المقالات
«الشيطان الألكتروني»
هناك ذهول يُقارب أحياناً الإعجاب بقدرات «داعش» الإعلامية. قدرته على استخدام الصورة وعلى توظيفها في وسائل التواصل الاجتماعي،
حازم الأمين
الأحد,8 فبراير 2015 - 01:23 م
مشاهدات: 257
هناك ذهول يُقارب أحياناً الإعجاب بقدرات «داعش» الإعلامية. قدرته على استخدام الصورة وعلى توظيفها في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى اجتذاب الإعلام التقليدي إلى حلبته، أي حلبة الصورة المثلومة بالدماء. ليس هذا فحسب، فالكلام الكثير عن عنف «داعش» وعن بربريته ينطوي أيضاً على قدر غائر من الإعجاب، ذاك أن ذهولنا يكشف أحياناً أثراً لشيطان في داخلنا تُداعبه تلك الصورة البشعة المنبعثة من الكومبيوتر غالباً.
«فيلم» إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حلّله معظم خبراء الصورة في العالم. علق عليه معظمنا بصفته أيقونة عنف القرن الحادي والعشرين. الكاميرات الحديثة المستخدمة، والزوايا التي التقطت منها الصور والمسرح المعَدّ بإتقان! ثم جاء المعقبون ليتوقعوا ما أراده «داعش» من وراء بثه.
والحال أن «داعش» لا يريد أكثر من ذلك، أي استدراجنا إلى خوف ممزوج بإعجاب. فالتقنيات متاحة للجميع ومن بينها هو، والخبرات متوافرة لمن يرغب في الاستثمار. أي شركة في العالم، مهما صغر حجمها متاح لها كل شيء. «داعش» لم يخترع شيئاً، ولم يُضف خدمة في مجال تقنيات التواصل الحديثة. فقط استعمل ما هو موجود، وهو حال أي طفل يتيح له أهله الاستغراق وراء شاشة الكومبيوتر.
ولعل الإيغال في تفسير الخطوات الدموية للتنظيم بصفتها عبقرية شيطانية هو جزء من لعبة التنظيم نفسه. فما أراده التنظيم من وراء تصوير إحراقه الكساسبة هو ما يريده أي شرير عادي من وراء تمثيله بجثة ضحيته. فهل سبق لنا أن سجلنا ذهولاً ممزوجاً بإعجاب جراء معاينتنا جريمة بشعة؟ كل التفسيرات لم تتوقف عند بداهة هذا التفسير.
«داعش» تنظيم أشرار، ونسبته إلى غير ذلك تُشكل خدمة مجانية له. السعي لتفسيره بغير هذا المعطى لا يفيد في مكافحته. القتل مهما تنوعت أساليبه يبقى قتلاً ولا يمكن نسبته إلى «ذكاء» حتى لو وصفناه بأنه ذكاء شيطاني. فغالباً ما كان القاتل ذكياً، وما كان الشرير ذكياً، لكن أيضاً غالباً ما كانت القيم أقوى وأذكى وأكثر قدرة على البقاء.
الغريب أن كثيرين أبدوا إعجاباً بقدرة «داعش» على استخدام وسائل التواصل الحديث، لكنهم لم يسبق أن أبدوا قدراً من الإعجاب بمن ابتكر هذه الوسائل وبمن طورها وجعلها في متناول الجميع. اعتبروا أن «داعش» فعال لأنه يجيد استخدامها وتوظيفها، لكنهم لا يُعطون انتباهاً لقدرة من اخترعها. كأن الشيطان الذي يقيم في الأشياء هو أهم من الأشياء نفسها. وهذه لعبة نفسية مدمرة. فلعبة البحث عن الشيطان لطالما حولت الفاعلين فيها شياطينَ. هذا تماماً ما جرى لكثيرين ممن ينشطون مع «داعش» اليوم. الهوس بفاعلية وسائل التواصل الاجتماعي قاد كثيرين إلى «داعش»، فهم ذهبوا في اللعبة إلى آخرها. اعتقدوا أن اللعبة أهم من أن تخدم أصحابها، وأنها ليست وسيلة، بل حياة يجب أن تُخاض إلى آخرها، وأن بلوغ الذروة في لعبها يتمثل في جعلها أهم من اللاعبين أنفسهم. هذه حرفياً هي الطريق الالكترونية إلى «داعش». هذا هو الإنحراف الذي يُحدثه تحويل التكنولوجيا إلى هوس بالتكنولوجيا لا إلى وظيفة أو سلوى. كثيرون ممن التحقوا بـ»داعش» من الغربيين تحديداً لا يربطهم بالتنظيم إلا هوسهم بأن يحولوا معارفهم الالكترونية إلى طاقة قاتلة.
«داعش» الألكترونية هي نقل التسلية من مجالها المزاجي واللهوي إلى حقول نفسية غائرة ومتصلة بقابلية عنفية أصلية. فإذا صح اعتقاد فرويد بأننا جميعنا ثمار أخطاء متراكمة، فإن ما يُقدمه لنا الانغماس في لعبة الانترنت من احتمالات لن يقل عن سكين نقتل بها من نشاء ومن بينهم أنفسنا.
يبقى أن الدافع الذي نحتاجه لموتنا أو لموت الآخرين يعوزه لكي يكتمل عنصر صغير من خارجنا. «داعش» التنظيم، و»داعش» المرض الغائر المقيم في معظمنا، يريد معجبين ويريد إدهاش مشاهدين ومتعقبين ومراقبين. لن يكون مجرماً مذهلاً من دون هؤلاء. المرض وحده لا يكفي. المرض لكي يصبح شيطاناً فاعلاً يحتاج إلى من يُصدقونه ويخافونه، وهم ليسوا بالضرورة مُصفقين، لا بل يُفضل أن يكونوا مذعورين... ونحن نُقدم هذه الخدمة لشيطاننا.