المقالات
«تشابل هيل»: الافتراضي ممراً لعودة المكبوت اللاعقلاني
الأرجح أن الذراع الرقمية لـ«داعش» لم تحتج إلى جهود كبيرة للربط بين مقتلة «تشابل هيل» في ولاية «نورث كارولينا»
أحمد مغربي
الأربعاء,18 فبراير 2015 - 10:38 ص
مشاهدات: 705
ومجزرة «شارلي إيبدو» في باريس، ربما لأن الجمهور الشبكي اندفع من تلقائه لضخّ نقاشات حساسّة وفائقة الأهميّة، عبر الفضاء الافتراضي للإنترنت، عن الأفكار المتصارعة في المجتمعات المعاصرة في زمن ما بعد الحداثة.
في تدفّق إلكتروني واسع سبق تغطية المؤسّسات الإعلاميّة، قيل كلام يعكس توترات كبرى في اللحظة المعاصرة. لم يتردّد بعضهم في القول أنه لو عُكِسَت الأدوار، وكان منفّذ مقتلة «تشابل هيل» عربيّاً مسلماً وضحاياه أميركيين يهوداً (وبينهم نساء)، أما كان ذلك من شأنه أن يقيم الدنيا ولا يقعدها، على الأقل إعلاميّاً؟
وقبل تفاصيل كثيرة، يجدر القول إن انتشار الإنترنت عالميّاً، وتحوّلها نسيجاً أساسيّاً في الحياة اليوميّة، ترافق مع تحوّل الفضاء الافتراضي ممراً مفّضلاً للإثنيات والهويّات بأنواعها وأحجامها، والتطرّف بأنواعه كتنظيم «القاعدة» و«جماعة حليقي الرؤوس» النازية، وجماعة «شيزي أوم» القوميّة المتطرفة في اليابان وغيرها.
كذلك سال حبر كثير في نقاش العلاقة بين الإنترنت وصعود كثير من الثقافات والذائقات التي ظنّت مجتمعات الحداثة أنها تجاوزتها، خصوصاً العرقيّة والعنصرية والنزعات الأقواميّة والهويات الصغيرة وغيرها. وعندما كرّست التقنية الرقميّة في الفن السابع المشهدية الثلاثيّة الأبعاد في فيلم «آفاتار» Avatar، تفجّر نقاش واسع عن كون ذلك الفيلم يحمل انحيازاً للهويات المحليّة والوطنية التي ترى أنها تخوض مجابهة للتحرّر من سيطرة هيمنات لقوى كبرى عالميّة الأمدية.
وفي مجزرة «تشابل هيل»، حضرت تلك الأشياء عبر الفضاء الافتراضي. وإضافة إلى الإرهاب الإسلاموي والإسلاموفوبيا والنقاشات المتّصلة بها، يلفت أن مرتكب تلك المجزرة، وهو الإرهابي الأميركي كريغ ستيفن هيكس، ترك على صفحته على «فايسبوك»، ما يشير إلى كونه ملحداً، وساعياً لإقامة عدالة يعتنقها بتطرف شخصي.
وفي تجربة الغرب، أن العلمانية المتطرّفة (توصف أكثر بعبارة «العقلانية المتوحّشة»)، هي ما يستدعى لوصف ظواهر كالشيوعيّة المتطرّفة والنازيّة، خصوصاً أن الأخيرة اعتمدت الصليب المعقوف رمزاً لها، في تحدٍ شرس لرمزية أساسيّة في الديانة المسيحيّة. واستطراداً، من المستطاع إدراج الإرهابي هيكس (منفّذ مقتلة «تشابل هيل»)، ضمن انبعاث مُكوّن لاعقلاني مكبوت في الثقافة الغربيّة، بمقدار ما أن الجماعات النازيّة كـ«سكن هيدز» تمثّل انبعاثاً لذلك المُكوّن اللاعقلاني عينه.
