الأخبار
جوجل تدخل مجال الصناعة العسكريّة الأميركيّة
في أواخر العام 2013، اشترت شركة «غوغل» إحدى أبرز الشركات الخمس الكبرى في الصناعة العسكريّة الأميركيّة: شركة «بوسطن داينماكس».
الحياة
الأحد,18 يناير 2015 - 07:17 ص
مشاهدات: 328
في أواخر العام 2013، اشترت شركة «غوغل» إحدى أبرز الشركات الخمس الكبرى في الصناعة العسكريّة الأميركيّة: شركة «بوسطن داينماكس». التي تخصّص الاخيرة في التقنيّات الرقميّة والنُظُم الإلكترونيّة والروبوتات وغيرها. وحينها، انشغلت وسائط الاعلام بالحديث عن الآفاق التي انفتحت أمام «غوغل» في صناعة أنواع الروبوتات، إذ ذاع صيت «بوسطن داينامكس» عندما ابتكرت روبوتاً عسكرياً إسمه «بيغ دوغ» Big Dog Robot ( «روبوت الكلب الكبير»)، وهو روبوت يسير على 4 قوائم، ويستطيع مرافقة الجنود في المفازات القاسية غير المعبّدة.
لكن ما مثّل أخباراً سعيدة لـ»غوغل»، كان مثار قلق في البنتاغون. وعلى رغم أن «غوغل» أوضحت أنها تلتزم تنفيذ العقود التي وقّعتها «بوسطن داينامكس» مع الجيش والأسطول والمارينز، إلا أنها لمّحت إلى إمكان عدم استمرارها في تبني أعمال عسكريّة في المستقبل.
بقول آخر، حرمت تلك الصفقة البنتاغون من شركة ضمنت لأميركا تفوقاً حاسماً في صناعة «الروبوتات المُدارة ذاتيّاً» Autonomous Robotics (تعرف أيضاً بإسم «الروبوتات المستقلّة»)، بعد أن كانت حقلاً يتطوّر حصريّاً تحت إشراف البنتاغون، ما ضمن أفقاً لتفوق أميركي في التقنيّات العسكريّة.
ولم يكن غريباً أن تمتلك شركة خاصة («غوغل») تعمل في المعلوماتيّة وتقنيّاتها، من الأموال ما يكفي لشراء شركة ضخمة في الصناعة العسكريّة حاضراً، إذ تقدّر القيمة السوقيّة لـ»غوغل» بقرابة 400 بليون دولار، ما يفوق ضعفي قيمة 4 شركات أساسيّة التي يعتمد عليها البنتاغون في الصناعة العسكريّة، وهي «رايثون» Raytheon و»نورثروب- غرومان» Northrop Grumman و»لوكهيد مارتن» Lockheed Martin و»جنرال داينامكس»General Dynamics. كذلك تملك «غوغل» أموالاً جارية تزيد على 60 بليون دولار، ما يكفل شراءها الشطر الأكبر من أسهم أيٍ من تلك الشركات العسكريّة الضخمة، إذا أرادت ذلك.
عولمة صُنّاع أسلحة «العم سام»
الأرجح أنه يتوجب على البنتاغون أن يعمل على اجتذاب شركات معلوماتيّة كـ»غوغل» إلى الصناعة العسكريّة، إذا أراد استمرار التفوّق الحاسم في التكنولوجيا للجيش الأميركي، وهو ما رفع ذلك الجيش فوق منافسيه عالميّاً لما يزيد على 70 عاماً. في المقابل، لا تملك «غوغل» ومثيلاتها حوافز كافية لدخول تلك الصناعة، لغياب حاجتها لعقود البنتاغون ولأسباب اخرى يرد ذكرها لاحقاً.
أبعد من ذلك، باتت المتغيّرات العالميّة، خصوصاً في التقنيّات المعلوماتيّة، تفرض على البنتاغون أن يتّجه نحو عولمة الصناعة العسكريّة الأميركيّة، مهما بدا ذلك القول مستهجناً للوهلة الأولى، لأن مجموعة ضخمة من التقنيّات ذات الاستخدام العسكري صارت تنتج خارج الولايات المتحدة التي لم تعد لاعباً مفرداً، ولا الأكثر تفوّقاً، في تلك التقنيّات.
