المقالات
في وصف الحياة الرقمية
لنبدأ ببعض التفاصيل الصغيرة، على رغم أنها ليست صغيرة بالمرة.
أحمد مغربي
الجمعة,23 يناير 2015 - 06:14 ص
مشاهدات: 372
نبدأ ببعض التفاصيل الصغيرة، على رغم أنها ليست صغيرة بالمرة. ما هي كمية المعلومات التي يقدر أنها تتوافر للبشر الآن؟ إذا وُضِعَت هذه المعلومات على أسطوانات رقمية مُدمَجَة «سي دي»، ثم جُعِلَت في صفوف متراصة، لصنعت الأسطوانات المُدمَجَة 5 طرق بين الأرض والقمر، مع ملاحظة أن المسافة بين الأرض والقمر هي قرابة 384.4 ألف كيلومتر، ما يعني أن معلومات البشر تساوي قرابة 1.9 مليون كيلومتر من الأسطوانات الرقمية المُدمَجَة. لنلجأ إلى حيلة أخرى. كم يبلغ متوسط حصة الفرد من هذه المعلومات؟ عندما كانت «مكتبة الإسكندرية» هي مخزن معلومات البشر، بل المكان التي كان أسطورة في ضخامة ما يحتويه من المعلومات المؤرشفة في وثائق مكتوبة، لم تكن ما تحتويه يزيد عن 1200 «إكزا بايت» Exabyte، مع ملاحظة أن كل «إكزابايت» تساوي بليون غيغابايت! لنعد إلى الفرد العادي في القرن الـ21. ما هي حصته من المعلومات؟ إنها 320 «مكتبة إسكندرية» في عز ازدهارها وذروة تألقها أيام الرومان. لو وُزعَت المعلومات على البشر، لنال كل شخص يعيش الآن أكثر مما احتوته «مكتبة الإسكندرية» عندما كانت معقلاً ومخزناً للفكر البشري، بما يزيد على 320 ضعفاً.
لنتابع مع لعبة الأرقام قليلاً. من المثير أيضاً أن كثيرا من هذه المعلومات بات مكتوباً بـ «لغة» واحدة: لغة الكومبيوتر. بقول آخر، يتوافر قسم كبير من هذه المعلومات على هيئة ملفات إلكترونية رقمية مكتوبة على الكومبيوتر، تشمل الكتب والنصوص والجرائد والمجلات والمنشورات والدراسات والصور والخرائط والرسومات والأفلام والأغاني والموسيقى والرسائل وما يكتب يومياً على مواقع شبكات التواصل الاجتماعي ورسائل الخليوي. بات كل شيء يكتب ويوضع على الكومبيوتر، فيصبح جزءاً من ملفات رقمية مكتوبة بلغة الإلكترونات التي تتألف من عددين هما صفر وواحد! لنتأمل ثانية. صارت كل المعلومات قابلة لأن توصف وتخزن وتُصنف وتُبحث وترصف، عبر أداة واحدة هي الإلكترونات وملفاتها الرقمية. يُطلَق على هذا الأمر تسمية «الرقمَنَة» Digitization، وهي من الملامح الأبرز لزمن البيانات الكبيرة. لم تعش البشرية شيئاً كهذا من قبل، وهو أمر يجدر تذكره كثيراً عند التفكير في البُعد المختلف لمسألة البيانات الكبيرة في عصر المعلوماتية.
خلاصات أميركية
إذن، ما هي الخلاصة التي ينصحنا بها علماء عوالم المعلوماتية وتقدمها، على غرار ما ورد في كتاب صدر أخيراً في أميركا بعنوان «البيانات الكبيرة: ثورة تغير طريقة عيشنا وعملنا وتفكيرنا» Big Data: A revolution that would Change the Way we Live, Work & Think للبروفسور كينيث كروكر؟ ما هو الشيء الذي يرون أن يكسبه الفكر البشري الآن من الانتقال إلى «عصر البيانات الكبيرة»، بمعنى ما هو الأثر المستفاد من هذا التدفق الهائل في المعلومات؟ لا تتسرع إلى الإجابة، لأنها ربما تحمل كثيراً من الصدمة. ثمة 3 مسارات أساسية (مهارات، طرق في التفكير، أساليب في التدبير: سمها ما شئت) هي:
1- ضرورة هجران الدقة لمصلحة التشديد على أهمية الخطأ ووجوده Get Rid of Accuracy. لا نكران للخطأ، بل الأهم وضعه دائماً في الاعتبار والتفكير بأنه موجود فعلياً.
2- وضع الجهد باتجاه تجميع المعلومات والمزيد منها، ووضع المعلومات المتراكمة موضع الاستخدام اليومي والمستمر، Collect & Use a Lot of Data، خصوصاً مع تفتح آفاق واسعة في الحصول على المعلومات وتنويعها وتجميعها وتخزينها، وبكلفة تتدنى باستمرار.
3- التركيز على فهم العلاقات والروابط والميول بدل التشديد على البحث عن الأسباب والعلل Give Up On Causes- Accept Correlations! ربما لا يعجب كثير من العقول في عوالم العرب، هذا الكلام في هذا الكتاب الذي تجدر ترجمته إلى اللغة العربية لأنه ينطق عن لحظة العيش الحاضر مع تلمس جريء للمستقبل. ربما بدا غريباً لكثيرين أن يتخذ التقدم الأكثر قوة في العلم، بل دقة أيضاً، مدخلاً للمناداة بالقول بضرورة هجران الدقة. لعل الكلام يبدو مؤلماً لمن يتخذ العلم ملاذاً ومهرباً، وليس لمن ينظر إليه باعتباره تجربة فوارة وتحدٍ دائم وتمرد لا يهدأ. لنترك جانباً أولئك الذين دأبوا على أن يكونوا «مأخوذين» بالعلم (على طريقة تذكر الانجذاب الصوفي التقي، وهو أمر مفهوم دينياً)، بمعنى أن ينظروا إليه بوصفه شيئاً مُطلقاً ومتعالياً ومتسامياً وغيره من الألفاظ التي تشي بنوع من إسقاط مطلقات دينية على العلوم، بدل احترام وقوفها ضمن حدود العقل الإنساني، وعدم ادعائها بأنها مقدسة ولا مُطلقة.