المقالات
العقلانيّة ليست مساراً صاعداً
قبل أربعين سنة وأكثر، وُلِد الفضاء الرقمي الافتراضي المشبّع بالذكاء.
الحياة
الأربعاء,18 فبراير 2015 - 10:41 ص
مشاهدات: 355
قبل أربعين سنة وأكثر، وُلِد الفضاء الرقمي الافتراضي المشبّع بالذكاء. استطاع فريق علمي قاده العالِم الأميركي ليونارد كلاينروك أن يربط بين كومبيوترين في جامعتين أميركيّتين. أدى ذلك إلى ولادة عالم جديد، في أكثر من معنى. وبعد ما يزيد على ثلاثة عقود، شبّه كلاينروك ما حدث بإنجاز وصول الإنسان إلى القمر. من اتصال عقلين اصطناعيّين يقومان على فكرة محاكاة الذكاء الإنساني والتشبيه عليه (بمعنى أنهما يحملان شيئاً ما عن حقيقة ذلك الذكاء من دون أن يكوناه فعلياً)، وُلد فضاء افتراضي مملوء بتلك العقول «المُحاكية».
وسرعان ما ظهر قلق أصيل حيال الذكاء الاصطناعي للإنترنت، لمّح إليه المفكّر الفرنسي جان بودريار في كتابه الذائع «النُسَخ الشبيهة والمحاكاة» Simulation & Simulacra، عبر استعادة حكمة توراتيّة منسوبة إلى الملك سليمان: «لا تخفي النسخةُ الشبيهة الشيءَ الحقيقي أبداً، بل إن الحقيقي هو الذي يخفي واقع عدم وجود شيء حقيقي. إن النسخة الشبيهة هي حقيقيّة».
جعل بودريار من تلك العبارة، مدخلاً لشرح مفهومه عن «الواقع الفائق» Hyper Reality، الذي يصف العيش الحاضر المتمازج بين الافتراضي والحقيقي. امتلأ الفضاء الافتراضي سريعاً بالذكاء البشري، وصار مساحة للتلاعب والتفاعل بين الذكاء التشبيهي للفضاء الافتراضي وعقول البشر.
ما يشبه ذكاء الشبكات
ثمة مثال شديد السخونة عن عيش الواقع الفائق حاضراً، المملوء بالتفاعل وتبادل الأدوار بين الحياة في فضاء الإنترنت والإنسان نفسه، يظهر في الشبكات الاجتماعيّة. يشبه الأمر افتتاح تاريخ جديد لعلاقة غير مسبوقة بين الإنسان و «فضاء ذكائه» في زمن ما بعد الحداثة.
ماذا لو جرت مقارنة بين فضاء اليونان وأساطيره وتنجيمه وفلاسفته، وبين فضاء الإنترنت الافتراضي؟ رأت أساطير اليونان السماء مكتظة بالآلهة التي تتحكّم بالكون والإنسان، والنجوم نيراناً لمعسكراتها الهائلة البعيدة. وظنّ الفلاسفة الأجرام السماوية عقولاً سامية (وجواهر للوجود)، تتصل بالعقل المُطلَق.
ولم يبعد أرسطو عن القول بذلك، كما بنى بطليموس نموذجه عن الكون بناءً لذلك التصوّر، الذي تضمّن حضور الإلهي في حياة الإنسان بكثافة، وإخضاع الإنسان لحتمية قدرية ترسمها النجوم الثابتة والمتحركة المرتسمة على الأبراج ودوائرها، ما يعني أن الشر في الأرض ينحصر في... الإنسان!
تبنّت الكنيسة، خصوصاً الكاثوليكيّة، مقولات أرسطو وبطليموس، إذ اتفقت مع مفهوم «الخطيئة الأصيلة» من جهة، ومع تدخّل الكنيسة في تحديد الشر والخير في أفعال الإنسان، باعتبارها تحمل مفاتيح فهم الإرادة الإلهيّة. وعندما أدار عالم الفلك الشهير غاليليو غاليلي تلسكوباً إلى القمر والنجوم، لم ير عقولاً ولا أجساماً روحانيّة، بل رأى كواكب وبُقعاً شمسيّة، تماماً كما سبق أن توقع العالِم كوبرنيكوس. وضع غاليلي مؤلَّفه «حوار بين النظامين الرئيسيّين في العالم»، وضمّنه سخرية من البابا.
ووفق غاليلي، ليس مجرد أن الأرض لم تعد مركز الكون فحسب، بل لم يعد الاتصال قائماً بين الإنسان والعقل المطلق (كناية عن الله). وصار الإنسان أقرب إلى أن يكون حراً ومسؤولاً عن أعماله، وخرجت الإرادة الإلهيّة من الأفعال الأرضيّة والوضعيّة.
كانت تلك فاتحة مشروع العقلانية الكبير الذي أصابه الوهن لاحقاً. جاء الفيلسوف رينيه ديكارت ليكمل القطيعة مع التصوّر اليوناني ومتفرّعاته، إلى حدّ كبير. وعاد ديكارت إلى تعريف أرسطو للفلسفة، مشدّداً على أنها بحث، فجعلها تستند إلى المنهج، خصوصاً الرياضيات. أثارت أفكار ديكارت نقاشات كبرى، ضمنها سؤال عن العقل. بقي شيء من الالتباس في تصوّر ديكارت عنه. الأهم أن مشروع العقلانيّة ذلك لم يكن سيراً ظافراً صاعداً. ولم تنفخ العقلانية عاصفة اقتلعت ما قبلها وأسّست لما تلاها. الأرجح أن ذلك ليس إلا وهم. بقيت لاعقلانية القرون الوسطى قائمة. من المهم استعادة ذلك الأمر، لأن العقلانيةّ نقلت علاقة الإنسان مع الفضاء والطبيعة إلى كونها بحثاً واكتشافاً، خصوصاً أن نظريّات إسحاق نيوتن كرست أن قوانين الفيزياء ومعادلاتها تسري على الأشياء كافة. ونسف نيوتن ذلك الفضاء الغيبي الذي يعجّ بأجسام سماويّة سامية (كـ «المُثُل الجوهريّة» عند أفلاطون) وبالعقول المتعالية التي تخيّلها أرسطو. بات الاكتشاف، بصيغ متنوِّعة، هو علاقة التفاعل بين عقل الإنسان والكون.
الأهم من ذلك إن مفهوم «نموذج الكومبيوتر» بدّل في صلب تفكير عقل الإنسان بالطبيعية والكون، إذ حلّ النموذج الافتراضي بديلاً للتجربة، وبالأحرى صار هو صلب التفاعل بين العقل والطبيعة.
مرة أخرى، هناك إنهاك واضح، لأن «النموذج الرقمي» يعتمد على الرياضيات التي تعبّر عن علاقات الأشياء، لكنها لا تستطيع ان تكون أشياء فعليّاً. وهناك أيضاً تحدّ مضاعف يزيد الارتياب واللايقين، وهو يأتي من الرياضيات غير التقليديّة ونظرية الفوضى والفيزياء الكموميّة.
بالاختصار، استولى الافتراضي ونماذجه المتعدّدة المتذررة على كثير من العقل، وأنهك العقلانيّة، وأفلت كثيراً من اللاعقلانيّة، لكنه أوحى أيضاً بأن إشكاليّة الوجود الإنساني في الكون والزمان وأسئلتها العميقة، لم تنته روايتها.