الأخبار
الأسلحة غير القاتلة... قناع أسطوري معاصر لقمع قاسٍ
في فلسفة دفاعه عن إنتاج الأسلحة غير القاتلة Non Lethal Weapons، يورد الموقع الإلكتروني لـ «المعهد الوطني (الأميركي) للعدالة» النص التالي: «إن الولايات المتحدة تصمّم الأسلحة والذخائر غير القاتلة بغية الإرباك والتشتيت والإذهال الموقت، لمواجهة أشخاص يحتمل أن يكونوا مصدر تهديد جدي لها... إذ طُوّرت الأسلحة غير القاتلة من أجل تأمين دعم لوجيستي منطقي وتخفيف استعمال القوّة القصوى والعنصر البشري، باعتبارها بدائل عن القوّة القاتلة».
أحمد شعلان أستاذ جامعي لبناني
الأحد,26 يوليو 2015 - 01:39 م
مشاهدات: 118
وثمة نص لافت في «لائحة التكنولوجيّات المتطوّرة» في وزارة الدفاع الأميركيّة، يرد فيه «أن الرغبة في تقليل الوفيات في النزاعات المستقبليّة المسلحة، وفي دعم السيناريوات المتصلة بالعمليات غير الحربيّة Operations Other Than War، أدّت إلى زيادة الاهتمام بتطوير التقنيات للأسلحة غير القاتلة... إذ تتيح للقادة خيارات لمواجهة مواقف لا يكون فيها استعمال القوة القاتلة هو الخيار الأفضل. وتملي متطلّبات سياسيّة وديبلوماسيّة واقتصاديّة مستقبليّة، ألاّ تتضمّن العمليات الأمنيّة والعسكريّة إيقاع أعداد كبيرة من القتلى في صفــوف قوات الولايات المتحدة.
وفي المقابل، تقلّل الأسلحة غير القاتلة من الأضرار في صفوف المدنيين وممتلكاتهم. كما يعتبر ضبط الجماهير عند إجراء مهمات حفظ السلام، وإيصال مساعدات إنسانيّة، من الأعمال التي توازي بأهميّتها عمليات تدمير سلاح العدو وقواته. لذا، فإنّ تزايد الطلب على الخدمات العسكرية لأداء عمليات أخرى غير الحرب، يساهم في تنامي الحاجة إلى الأسلحة غير القاتلة». والحق أن تلك الكلمات تدفع إلى التفاؤل بتلك الأنواع من الأسلحة، فهل يتطابق ذلك مع معطياتها فعلياً؟
البحث عن التقنيّات
في أواخر العام المنصرم، طوّرت الولايات المتحدة تكنولوجيا تتعلّق بسلاح كهرومغناطيسي لمكافحة الشغب، يستطيع إحداث حروق في الجلد من مسافة كبيرة. وأطلق على السلاح الجديد اسم «شعاع الألم».
واعتماداً على فلسفة الألم بدلاً من الإماتة أو الإعاقة الدائمة، يعتقد مطوّرو الجهاز أنه أكثر رحمة وإنسانية (وتأثيراً أيضاً) من الأسلحة التقليدية القاتلة. وعند الشعور بالألم، تكون الاستجابة الأولى التلقائيّة هي الهروب من المواجهة والابتعاد عن مصدر الألم. ويبيّن تقرير نشرته مختبرات البحوث التابعة لإدارة القوة الجوية الأميركية، أن «شعاع الألم» يخترق الجلد لمسافة تقل عن نصف ملليمتر، ما يتكفل بإحداث ألم شديد نظراً لتركّز أعصاب الحسّ في الطبقة العليا من الجلد.
وجاء السلاح تتويجاً لسنوات من البحوث في مختبرات إدارة السلاح الجوي الأميركي، بكلفة بلغت قرابة 40 مليون دولار.
