المقالات
حرية التعبير في عصر أوجها التكنولوجي: خطاب إلى جون ستيوارت مِل
عزيزي الشبح الشاحب، تحية طيبة وبعد؛ لا أعلم أي أخبار تصلك عنا في الحياة الآخرة، وما إذا كانت ثمة صحيفة إخبارية يومية للأخبار المثيرة — «جريدة أخبار السماء» مثلًا — مليئة بأخبار عن أعمالنا، أو ما إذا كان الموتى المستجدون يأتونك بأخبار عن آخر التطورات التي حدثت على كوكب الأرض، أو ما إذا كنت لا تزال تكترث لنا من الأساس. لكن، لقد وقعت كثير من التغيرات منذ وفاتك في عام 1873؛ بعضها كان ليسعد روحك الليبرالية، وبعضها كان ليزعجها، بينما القليل منها كان ليوقعها في الحيرة.
جيسون بونتين ترجمة سارة عادل
الثلاثاء,27 أكتوبر 2015 - 03:02 م
مشاهدات: 427
لقد مُنح حق التصويت للبالغين كافة في البلدان الديمقراطية؛ فبات يجوز للمرأة، التي قادت حملة للمطالبة بحقوقها بمثابرة بالغة، التصويت في بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية وأجزاء عدة من آسيا، بما فيها الهند (وهذا البلد الأخير من شأنه إدخال السرور على قلب رئيس مفتشي المراسلات الأسبق في منظمة إنديا هاوس). على الجانب الآخر، لم تحقق الاشتراكية سوى نجاح تاريخي عابر في قليل من البلدان؛ لأنها كانت تتعارض مع المبادئ الليبرالية التي ناصَرتها، ولم يتوصَّل أحد إلى حل لما أطلقت عليه في سيرتك الذاتية «المشكلة الاجتماعية المستقبلية»: «كيف نجمع بين أقصى قدر من حرية التصرف الفردي وبين الملكية المشتركة للمواد الخام على الكرة الأرضية، مع المشاركة المتكافئة لجميع الأطراف في منافع العمل المشترك.»
كانت أهم التغيرات التي طرأت على عالمنا هي التغيرات التكنولوجية؛ فبعد أقل من مائة عام من وفاتك، صنع المهندسون «مكاملًا عدديًّا إلكترونيًّا وجهاز الكمبيوتر»، وهو خليفة «الآلة التحليلية» التي صممها تشارلز بابيدج الذي عاصرته، لكنه لم يتمكَّن من إنشائها، والذي يُمكن برمجته لأغراض عامة كما تمنَّت إيدا لافليس. وتوجد الآن ملايين من هذه الأجهزة التي تسمى بأجهزة الكمبيوتر — في المنازل وعلى المكاتب وعلى الحوائط، ومُقْحَمة في كل شأن من شئون حياتنا — وهي متصلة ببعضها البعض في شبكة عالمية تُسمَّى شبكة الإنترنت تشبه التلغراف. نستخدم هذه الأجهزة في التواصل والكتابة والحساب، وفي استشارة مكتبة عامة كاملة غير مادية تضم الجانب الأعظم من المعرفة الإنسانية. الأمر يصعب وصفه.
وآسف أن أقول إن تاريخ سمعتك الخاصة بات مشوَّشًا. لقد ظل كلٌّ من عمَلَيكَ: «نظام المنطق» (1843)، و«مبادئ الاقتصاد السياسي» (1848) نصين نموذجيين لعقود. وحتى ثمانينيات القرن العشرين، حينما كنت في أكسفورد، كان الكتابان لا يزالان يُدرَّسان كمقررين دراسيين. ولكن، تشكل كلا المجالين — اللذين يتناولهما الكتابان — بطرق لم يكن بإمكانك توقُّعها، وتفوقت أعمال أخرى على كتابَيْك بشكل واضح. لكن كتابك الصغير الجزل «عن الحرية» (1859) ظل باقيًا، مثلما توقعت حين قلت: «كتاب الحرية سيبقى على الأرجح لوقت أطول من أي شيء آخر كتبته؛ لأنه … نوع من النصوص الفلسفية التي تتناول حقيقة واحدة.»
وتستحق هذه الحقيقة — التي أصبحت الآن شهيرة جدًّا حتى إنها تسمى «مبدأ الضرر لمِل» — أن تُقتَبَس هنا كاملةً. توجد أمامي الآن نسخة مهترئة ذات غلاف ورقي من كتاب «عن الحرية» الذي قرأته لأول مرة وأنا في المدرسة الداخلية.
