المقالات
اختراق مواقع الانترنت بين السنة والشيعه.. عندما تسيطر السياسة على الدين
اثارت تصريحات الشيخ القرضاوي حول التحذير من التبشير الشيعي داخل البلدان ذات الاغلبية السنية الكثير من الغضب داخل اوساط شيعية عدة، واعقب ذلك هجوم من بعض الرموز السنية لبعض معتقدات الشيعة، وقام البعض ايضا باختراق عدد من المواقع الشيعية البارزة كموقع الامام السيستاني والامام الخوميني وعدد آخر من المواقع الشيعية بلغت 77 موقعا، بالاضافة إلى بث رسائل معادية.
عادل عبد الصادق
الإثنين,12 سبتمبر 2011 - 10:24 ص
مشاهدات: 28
العدد 112 : 15 اكتوبر 2008
اثارت تصريحات الشيخ القرضاوي حول التحذير من التبشير الشيعي داخل البلدان ذات الاغلبية السنية الكثير من الغضب داخل اوساط شيعية عدة، واعقب ذلك هجوم من بعض الرموز السنية لبعض معتقدات الشيعة، وقام البعض ايضا باختراق عدد من المواقع الشيعية البارزة كموقع الامام السيستاني والامام الخوميني وعدد آخر من المواقع الشيعية بلغت 77 موقعا، بالاضافة إلى بث رسائل معادية.
وجاء رد الفعل الشيعي المضاد باختراق ما يقرب من 900 موقعا للتيار السنى خاصة المحسوبة على التيار الوهابي، ومن ضمنها موقع مفتي السعودية وعدد من أشهر الدعاة السعوديين، وكذلك موقع قناة العربية الفضائية. هذه الحالة من المواجهة عبر الانترنت كشفت عن تحوير دور الشبكة الدولية للمعلومات من كونها وسيلة للحوار والتعبير الى رد فعل إقصائي، فيما ينذر بتحول الانترنت الى ساحة جديدة للصراع، والاهم وجود مشكلة كبرى فى ادارة الاختلاف داخل المجتمعات العربية والاسلامية.
بيئة إعلامية جديدة
اتاحت الانترنت خصائص ومزايا غير تقليدية تتعلق بالرساله الاعلامية من حيث الصوت والصورة والنص وسرعه الانتشار ورخص التكلفة، فضلا عن البعد عن الرقابة الرسمية أو حتى من مرجعيات علمية، وهو ما أدى إلى وجود كم هائل من المواد الإعلامية على الشبكة تتعرض بالتجريح والنقد المباشر للآخر الديني، ونشر الأخبار ذات الطابع الفردى التى تعكس أحيانا اشياء غير واقعية، وأحيانا أخرى تسهم فى إذكاء العنصرية وتنمية اتجاهات الكره لدى الكثير من الفئات المناهضة لفئات أخرى. أدى ظهور مواقع الانترنت سواء المرتبطة بالصحف والمؤسسات الإعلامية أو بمواقع دعوية دينية منها ذو خط المعتدل وأخر يتطرف في طرحه الديني، إلى انتشار الطابع الفردي في الطرح، بما قد يجعل من أفكار ليست محل توافق عام كما لو كانت تعبر عن معتقد شعبي واسع.
الدين ضحية السياسة
كان الخلاف السياسي حول احقية علي ابن ابي طالب بالخلافة من عثمان ابن عفان صحابي رسول الله دورا في تجذر الخلاف داخل العالم الاسلامي بظهور المذهب الشيعي وتشعباته أمام المذهب السني معبرا عن تأييد احد الموقفين ، وظهرت كتابات تعبر عن ذلك الصراع وتغالي فيه وتبحث عن تعظيم الاختلاف فيما بين السنة والشيعه تلك الكتابات التي اصبحت مرجعيات فكرية لبعض الائمة والفقهاء ، وذلك على الرغم من أن كلا المذهبين يؤمنان بالقرآن والرسول. ومع تنامي الثورة التكنولوجية انسابت تلك الاختلافات من أرفف المكتبات والحوزات العلمية ومن الروايات الشعبية إلى فضاء الانترنت، مما شكل مواجهة فكرية تضمنت طعن كل طرف فى معتقدات الطرف الآخر، وأتاحت الانترنت أمام الكثيرين فرصة الكتابة والنشر والتعليق سواء كانوا من رجال الدين أو العامة ، وهذا ما احدث لغطا وتصادما بين أراء مختلفة. وعلى الرغم من أن حديث الشيخ يوسف القرضاوى لم يكن الأول الذي يدلي به حول التخوف من التمدد الشيعي فى المجتمعات السنية إلا أن ذلك جاء في بيئة مختلفة ساعدت على انتشاره وزيادة حركة التفاعلات حوله، وأخذت بعض المواقع من فحوى تلك التصريحات مبررا لمزيد من الهجوم على الشيعه، ووصفهم بأنهم عملاء للأمريكان في احتلال العراق ومهادنته وأنهم وراء مجازر المليشات الشيعية ضد السنة وتنظيمات المقاومة فى العراق.
