المقالات
الجغرافيا تفرض حدودها على الإنترنت بفضل...«داعش»!
على عكس الوعود الزاهية بعولمة الكرة الأرضيّة وتحويلها قرية صغيرة متكافلة تحس شعوبها بأنها جيران متضامنون،
الحياة
الأحد,22 مارس 2015 - 07:27 ص
مشاهدات: 135
على عكس الوعود الزاهية بعولمة الكرة الأرضيّة وتحويلها قرية صغيرة متكافلة تحس شعوبها بأنها جيران متضامنون، يبدو أن تقنيات الإنترنت باتت عنصراً مدعماً للتمايز والتنافس (وربما الصراع والتناحر)، بين الهويات والشعوب والإثنيات والأقليّات والديانات وغيرها.
لنبدأ النقاش من دم ما زال ساخناً، إذ يتوقع كثيرون أن تؤدي ضربات الإرهاب في باريس في الخامس من كانون الثاني (يناير) الماضي، إلى زيادة النقاش في الرقابة على الإنترنت، وحدودها ووسائلها وتشريعاتها وغيرها.
ومن بين الأبعاد الكثيرة لذلك الشأن الشائك، الأرجح أن تسعر عملية «داعش» الإرهابيّة في فرنسا، النقاش عن أحد الجوانب المعولمة في الإنترنت، خصوصاً التقنيّة الشبكيّة المتقدّمة المعروفة باسم «حوسبة السحاب» Cloud Computing، مع الإشارة إلى ان النقاش في تلك المسألة سبق كثيراً مع ضربات الإرهاب في باريس.
فعلى عكس الصورة الشائعة عن الانترنت بأنها أداة رئيســيّة للعولمة المعــاصرة واجــتياحها الحدود المــتنوّعة، يتوقع أن تؤدّي «حوسبة السحاب» إلى تعزيز الجــغرافيا وحدود الكيانات الجغرافيّة- الــسياسيّة، لا بد من المسارعة إلى القول بأن هذا التناقض لا يلغي الصورة العامة عن العلاقة بين الانترنت والعولمة، لكنه يندرج في إطار التناقضات الكثيرة التي تتفاعل في قلب العولمة المعاصرة أيضاً.
«حوسبة السحاب»
تذكيراً، تستند «حوسبة السحاب» إلى مفهوم قوامه تمكين كل فرد من الوصول إلى كل ملفاته وبياناته وأعماله الرقميّة، بفضل مراكمتها في مخازن كبرى (هي «السُحُب») على الانترنت، بغض النظر عن مكان تواجده وزمانه وحتى الأداة التي يستعملها في الدخول الى الشبكة العنكبوتيّة الدوليّة. فمثلاً، تنقل تسجيلاتك الموسيقية المفضّلة من كومبيوترك المكتبي في المنزل إلى «سحابة» الصوت «فويس كلاود.كوم» voicecloud.com، فتستطيع الاستماع إليها حتى لو سافرت إلى أقصى الأرض، وباستماع أي جهاز يوصلك إلى الانترنت. ومع توسّع استخدام «حوسبة السحاب» في التجارة الإلكترونيّة والبنوك الرقميّة، صارت الحسابات البنكيّة للأفراد ومعاملاتهم الماليّة كافة، قابلة للتنقّل عبر القارات أيضاً. ربما الأبرز تقنيّاً هو إمكان وضع برامج رقميّة على «السُحُب» للعمل عليها، مع تطويرها بصورة مستمرة. يستطيع بنك أن يضع على «السُحُب» برنامجه الإلكتروني الذي يدير بواسطته حسابات عملائه، فيستطيع إداريّوه وجمهوره استعماله بصورة متحرّرة من قيود الزمان والمكان. وبمعنى ما، تمثّل تقنيّة «حوسبة السحاب» مدخلاً لعولمة فردية متفلّتة من كل قيود الجغرافيا وحدودها وكياناتها.
وخلال السنوات القليلة الماضيّة، وظّفت الشركات الكبرى أموالاً طائلة في «حوسبة السحاب»، مترافقة مع ترويج واسع لها، ورسم صورة زاهية عن قدراتها ومستويات الأمن المعلوماتي فيها. ووفق مصادر متنوّعة، ضخّت الشركات المعلوماتيّة الكبرى قرابة 111 بليون دولار في «سُحُب الانترنت» في عام 2012، ثم ارتفع الرقم نفسه إلى 131 بليون دولار في 2013 و154 بليون دولار في العام 2014.