إن الغاية الوحيدة التي تبرر لبني البشر، بشكل فردي أو جماعي، منع أي إنسان آخر من حرية التصرف هي الدفاع عن النفس … والسبب الوحيد الذي يُمكن من أجله ممارسة السلطة على نحو مشروع على أي فرد في مجتمع متحضر، بما يتعارض مع إرادته، هو منعه من إيذاء الآخرين. فصالحه الخاص، سواء على المستوى المادي أو الأخلاقي، ليس مبررًا كافيًا. ولا يمكن إجبار فرد على عمل شيء أو منعه من عمل شيء؛ لأن الأفضل له أن يفعل ذلك، أو لأن ذلك سيجعله أكثر سعادة، أو لأن — في رأي الآخرين — ذلك سيكون من الحكمة أو حتى الصواب … فالمرء يتمتع بسيادة كاملة على نفسه وجسده وعقله.
لقد أرشد مبدأ الضرر، الذي وضعْتَه، المجتمعات المفتوحة منذ ذلك الحين في تنظيم ما يمكن أن يقال أو يُكتَب أو يُعرَض، وهو ما يُعرف عمومًا بحرية التعبير عن الرأي؛ موضوع خطابي إليك. وعلى الرغم من أن التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة ينص على أنه «لا يجوز للكونجرس أن يضع قانونًا … يحد من حرية التعبير عن الرأي أو حرية الصحافة»، وأن إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان عام (1948) ينص على أن «لكل فرد الحق في حرية التعبير عن رأيه»؛ فإن كل شخص راجح التفكير يعرف أن ثمة قيودًا على الحرية. إن حرية التعبير عن الرأي حق مشروط يتداخل مع حقوق وأعراف أخرى، بعضها محميٌّ صراحة بموجب القانون، وبعضها الآخر مفهوم ضمنًا، وثمة حقوق وأعراف أخرى لم تترسخ بعدُ، لكنَّ لديها مُناصريها. لكن، في حين أن هذا الأمر معروف منذ أمد طويل، إلا أن مهمة وضع حدود واضحة لما يمكن التعبير عنه — تلك المهمة بالغة الصعوبة — مهمة حديثة نسبيًّا، وتدين بكل شيء إلى كتاب «عن الحرية». في الولايات المتحدة، منذ أن بتَّت المحكمة العليا في قضية شينك ضد الولايات المتحدة (1919)، بات على الحكومة أن تثبت أن أي رأي تسعى لتقييده يمثل «خطرًا واضحًا وقائمًا» (وقد ضرب أوليفر ويندل هولمز، أثناء كتابة الحكم الجماعي للقضاة، مثلًا شهيرًا على ذلك بشخص يصيح منذرًا بالكذب: «حريق!» وسط مسرح مزدحم). وبالتالي، وضَّحت المحكمة ذلك المعيار لحماية الدفاع عن الأفعال غير القانونية ما دام ليس «من المرجح» أن تؤدي إلى وقوع جريمة خطيرة أو وشيكة (حُكْمُ عام 1969 في قضية براندنبرج ضد أوهايو أَجَازَ لكلارنس براندنبرج — القيادي بمنظمة كو كلوكس كلان — الصياحَ في اجتماع حاشد من أجل «القصاص» من «الزنوج» و«اليهود»، ولكن لم يُجِزْ له أن يأمر أتباعه، ضمنًا، بإعدام السيد واشنطن في 33 شارع ليندن). لقد دافعت المحكمة عن الخطاب الهجائي و«الألفاظ العدائية» والبذاءة. لقد أصبح مستوى حرية التعبير استبداديًّا على الأرجح، ليس في أمريكا فقط، بل في كل دول العالم التي تلتزم بحماية الحقوق. يفترض كل شخص أن باستطاعته أن يقول ما يريد دون أن تنزل به عقوبة، ما لم يكن باستطاعة وسائل الرقابة إثبات أن ذلك الرأي المختلف عليه قد يعرض شخصًا آخر لضرر مباشر ومهلك.
حرية التعبير ليست حقًّا عالميًّا؛ فالصين تحظر أي شيء من شأنه إضعاف حكم الحزب الشيوعي.
