الأخبار
ورق اللعب ينحاز إلى الروبوت وانتصاراته
قبل أن يشهق أحد باستغراب، يجب قول عبارة ليست غريبة: البشر هزموا أمام الكومبيوتر تكراراً ومراراً، وفي الأرض كما في السماء. وليست هزيمتهم في لعبة الورق في مستهل عام 2015، سوى حلقة جديدة من مسلسل طويل، ربما يفوق عدداً حلقات المسلسلات المكسيكية والتركيّة معاً.
الحياة
الأحد,5 أبريل 2015 - 11:36 ص
مشاهدات: 156
ويزيد من فداحة الهزيمة أن الفوز يقتضي توافر نوع من الذكاء لم يكن معتقداً من قبل أن الكومبيوتر يستطيع التأقلم معه. إذاً، فلتذرف الدموع غزيرة على هزيمة البشر أمام من صنعوه بأيديهم وأفكارهم بل خيالاتهم أيضاً.
على رقعة متفاخرة
ويرد إلى الذهن الهزيمة المدويّة لبطل الشطرنج الأسطوري غاري كاسباروف أمام الكومبيوتر «ديب بلو» في عام 1997. كسب الكومبيوتر جولة أولى في عام 1996، دخلت التاريخ تحت اسم «غايم 1» Game 1. واستطاع كاسباروف تدارك هزيمته، لكن الفرحة لم تدم طويلاً. وبعد سلسلة من الجولات، سجّل الكومبيوتر فوزاً ساحقاً، إذ لم يكتف بهزيمة البطل الأسطوري كاسباروف، بل أن جولة الفوز في آخر المباراة لم تدم سوى أقل من ساعة، ولم يحتاج الكومبيوتر لسوى 17 نقلة ليهزم أحد ألمع أبطال البشر في تاريخ الشطرنج.
حينها، سارع منظّرو الهزائم، لتبرير الهزيمة، بمعنى نفيها وتتفيهها. وأثناء مؤتمر عقده قسم البحوث والتطوير في شركة مايكروسوفت في عام 2001، ارتفعت أصوات بعض الاختصاصيين لتقول إن الشطرنج ليس مقياساً لذكاء البشر، بل أنه لا يمثّل سوى جانب ضيّق وتكراري و»ميكانيكي» منه.
وكان القصد في ذلك أن الشطرنج يخضع لمعادلات حسابيّة صارمة، لكنها محدودة العدد. ولا يستخدم من الذكاء سوى حساب الخانات والمربعات والخطوط والحجارة والنقلات، ثم تكرار الحساب مراراً وتكراراً عند كل نقلة! ويتضمن ذكاء البشر أشياء من نوع ابتكار ما هو غير موجود، والحدس بما لا يظهر في الحساب والمعادلات، إضافة إلى الذكاء العاطفي والتواصلي وغيرها.
لم تطل تلك التبريرات الهزائميّة طويلاً، بغض النظر عن صحتها، لأنها ليست غير واقعية كليّاً، بل تعبّر عن مدى تعقيد ظاهرة الذكاء البشري.
وسرعان ما تبيّن أن هزيمة الإنسان أمام الكومبيوتر في الشطرنج لم تكن سوى مطلع لنشيد هزائمي طويل. وسرعان ما تكرّرت معزوفة الانهزام، أمام شاشات التلفزيون هذه المرّة، عندما تغلّب الكومبيوتر «واطسون» على منافسيه البشر في برنامج مسابقة معلومات مسليّة يشتهر أميركيّاً باسم «جيوباردي» Jeopardy. وفاز «واطسون» في المسابقة للمرة الأولى في 2004، لكنه فوزه في عام 2013 أدخله موسوعة «غينيس» بوصفه «الأكثر ربحاً لأموال مسابقات التلفزيون».
وتختلف نوعية الذكاء المطلوب للفوز بمسابقة «جيوباردي» بأنها لا تقتصر على اختزان المعلومات (وهو أمر بديهي أن تتفوّق فيه الآلات الإلكترونيّة)، ولكنها تتضمّن استعمال تلك المعلومات بطرق متنوّعة، تصل أحياناً إلى الحدس والتخمين.