في المقابل، يبدو أن الخبرة العملية مع تلك التقنية لا تنسجم مع صورتها الزاهية، ولا حتى مع عولمتها الفائضة. وحتى قبل التجربة، أبدى بعض خبراء الشأن المعلوماتي شكوكاً أساسيّة بشأنها. ولم يتردّد أحد خبراء الذكاء الاصطناعي في اقتباس وصف المفكر الفرنسي الشهير موليير للنثر في عمله «الرجل النبيل»، لتشبيهه مع «حوسبة السحاب»، إذ ذكّر بأن موليير وصف النثر بأنه شيء شائع استخدامه كما لو كان أمراً سهلاً، لكنه فائق التعقيد فعليّاً. واستطرد ليقول أن «سُحُب الانترنت» تملك ملمحاً مشابِهاً. ويستطيب بعض الأفراد سهولة استخدام «السُحُب»، من دون أن يولوا اهتماماً كافيّاً لما تتضمنّه من مخاطر متنوّعة.
وإذ يتشارك الأفراد بكثافة في «السُحُب» الشبكيّة عينها، ترتفع خطورة أن تتحول «السُحُب» ملعباً مفتوحاً أمام كل من هو متمرّس في تقنياتها، بغض النظر عن مقاصده وطُرُق استعماله لتلك «السُحُب». ويندرج في تلك القائمة الخطيرة محترفو سرقة البيانات البنكيّة، والناشطون السياسيون، ومجموعات اختراق الشبكات، وأجهزة الاستخبارات الحكوميّة وغيرها.
ربما بدا مفهوماً القول إن الفضيحة الكبرى التي فجّرها خبير المعلوماتيّة الأميركي إدوارد سنودن، ساهمت في زيادة الوعي العام عن أمن المعلومات والخصوصيّة الفردية على الانترنت. وترافق ذلك مع توسّع مساحة النقاش العام، على مستوى دولي، في ذلك الشأن. وفي السنة الفائتة، تسربت بيانات شخصيّة ومؤسساتيّة من سُحُب متنوّعة، على غرار ما حدث مع مجموعة من شهيرات هوليوود والموضة وكذلك شركة «سوني» وغيرها.
الدولة وأحضانها الدافئة
بين متابعي الشأن المعلوماتي، شرعت بعض الأصوات تعلو مطالبةً بتحويل «السُحُب» إلى معطى دُوَلاتي، على غرار ما ذهب إليه أخيراً المحلّل المعلوماتي البريطاني باتريك لاين. ويقصد بذلك أن تتقيّد «السُحُب» بحدود كيان جغرافي- سياسي محدّد، بديلاً من بقائها مفتوحة عالميّاً، مع ملاحظة أن تمركز الحواسيب الأساسيّة للانترنت في الولايات المتحدة يعطي لصفة العالميّة طابعاً أميركيّاً واضحاً. وبذا، يفهم من القول بأن تصبح «سُحُب الانترنت» عالميّة أقل، أن تكون أميركيّة أقل أيضاً!
لا يمثّل العمل على مستوى دولة أو كيان جغرافي- سياسي محدّد، أمراً جديداً على الانترنت، حتى بغض النظر عن تدخل مؤسّسة الدولة في ذلك، إذ تراعى الحدود الجغرافية في كثير من مواقع الألعاب الإلكترونيّة، والمستشفيات الكبرى ومؤسّسات الرعاية الصحيّة الوطنيّة وغيرها. وكذلك تميل المؤسسات المعلوماتيّة التي تدير أعمالاً ضخمة على مستوى معولم، إلى إنشاء مراكز معلومات إقليمية أو دُولاتيّة، كي تؤدي أعمالها بطريقة أسرع وأكثر تفاعلاً مع الجمهور ومعطياته ومواصفاته.
وحتى قبل مشكلة سنودن، عمدت الدولة الفرنسيّة في العام 2012 إلى دعم شركتين محليتين، هما «كلاودواط» Cloudwatt و«نومِرجي» Numergy، كي تقدّما خدمة «حوسبة السحاب» ضمن حدود فرنسا.
وعقب تفجّر فضيحة تجسّس «وكالة الأمن القومي» الأميركيّة على العالم، ارتفع صوت نيللي كرويس، وهي المسؤولة الأولى عن الأجندة الرقميّة في الاتحاد الأوروبي، لتنادي بأن «لا توضع أوروبا تحت رحمة مقدّمي خدمة «حوسبة السحاب» الذين يستقر معظمهم خارج أوروبا»، وفق تصريح لها تناقلته وسائل الإعلام في خريف عام 2013.
ولاقت صرختها استجابة فوريّة في ألمانيا التي صرح أكثر من مسؤول فيها بضرورة أن يجري التحكّم بالاتصالات والشبكات، داخل حدود الاتحاد الأوروبي، وفق ما أشارت إليه مجلة «إيكونومست» البريطانيّة أخيراً.