لقد اتَّسع نطاق مبدئك مع ظهور تقنيات وظروف تاريخية جديدة وازدحام الكرة الأرضية بأناس جدد. وقد ذكر النقاد أنك لم تُعرِّف مطلقًا كلمة «ضرر» بوضوح، إلا أنه بدا أنك تعني الضرر المادي. ولكن من الواضح أن هذا لم يكن كافيًا للأغراض العملية، واتسع نطاق تفسير «الضرر» ليشمل الضرر التجاري؛ ولذا يحدد قانون حقوق النشر بوضوح ما يمكن اقتباسه أو نسخه دون إذن المؤلف أو الناشر. أما الحقيقة الوحيدة التي تحدثت عنها، فقد ثبتت صحتها؛ وهذا حتى الآن.
الحل الوسط المرضي
ثمة ثلاثة أحداث أخيرة وقعتْ من شأنها التشكيك فيما إذا كان مبدؤك سيظل صالحًا للتطبيق في المستقبل. وبعض المصطلحات والمفاهيم التي سأستخدمها فيما يلي لن تكون مألوفة بالنسبة لك. أعرف أن ستيف جوبز وآرون سوارتز قد لحقا بك في حقول الذهب. سلْهُما كي يُوضِّحا لك.
إن الشركات التي تملك أشهر المواقع على الإنترنت مؤسسة في الولايات المتحدة التي تتمتع بأوسع نطاق لحماية حرية التعبير، علاوة على أقل قيود على هذه الحرية. ومع أن هذه الشركات تلتزم بهذه القيود، لكنها لا تتمتع بالحصانة التي يكفلها التعديل الأول وقانون السوابق القضائية الخاص به، إلا أنها قد تبعت المستوى القياسي الأمريكي في شروط الخدمة التي تفرضها على مستخدميها؛ فهي تُشجِّع على حرية التعبير أينما انسجمت مع أعمالها، وتقيد أساليب التعبير غير القانونية في الولايات المتحدة مثل الصور الإباحية للأطفال التي تعتبر أدلة على جريمة. علاوة على ذلك، تأسست هذه الشركات في وادي السليكون في كاليفورنيا، الذي قد تبدو ثقافته السياسية ليبرتارية على نحو محير حتى بالنسبة للأمريكيين الآخرين (وقد أطلق الرئيس التنفيذي لإحدى هذه الشركات؛ تويتر، على شركته اسم «جناح حرية التعبير لحزب حرية التعبير»). لكن نظرًا لأن التقنيات التي تبتكرها هذه الشركات أصبحت تمس حياة كل شخص حي تقريبًا، فقد اصطدم فهمها الغريب لحرية التعبير مع الأفكار المختلفة حول ماهية أشكال حرية التعبير التي تعد قانونية ولائقة.
تكمن المشكلة في أن «الضرر» قد فُهم بطرق متعددة، إذ ليس له تعريف عام. فالدول الديمقراطية التي لا تنتمي لما جرت العادة على تسميته بالتقليد الأنجلوساكسوني قد فسرت الكلمة على نحو أكثر اتساعًا من بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. فبالنظر للحربين العظميين ومصرع ستة ملايين يهودي على يد الدولة الألمانية، تحظر معظم البلدان الأوروبية الخطاب السياسي المرتبط بالأحزاب القومية الانتقامية، بالإضافة إلى صور التعبير عن كراهية اليهود. وفي البلدان الإسكندنافية، تعد كثير من خطابات الكراهية غير قانونية؛ لأنها تنال من كرامة الفرد. حتى في البلدان المتحدثة باللغة الإنجليزية لا يُقبَل التعريف ضيق النطاق للضرر، الذي يؤكد على كونه يشير إلى الضرر البدني والتجاري بوجهٍ عام. فمنذ سبعينيات القرن العشرين، ذهب بعض مؤيدي مبدأ النسوية إلى أن الإباحية دربٌ من العنف ضد المرأة. علاوةً على ذلك، لا يُعتَدُّ بحرية التعبير كحقٍّ عالمي بأي حال؛ فالصين — آخر دولة استبدادية كبرى على وجه الأرض — تحظر تمامًا أي شيء من شأنه إضعاف حكم الحزب الشيوعي، كذا لا يسمح القانون التايلاندي بانتقاد الملك، وأينما كانت الشريعة الإسلامية أساسًا للتشريع القانوني لبلد (وكذلك في بلدان عديدة مثل الهند؛ حيث يوجد عدد ضخم جدًّا من السكان المسلمين) تُحظَر أي رسوم للنبي محمد؛ لأن المسلمين يعتقدون أن مثل هذه الرسوم كفر.
