الأخبار
وسادة الماضي العلمي لا تشفي قلق الحاضر العربي
لأسباب كثيرة، يظهر الشطر الأكبر من اعتزاز العرب بماضيهم العلمي زائفاً! ويزيد الزيف عندما يصبح مدخلاً لخطاب منتفخ ذاتياً، غالباً ما تلقيه وجوه محتقنة بأوردة منتفخة من شدّة الصراخ، مع تقطيب قوي يزيد مظهرها صرامة، ولا أعرف هل أنها مفتعلة أم أنها تصدر عن اقتناع ترسّخ... ربما من دون نقاش عميق؟
أحمد مغربي
الأحد,19 يوليو 2015 - 05:18 ص
مشاهدات: 99
لعل تلك الكلمات جارحة. ربما أغضبت البعض. ربما فُسّرت خطأً. ولكن القلق من تضخّم خيال الذات العربيّة في مرآة الماضي، ربما كان مشروعاً ببساطة لأن ذلك الخيال المتضخّم هو بعيد جداً عن واقعها، خصوصاً في العلوم.
في الولايات المتحدة، البلد الذي تُدهِش علومه وتقنيّاته العالم يوميّاً، هناك نقاش يفور بالقلق العميق عن مسار الابتكار العلمي.
كانت إحدى محطّاته البارزة صدور كتاب «من الصفر إلى الواحد: كيف نبني المستقبل» Zero to One: How to Build the Future، من تأليف بيتر ثاييل، وهو أستاذ معلوماتيّة في جامعة «برنستون» العريقة. ويتمحور الكتاب حول القلق على مسار الابتكار التقني في أميركا (بل حتى عالميّاً)، خصوصاً في المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة.
ويشير الكتاب إلى أن الخمسين سنة التي تلت العام 1915، شهدت ظهور الراديو والتلفزيون والمضادات الحيويّة والصاروخ والقمر الاصطناعي والقنبلة الذريّة والرقاقة الإلكترونيّة وأشباه الموصلات والأوتوسترادات الضخمة ونُظُم التكييف للمنازل والمباني و... والكومبيوتر نفسه، لأن أول كومبيوتر فعلي كان الـ»إينياك» ENIAC الذي أنجِز في العام 1946. وبنبرة لا تخلو من التحدي، يشير ثاييل إلى أن تلك الابتكارات بدّلت حياة الناس على الكرة الأرضية، بينما النصف قرن التالي للعام 1965، لم يكن حافلاً بابتكارات من نوع مماثل، بمعنى أن تكون قادرة على إحداث تغيير أساسيّ في صورة الحياة على الأرض.
في المقابل، لا يغفل ثاييل أن يصنّف في خانة التقدّم التغييري مبتكرات كالإنترنت و»غوغل» و»آي باد» و»آي بود» و»أوبر» Uber، مع ملاحظة أنه كان في طليعة من دعم مارك زوكربرغ في «فايسبوك» عبر ضخّ الأموال في تلك الشبكة الاجتماعيّة الرقميّة. ولا تمنع تلك القائمة ثاييل من الاستمرار في القلق على مستقبل الابتكار في أميركا. لماذا لا ينام الأميركيّون على منجزاتهم الهائلة في العلوم، على رغم أنها تستمر في هزّ العالم؟
في سياق مُشابِه، قبل فترة غير بعيدة، خصّصت مجلة الـ»إيكونومست» البريطانية محوراً ضخماً لمحاولة ملامسة سؤال مهم: ماذا نخرج عندما نقارن علميّاً الفترة الممتدة بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، وبين ثورة المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة؟ أرست الحقبة الأولى صورة العيش المعاصر المتقدّم عبر اكتشاف (ثم توظيف وانتشار) الكهرباء والقطار والسيّارة (مع شبكاتها وطرقها وأوتوستراداتها) والطائرة والغواصة والتلغراف والراديو والهاتف والتلفزيون والصاروخ والمسجّل والأسطوانات الفينيل والبطاريات والسفن الميكانيكية ونظرية الذرّة وتأسيس علم النفس الحديث والفيزياء الكموميّة Quantum Physics (التي تعمل بموجبها حاضراً معظم الابتكارات الرقمية وضمنها الإنترنت) ونظرية إينشتاين في النسبية، ونظرية هابل عن توسّع الكون و...غيرها. ثم أجرت الـ»إيكونومست» مقارنة بين تلك الحقبة مع ثورة المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة، وما تتدفق به من أجهزة وشبكات وبث رقمي عبر الأقمار الاصطناعية وأجهزة ذكية وكومبيوترات خارقة وغيرها. ورأت أن الفترة الراهنة لم تُغيّر حياة البشر بالقوة التي فعلتها الحقبة الأولى! لماذا لا يغفو الغرب على تلك المنجزات، فيما يغرق العرب نوماً على ماضٍ صار غائر البعد عن إيقاع الزمن؟
الذاكرة وحدها لا تكفي
ليس المهم النتائج التي توصّل إليها كتاب الأميركي ثاييل أو مجلة الـ»إيكونومِسْت»، وهي قابلة للنقاش. ما يثير فعلياً هو السؤال نفسه. إذ يعني أن المجتمعات الصناعية الحديثة تتعامل مع إنجازاتها في الماضي، عبر مقارنتها مع... الحاضر، وأساساً مع استمراريتها. لا ميل لتحويل إنجازات علماء الماضي إلى «عبادة» مُضمَرَة، بمعنى الجمود أمامها وتمجيدها وانعدام الجرأة ليس على نقدها، بل على طرح الأسئلة الأبسط عنها. لماذا لم يستمر ما ابتدأه العرب ماضياً؟ ما هي الخلاصة عن مقارنة حاضر توقّف فيه مسار الابتكار العربي علمياً، وتقلّص في معظمه إلى استهلاك للعلم والتقنية؟
في الغرب، حاضر الابتكار يسأل نفسه عن مدى قدرته على التأسيس للمستقبل، عبر تذكّر أنه تأسّس على إنجازات الماضي. في الحاضر العربي: هناك تفاخر متحجّر يكتفي باجترار الماضي، بل يصل في عُصابيته إلى جرّ تفاخره على الآخرين، بصورة تفضح التخلف وعقدة النقص! أليس تحجّراً وتخلّفاً القول أن أوروبا «أخذت» علوم العرب وطوّرتها، مع إغفال واقع أن حاضر العرب ليس فيه أخذ بعلوم الغرب فعلياً، ولا مشاركة في تطوّرها! لا يكتفي التفاخر الزائف بالتحجّر، بل لا تتردّد بعض الأفواه المُزبِدَة في الوصول إلى خلاصة تشبه القول بـ»إنّ آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صَلُحِ به أوّلُه»! لماذا الغرب «الغبي» لا يصل إلى الخلاصة عينها، ولا يقول بضرورة أن يرجع القهقرى إلى ما كان عليه، كي يُقلّده بطريقة تشبه الببغاء، كي يستعيد أمجاده؟ لماذا يصرّ الذين يتابعون الابتكار بالنظر إلى الماضي، استناداً إلى الحاضر وتطلّعاً إلى المستقبل، وليس بالاجترار المتكرّر للزمن وأمثولاته؟ لماذا لا يتذكر من يجتر «الماضي المجيد» أنه مجد أُنجِز بانفتاح العقول والأيدي وتنوّعها الذي شمل كافة الأديان والمذاهب والشعوب التي عاشت ضمن الحضارة العربية- الإسلامية، وبانفتاح على حضارات الشعوب كافة، من الهند والصين ووصولاً إلى اليونان؟ لعله يتململ في قبره الشاعر العربي الذي قال ذات مرّة: «فاضرب البازي بالعقاب وحارب/ بسلاح العلم، أو لا تحارب». وربما يجب الاعتذار لقائل هذه الكلمات، مع كثير من الحسرة، وربما كثير من اليأس أيضاً، لولا تفاؤل الإرادة الذي يتحدى تشاؤم العقل.