وفي المقابل، ما لا يرد في الوثائق السابقة الذكر، يكشفه تقرير ذائع الصيت بعنوان «خطة حلف الناتو حول الأسلحة غير القاتلة». ويورد التقرير «إن الأسلحة غير القاتلة يمكن أن تستعمل عملياً بالتنسيق مع أنظمة التسلّح التقليدي من أجل تعزيز فعاليّة الأخيرة وتعزيز مردود إجمالي العمليات العسكرية». كذلك ينص أحد التقارير التقنيّة التي صدرت عن حلف الـ «ناتو» تحت عنوان «الأسلحة غير القاتلة والعمليات المستقبلية لتدعيم السلام»، على ما يلي: «إذا أُحسن اختيار ذبذبتها واستعمالها، فإن قوة الأسلحة الصوتيّة تستطيع النيل حتى من أكثر الأفراد حماساً وتحفزاً. وإذا أُسيء استعمالها، فباستطاعتها تخريب الجهاز السمعي للأفراد المستهدفين إلى الأبد».
ويتحدث التقرير نفسه عن أسلحة الطاقة الموجّهة، فيقول «إن الآثار الفيزيولوجية البعيدة المدى لموجات الـ «ميكرووايف» التي يتلقاها الفرد لا تزال قيد الدرس من ناحية مقدار الجرعة القصوى المقبولة، والمفعول التراكمي للتعرض المتكرر وغيرهما... ويعتبر غياب النتائج النهائية حتى الآن، عقبة أساسيّة أمام استعمال تلك الموجات في الأسلحة الحديثة».
درس من موسكو
يشير ذلك الاعتراف إلى غياب الدراسات الكافية عن الآثار الصحيّة البعيدة المدى. وعلى رغم ذلك، بادر الأميركيون إلى استعمال تلك الأسلحة منذ العام 2003 سراً وعلناً. وحينها، أعلن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أمام نواب من الكونغرس نيته استخدام الأسلحة غير القاتلة في حرب العراق، ليس بديلاً للأسلحة القاتلة بل كمتمم تكتيكي لها. وفي دفاعه عن استعمال غازات تشلّ الأجسام، وصف رامسفيلد تلك الأسلحة (التي تشمل الـ «فنتانيل» المشتقّ من المورفين) بـ «العقاقير العسكرية غير المميتة». وأضاف الوزير أن تلك الغازات يؤمل منها مجرد تخدير الجموع الغاضبة وتهدئتها. ويمكن تأمل مدى «مصداقية» رامسفيلد بالإشارة إلى أن تلك المادة عينها استخدمتها قوات الأمن الروسية لإنهاء عملية متمردين شيشانيّين، ما أدى إلى قتل 120 من الرهائن والخاطفين في مسرح «قصر موسكو للثقافة» في 26/10/2002!
عقب تلك المأساة في مسرح موسكو، وصف وزير الصحة الروسي آنذاك «يوري شفشنكو» الـ «فنتانيل» بأنه مخدّر سريع يفوق المورفين بـ 100 مرّة.
وتجدر الإشارة إلى أن استعمال ذلك النوع من الأسلحة الكيماويّة المخدّرة يتعارض مع «الاتفاقيّة الدوليّة حول تطوير الأسلحة الكيماويّة وإنتاجها وتخزينها واستعمالها»، التي صُدّقت من قبل 120 بلداً، بينها الولايات المتحدة. وتعهدت الدول بموجبها تدمير ترسانات الأسلحة الكيماويّة لديها قبل العام 2007. وعلى رغم مرور ما يزيد على العقدين على توقيع المعاهدة، لا تزال الأسلحة الكيماويّة موجودة في بلدان كثيرة. ووفق معطيات «وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (الأميركية)»، يخزّن 26 بلداً أنواعاً من السلاح الكيماوي مثل «سارين» و «سومان» و «في إكس» و «لوزيت»، وغاز الخردل، و «سيانيد»، و «فوسجين» وغيرها.
وحتى العام 1996 كان لدى الولايات المتحدة 31000 طن من هذه الأسلحة، من بينها 3.5 مليون قنبلة كيماويّة.
وتعمل معظم العناصر الكيماويّة والبيوكيماويّة المستخدمة في الأسلحة «غير القاتلة» على شل الجهاز العصبي المركزي، فتتسـبّب في فقدان الإدراك أو التسكين الكلي أو الغياب عن الوعي أو حتى الوفاة. ويؤدي تبنّي دول كبرى لتلك المواد إلى تكاثر أعداد المتخصّصين الذين يعملون على تطوير المزيد منها. وتجري بحوثها بعيداً عن الأنظار. وتساهم في نشر مناخات الحروب الكيماويّة والبيولوجية.