تلكؤ صامت رافقته ريبة
ضمن النبرة عينها، يلاحظ أنه لم تفصل سوى أيام بين المجزرتين الإرهابيتين في باريس و»نورث كارولينا». ونسجت الإنترنت بينهما ما لا يحصى من الخيوط المباشرة. وإضافة إلى صفحة الإرهابي هيكس على «فايسبوك»، والصفحة التي فتحت لتكريم ضحايا مقتلة «نورث كارولينا»، وصفحة شرطة مدينة «تشابل هيل» التي تحوّلت مصباً لتدفّقات إلكترونيّة، واندفاعة سيول من تغريدات الجمهور عبر «تويتر» (كثير منها ركّز على تأخر المؤسّسات الكبرى للإعلام الغربي في تغطية المجزرة) وغيرها. بدا شأناً حسّاساً أن ينتبه جمهور واسع، ليس بالضرورة أنه متعاطف مع التطرّف الجهادي الإسلاموي، إلى التأخّر في تغطية المجزرة، فيما الإعلام العام يسير مع الأحداث ثانية بثانية. وفي وقت صار وصول الخبر إلى الإعلام لا يقتضي أكثر من رفع الخليوي وتصويره، لاحظ جمهور متنوّع ضمنه عرب ومسلمون، أن مؤسّسات إعلاميّة متمرّسة ومهيمنة، لم تنقل الخبر عن مقتلة 3 طلاب جامعيين عرب مسلمين، إلا بتلكؤ كبير. ولاحظ أميركي غير مسلم أن إعلام بلاده ليس بعيداً عن الانحياز، عندما غرّد على «تويتر» أنه قرأ الخبر على الصفحة الإلكترونيّة لصحيفة الـ«إندبندنت» البريطانيّة، قبل أن يظهر على شاشات التلفزة الأميركية، على رغم ما اشتهرت به الأخيرة من ولع بتغطية الحوادث الساخنة، لحظة بلحظة.
والأرجح أن الإدانة الأكثر كثافة حملتها تغريدة على «تويتر» نقلت رسماً لتمثال «القردة الثلاثة» الشهير مع كلمات «لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم» موزّعة على القردة، الذين كتبت عليهم أسماء «سي أن أن» و«أن بي سي» و«رويترز»، وكلها مؤسّسات إعلاميّة غنيّة عن التعريف.
ولاحظ الجمهور الشبكي الدور الذي لعبته ثقافة الـ«إسلاموفوبيا» في مقتلة «تشابل هيل» وفي تلكؤ الإعلام العام الأميركي في تغطيتها، ما يذكر بتصاعد نبرة «الإسلاموفوبيا» بعد مجزرة الدواعش في باريس (ليست تظاهرات منظمة «بيغيدا» الكارهة للإسلام والمسلمين سوى أحد مظاهر التصعيد)، وبصعود ثقافة صراع الهويات والثقافات في العصر الرقمي.
لا دين للإرهاب
ليس بعيداً عن المشهد نفسه، أن مجزرة «شارلي إيبدو» أبرزت الدور الذي تؤدّيه شبكة الإنترنت في نشر ظاهرة الإرهاب والتطرّف. ربما تبدو تلك الظاهرة متلابسة مع إسلاموية متطرفة، لكن حصر الإرهاب المعاصر بالإسلام ليس سوى تفكير جزئي وانفعالي يخالطه الكثير من قصر النظر.
بديهي أن نقاش تلك المسألة يحتاج إلى نقاشات واسعة. وفي عودة إلى البُعد الرقمي في مقتلة «تشابل هيل»، تبرز تلك الكتابات التي وضعها الإرهابي الأميركي هيكس على صفحته في «فايسبوك».
وتذكّر تلك النصوص بأن مجموعة من مرتكبي الجرائم الجماعية الدامية في أميركا (يصعب وصفها كلها بالإرهاب، لأن ذلك يدفع إلى نقاش عن تعريف الإرهاب ومفهومه)، خصوصاً المقتلة الجماعية في «معهد التكنولوجيا- جامعة فرجينيا» (2007) التي ارتكبها الطالب سيونغ هوي تشو (23 سنة) الذي ترك على صفحته على «فايسبوك» نصوصاً تشبه مرافعة مسبقة عن جريمته ومبرّراتها. وتذكيراً، حاول تشو أن يصوّر نفسه بمظهر المنتقم الذي يسعى لإحقاق عدالة لا يقدمها المجتمع، ولكنه يصر عليها، ربما على طريقة «الكونت دي مونت كريستو».
وعلى المسار عينه، سار الشاب الأميركي المضطرب نفسيّاً آدم لانزا الذي لم يكتف بكتابة تبريريّة على «فايسبوك»، بل أنه دخل المدرسة الابتدائية في «نيوتاون» (2012) متنكّراً بزي جندي أميركي استوحاه من لعبة «كول أوف ديوتي» Call of Duty الشهيرة. وبتذكر أن ترجمة اسم اللعبة هو «نداء الواجب»، يتضّح أن لانزا كان يظن نفسه أيضاً منتقماً وساعياً لإقامة عدالة يراها مفقودة.