الانترنت منبر لبث الكراهية
شهد العالم العربى اخيرا صراعات سياسية، تم تغليف بعضها باطار ديني، وبعضها الآخر كان ذى صبغة دينية خالصة. وقد استخدمت جماعات أصولية الانترنت كأداة لاقصاء الآخر وتكفيره. وأصبح معتادا التركيز على قضايا هامشية وتضخيمها بما لا يعبر عن الواقع. وشكل ذلك بيئة خصبة لظهور حوار غير صحى بين العالم العربي والاسلامي والخارج، وفي نفس الوقت الكشف عن تناقضات الداخل الاسلامي واختلافاته الذاتية والفكرية. وقد تميزت المواقع الشيعية على الانترنت بأنها أتاحت للشيعه كأقلية داخل المجتمعات الاسلامية التواصل مع الخارج، والترويج لمبادئها والتواصل مع مؤيديها حول العالم. وظهر ذلك في تعدد المواقع الشيعيه لأكبر المراجع الشيعية بالاضافة الى مواقع مثل آل البيت وموقع الرابطـة العالميـة للدفـاع عن الشيعـة. والموقع الأخير يعد بوابه ضخمة يتم استغلالها للهجوم على الفكر الوهابي، كما يعكس حالة الشيعه في العالم، ويبث هو أيضا خطابا يحض على الكراهية مثل نشر صور مؤلمة لحوداث القتل ضد الشيعه في العراق، ونشر المقابر الجماعية من عهد صدام حسن. وهناك أيضا مواقع أخرى مؤثرة مثل شبكة الشيعه العالمية وشبكة يا زينب وموقع البينه والبرهان وغيرها الكثير، وتتميز تلك المواقع بتصميميها الفني الرائع وتوافر العديد من المواد الاعلامية والتحديث المستمر لمحتوياتها، وبعضها يتضمن عدة لغات اجنبية. ويعكس ذلك إدراكا شيعيا بارزا بأهمية الاعلام وتوظيف الانترنت جيدا للاعلان عن المذهب. ويتسم الخطاب الاعلامي الشيعي بنبرة الشعور بالاضطهاد، والتمييز ما بين الوهابية والسنة كمذهبين مختلفين، وإظهار عداء أكبر للوهابية، وإبراز الخلاف مع السنة باعتباره فقهيا ولا يدخل في اطار تكفير كل منهما للآخر. على الجانب الاخر اخذت المنتديات والمواقع الاسلامية التي تتبع المذهب السني في مهاجمة الشيعه ومعتقداتهم واتهامهم بالخيانه ومشاركتهم فى قمع المقاومة العراقية ضد الاحتلال. ومن الملاحظات الهامة أن أغلب تلك المواقع التي تعلي من حدة الهجوم على الشيعه لا تتبع أي جهات رسمية أو دعاة ثقات داخل المجتمع السني. وهناك مواقع سنية تركز على أهمية التقريب بين المذاهب الاسلامية، إلا أن تأثيرها فى الواقع يبدو محدودا.
المد الشيعي بين الحقيقة والوهم
من الناحية التاريخية يمكن رصد ثلاثة مراحل هامة مر بها الصعود الشيعى فى المنطقة. المرحلة الأولى بعد نجاح ثورة الإمام الخوميني فى إقمة الجمهورية الاسلامية فى إيران التى تبنت اسراتيجية لتصدير الثورة الى المجتمعات المجاورة. الثانية بعد الاحتلال الامريكي للعراق وبروز دور الشيعه العراقيين وسيطرتهم على الحكم فى ظل الوجود الامريكى وهو ما انعكس على الشيعه في الخليج والعالم ككل. المرحلة الثالثة فجاءت بعد حرب يونيو 2006 وانتصار حزب الله الشيعى اللبنانى على اسرائيل، وما تلاها من زيادة الاعجاب بدور الحزب وصموده العسكرى. وهناك من يرى ان الولايات المتحدة وإسرائيل قد فطنتا إلى مغزى هذا الصعود، وسعتا إلى تعظيم الهواجس لدى البلدان العربية السنية من خطر المد الشيعى الايرانى، من اجل تشكيل جبهة لمواجهة إيران وتحجيم طموحها النووي والضغط على سوريا ومحاولة نزع سلاح حزب الله لتأمين الحدود الشمالية لاسرائيل. وهنا يمكن إبداء عدد من الملاحظات بشأن مدى نجاح ما يوصف بأنه مد شيعى فى المنطقة: أولا، أن استراتيجية تصدير الثورة الاسلامية إلى خارج إيران لم تنجح لانها قامت على اساس العمل على زعزعه وقلب نظم الحكم في الدول المجاورة، كما أن ظروف الحرب العراقية الايرانية عملت على تحجيم ذلك الطموح الإيرانى. ثانيا، أن مساله الصعود الشيعي بعد