة للدول.
العنصر الخامس في مجال مكافحة حرب الفضاء الإلكتروني هو إجراء البحوث على تصميمات الشبكات الأكثر أمناً. فالإنترنت يبلغ عمرها الآن أربعين عاماً، أي أنها في مرحلة منتصف العمر، لكنها لم تتغير كثيراً منذ أيامها الأولى. صحيح أن سعة البث قد زادت كثيراً، وأن القدرة على الاتصال اللاسلكي بالشبكة زادت أيضاً، وأن الأجهزة المحمولة انتشرت انتشاراً واسعاً، لكن التصميم الأساسي للإنترنت الذي وضع من دون اهتمام كبير بمسألة الأمن مازال كما هو من دون تغيير.
إن الجهود التي بذلت منذ أربعين عاماً لصنع الإنترنت جهود ذات قيمة عظيمة، تفوق كل ما تخيله مخترعو الإنترنت أنفسهم. واليوم يجب على ممولي شبكة الإنترنت الأصلية أن يمولوا محاولات ابتكار شيء جديد أفضل منها. وجدير بالذكر أن بحوث الشبكات الإلكترونية اليوم تعاني التشرذم، إلى جانب ضعف التمويل بدرجة خطيرة. كما يحتاج الفضاء الإلكتروني إلى نظرة جديدة من المصممين الذين يستطيعون التفكير بحرية في بروتوكولات جديدة، وطرق جديدة للتحقق من هوية المستخدم، وأساليب متقدمة للسماح بالدخول وتشفير التحركات والبيانات الكامنة بطريقة محكمة تماماً.
إن هذا النوع الجديد من الحروب ليس لعبة أو شطحة من شطحات الخيال، وهو أبعد ما يكون عن كونه بديلاً من الحرب التقليدية.