إضافة إلى ذلك، تتطلب الأسئلة في «جيوباردي»، وهي سهلة تماماً بالنسبة إلى البشر، فهم السياق التواصلي الذي تأتي فيه المعلومات والكلام المعبر عنها أثناء عملية التواصل.
ولأزمنة طويلة، ساد تفكير بأن تلك المزايا بعيدة عن الكومبيوتر، بل أن الاختبار المعروف باسم «اختبار تورينغ» يدور حول الأسئلة البسيطة التي يفهمها البشر بديهيّاً كما يدركون سياقها من دون أن يشرح لهم ذلك، عبر فهم سياق التواصل الذي تجري فيه. وبالاختصار، يتضمن الذكاء المطلوب للفوز بمسابقة «جيوبارودي» أنواعاً من الذكاء لم يتضمّنها الفوز بالشطرنج.
وحاضراً، ينكب «واطسون» على دراسة الطب، على أمل هزيمة البشر في ذلك العلم أيضاً.
بين العامين 2004 و2013، فاز الكومبيوتر على الإنسان في لعبة الـ»داما» الشهيرة. ولكن الأشد مرارة من اندحارات الرُقَع والشاشات، هو المسلسل الضخم لهزائم البشر أمام الكومبيوتر في الفضاء، بل أنها هزائم ربما تستدر دموعاً. إذ سبق الكومبيوتر البشر في المشي على المريخ، بفضل تألّق الروبوتين- السيّارتين «سبيريت» و»أوبوتشونيتي» في أواخر عام 2006، وهما وصلا الكوكب الأحمر فيما ما زال البشر لحد الآن يخطّطون لإرسال ممثلين عنهم إلى ذلك الكوكب.
لنضع الأوراق على الطاولة
في السنة المنصرمة، سبق الروبوت صُنّاعه البشر في الهبوط على مذنّب «غراسيمنكو» بعد أن وصل إليه محمولاً على مركبة الفضاء الأوروبيّة «روزويتا». وليس الحدثان سوى قطرة من سيل طويل، لأن كل مكان وصل إليه شيء من صنع الحضارة في الفضاء، كان وصولاً للروبوت على حساب البشر، خصوصاً الكواكب السيّارة.
لا داعي للسؤال عمن وصل تكراراً إلى المشتري وزحل ولا من دار حول عطارد والزهرة، بل حتى من دار حول الشمس. الإجابة سهلة وواضحة ومباشرة: إنه الكومبيوتر.
مع بداية عام 2015، حلّت بالبشر هزيمة جديدة، لكنها نوعيّة أيضاً، إذ صنع علماء أميركيون برنامجاً للعبة البوكر الشهيرة استطاع أن يهزم كل من لعب ضدّه.
وعلى رغم المسلسل المكسيكي- التركي الضخم لهزائم البشر أمام الكومبيوتر، لم يتمالك علماء جامعة «آلبرتا» في «أدمنتون» في كندا، أنفسهم من التفاخر بذلك الإنجاز. وفي أحاديث تناقلتها وسائل الإعلام الغربيّة بكثافة (وغابت «بكثافة» مماثلة عن الإعلام العربي)، أوضح البروفسور مايكل بولينغ أن الانتصار في لعبة الورق هو خطوة نوعيّة في تطوّر الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence.
ولعل من يلعبون البوكر خمّنوا السبب، أما من لا يلهون بتلك الأوراق، فيجدر تذكيرهم بأن لعبة البوكر تعتمد في جزء منها على تخمين ما يفكر به الآخرون، خصوصاً أن أوراقهم تكون مخبّأة ولا يعرفها سواهم. وتتضمن لعبة البوكر كثيراً من المناورة والمداورة والـ»بلف» والإيحاء بما ليس حقيقياً وغيرها. ولا تتضمن لعبة الشطرنج تلك الأشياء، لأن كل الحجارة والنقلات مكشوفة، بل أنها محكومة بقوانين صارمة. أين تكون الساحة المقبلة لهزيمة بني الإنسان؟