احتلال العراق لا يعنى بالضرورة امتداد الوجود الشيعي في العالم العربي. يرجع ذلك إلى اختلاف شيعة العراق سياسيا عن شيعة ايران، فضلا عن تنامي البعد العروبي لدى شيعه العراق والخليج. ولذك فقد انحصر تأثير صعود شيعة العراق فى بلدان الخليج فى إطار الدفع بالحريات السياسية ، وهو توجه ترافق مع إرادة محلية وداخلية للاصلاح السياسي. ثالثا، إن انتصار حزب الله اللبناني الشيعي على اسرائيل والتعاطف معه شعبيا داخل العالم العربي لا يعنى تعاطفا دينيا مع المذهب الشيعى بالضرورة ..ولا يعكس سوى حالة الفراغ السياسي العربي وافتقاد العالم العربي الى رمز للبطولة في مواجهه اسرائيل. رابعا، على الرغم من أن بلد كمصر كانت قد شهدت تاريخيا بداية المذهب الشيعي ولديها مقارات ومقامات لآل البيت، إلا أن ذلك لم يكن مبررا لانتشار المذهب الشيعي حيث ان هناك مسالة الفصل ما بين حب آل البيت وبين العقائد الشيعية الاخرى التي لا تتوافق مع أصول المذهب السنى. خامسا، أنه يجب التفريق بين ما تسعى إليه إيران السياسية وايران الدينية. فإيران السياسية تسعى الى فك عزلتها الدولية في مواجهه الضغوط الدولية، ومن ثم فانها تسعى كأي دولة الى تنشيط دائرة علاقاتها الخارجية من أجل مد النفوذ والتعاطف مع مواقفها فى مواجهة التهديدات التى تتعرض لها من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. سادسا، إن هناك أطرافا عملت على الاستغلال السياسى للخلافات بين السنة والشيعة، من أجل دفع العالم الاسلامي الى الاهتمام بقضايا داخلية تنهك كلا الطرفين، ومن ثم إظهار المجتمعات الاسلامية كمجتمعات متطرفة لا تعرف التسامح فيما بينها بما يعزز مبررات دور الخارج في التغيير بداخلها والسيطرة على مواردها . سابعا، أن اغلب المراجع الدينية الشيعية والسنية الحالية تتفق على تجريم القتل والدمار على أساس طائفي أو أى أساس آخر. والتنديد بعمليات القتل الطائفي في العراق والتي يتداخل فيها الطائفي بالسياسي بالاجتماعي. ونظرا لتعقيد الوضع الداخلي العراقي فهو لا يصلح أن يكون نموذجا لنمط العلاقة الصراعية بين السنة والشيعة. ثامنا ،لقد أدى انتشار المواقع الشيعية وجودتها وشمولها وتوجهها الى الاقليات الشيعية في العالم إلى الايحاء بأن هناك مدا شيعيا وزيادة فى التابعين للمذهب.
الانترنت أداة للحوار
ان الانترنت وما اتاحتة من فرصة إبداء الرأى والتعبير تمثل فرصة هامة لتبادل الآراء والأفكار بكل حرية والعمل على تعزيز فرص السلام والمصالحة عبر ما يتم بثة من اثار للدمار والقتل ، ومن ثم فان دور الانترنت يصبح هاما ومن ثم فإن محاولة قرصنتها أو تدميرها يعد من أنواع الإرهاب الفكري والمادي الذي يستلزم مواجهه شاملة ومتعدده الابعاد ، وكذلك العمل علة التغلب على حالة العجز عن إدارة حوار حقيقي يتم فيه مراجعة فكرية عاقلة وفق القرآن والسنة. ويضع هذا الأمر مسئولية كبرى على عاتق المرجعيات الدينية الشيعية والسنية معا من اجل إطلاق حوار حقيقى يركز على المبادئ العظيمة للقرآن والسنة، وبحيث يبعد شبح الوقوع فى حالة صدام مذهبى لا طائل من ورائه سوى تعميق الانقسام بين ابناء العالم الاسلامى. واتاحة الفرصة لأعداء الامة على استغلال هذا الانقسام ، وبما يدفع ذلك الى اهمية العمل على تجديد الخطاب الديني الاسلامي بصفة عامة داخل كل مذهب، وتنمية دور المراجعات الفقهية لأمهات الكتب التي يتم استغلالها للتحريض وبث روح الكراهية والبغض، والعمل على اقرار مصالحة دينية واصلاح ديني يعلى من القيم السامية للدين الاسلامى، والفصل التام بين ما هو دينى وما هو سياسى بما يتوافق مع روح العصر ولا يتصادم مع اسس العقيدة الاسلامية.