ليس الأمر ضرباً من الخيال، إذ يملك عسكريو واشنطن خبرة فعليّة في مجال عولمة الصناعة العسكريّة الأميركيّة، لكنهم لا يندفعون في ذلك الاتجاه بالسرعة التي يفرضها إيقاع التغيير عالميّاً.
ولعل المثال الأبرز على ذلك يتجسّد في الطائرة المقاتلة - القاذفة «إف- 35» F- 35 Joint Striker Fighter، إذ صنعت تلك الطائرة المتطوّرة عبر مشروع شاركت فيه 9 دول هي: تركيا وإيطاليا والدنمارك والسويد والنروج وكندا وأستراليا وبريطانيا وأميركا.
وساهمت تلك العولمة أيضاً في تخفيف أعباء صناعة تلك الطائرة، إضافة إلى الاستفادة من تقنيّات غير أميركيّة. وتصلح إيطاليا نموذجاً لذلك، اذ تملك حكومتها ثُلُث «فينمِكانيكا» Finmeccanica، إحدى أضخم شركات الصناعة العسكريّة، التي تملك فرعاً في أميركاً يحمل إسم «دي آر أس تكنولوجيز» DRS Technologies يديره ويليام ليين الثالث، النائب السابق لوزير الدفاع الأميركي. هناك حقيقة أساسيّة وضخمة: يعمل البنتاغون على برنامج لتطوير الجيش تقنيّاً، خصوصاً في المعلوماتيّة، هو الأضخم في تاريخه على رغم التقلّص الجاري في موازنته.
فإذا أراد البنتاغون الاستمرار في التفوّق التقني عليه أن يتنبّه إلى واقعة مزدوجة تتمثّل في أن معظم التطوّر في التقنيّات الرقميّة تحدث ضمن شركات كـ»غوغل»، وأن الابتكار في التقنيّات الرقميّة، بما فيها تلك المتصلة بالمجالات العسكريّة، تجري على مستوىً معولم. واستطراداً، لأنها تلاحظ (وتستفيد) من كون الابتكار التقنيّة لها طابع عالمي، تعمل الشركات الكبرى في المعلوماتيّة والاتصالات على مستوى معولم، وهو أمر يجدر بالبنتاغون التفكّر فيه مليّاً.
تفرض تلك الوقائع على واشنطن تحسين علاقاتها مع «وادي السيلكون» وشركاته، بأبعد مما تفعل حاضراً. ومن اللافت أن البنتاغون بات يعتمد بشكل ضخم على شركات المعلوماتيّة في الحصول على التقنيّات المتقدّمة. ووفق دراسة أجرتها مؤسسة «بوز أند كومباني» Booz & Company (صار إسمها «استراتيجي أند» Strategy &) في العام 2012، يذهب ثلث إنفاق البنتاغون في المشتريات والخدمات، إلى شركات التقنيّة المعلوماتيّة كـ»ديل» Dell و»آبل»Apple . ولعله بديهيّاً القول بأن تلك المشتريات ضمنت استمرار التفوّق التكنولوجي للجيش الأميركي، وهو الأساس المكين في تفوّقه الاستراتيجي. في المقابل، ما زال البنتاغون يتعامل مع ذلك الأمر عبر مقاربة تقليدية أدّت إلى نفور الشركات الكبرى في المعلوماتيّة والاتصالات، من الانخراط مع البنتاغون في أعمال الصناعة العسكريّة.
بالاختصار، يساهم تضافر 3 عوامل هي: عولمة الابتكار التقني المتّصل بالأسلحة، وتمرّس شركات المعلوماتيّة بتلك الابتكارات عينها، وتقلّص موازنة البنتاغون، إلى رسم أفق لمرحلة جديدة نوعيّاً أمام الصناعة العسكريّة الأميركيّة، تتمثّل أساساً في نقل بنيتها التحتيّة (بالأحرى نشرها) كي تصبح أعمالاً تؤدّي على مستوى معولم تماماً.