لكل هؤلاء، قدَّمت شركات الإنترنت الأمريكية حلًّا وسطًا مُرضيًا. بالنسبة للحكومات التي يحيد فهمها لحرية التعبير عن المعيار الأمريكي، وعدت تلك الشركات بأن تمتثل للقوانين المحلية. وبالنسبة للمجتمعات المقتنعة بأن التعبير المفعم بالكراهية يشكل ضررًا، أخبرتهم هذه الشركات بأنها ستضع رقابة على خطاب الكراهية. وهذا الحل الوسط ليس سوى حلٍّ وضعه مهندسو ومحامو وادي السليكون؛ للسماح بوجود شتى التصورات القانونية والثقافية لما يمكن التعبير عنه جنبًا إلى جنب على المواقع التي تُستخدم في جميع أنحاء العالم؛ لكنه حلٌّ صعب التطبيق يتطلب مواءمات مرهقة.
في شهر يوليو من عام 2012، حمَّل «سام باسيلي» — الذي حددت الولايات المتحدة الأمريكية هويته لاحقًا على أنه مصري قبطي يدعى نقولا باسيلي نقولا — على موقع يوتيوب مقطعَيْ فيديو قصيرين تحت اسم «حياة محمد الحقيقية» و«إعلان فيلم محمد». كان المقطعان باللغة الإنجليزية، وكان الغرض منهما أن يكونا إعلانين لفيلم طويل كامل لم يُعرض أبدًا. وصوَّر كلا المقطعين النبيَّ محمدًا كرجل فاسق وشاذٍّ يعتدي على الأطفال جنسيًّا. وكانا — كنموذج على حرفية صناع الفيلم — غاية في السذاجة. لقد أراد نقولا — منتج مقطعي الفيديو — الاستفزاز، لكن المقطعين أُهمِلا على موقع يوتيوب ولم يرهما أحد، ولربما ما كان أحد ليلاحظهما أبدًا لو لم يبثَّ التليفزيون المصري في سبتمبر من العام نفسه مقتطفًا مدته دقيقتان من مقطعي الفيديو مُدَبْلجًا باللغة العربية. وقدَّم بعض الهواة المُتحمِّسين ترجمة باللغة العربية لمقطعي الفيديو، اللذين سرعان ما سُميَّا «براءة المسلمين»؛ وشاهدهما الملايين. وكرد فعل، أثار بعض المسلمين أعمال شغب في مدن كثيرة حول العالم.
وقد وضع المقطعانِ شركةَ جوجل — مالكة موقع يوتيوب — في مأزق لا تُحسد عليه؛ فالشركة تتيه فخرًا ب «تحيزها لصالح حرية التعبير». يقول روس لاجونيس، المدير الدولي لحرية التعبير والعلاقات الدولية لجوجل: «إننا نقدر حرية التعبير؛ لأننا نعتقد أن ذلك هو الشيء الصحيح الذي علينا أن نفعله من أجل مستخدمينا، ومن أجل المجتمع ككل. إننا نعتقد أن هذا هو الشيء الصحيح للإنترنت، ونعتقد أنه الشيء الصحيح من أجل عملنا؛ فتوافر المزيد من الآراء والمعلومات يؤدي إلى توافر المزيد من الخيارات، وإلى اتخاذ المستخدمين قرارات أفضل.»
طلبت الحكومة الأمريكية من جوجل مراجعة مقطعي الفيديو لتحديد ما إذا كانا ينتهكان شروط الخدمة للشركة. وهو قرار بدا مُلحًّا بلا شك. وفي سبتمبر، اقتحم المحتجون السفارة الأمريكية بالقاهرة ووضعوا علم الميليشيات الإسلامية الأسود محل العلم الأمريكي. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، وقع هجوم على القنصلية الأمريكية ببنغازي في ليبيا، وقُتل السفير الأمريكي وثلاثة أمريكيين آخرين معه (وقد اعتُقد آنذاك أن هذا الحادث مرتبط بمقطعي الفيديو). وبحلول شهر ديسمبر، كان 600 شخص قد أصيبوا بجراح في مظاهرات، بينما لقي ما بين 50 إلى 75 شخصًا مصرعهم. وكان الطلب الملح لمثيري الشغب — الذين يعيشون على الأغلب في بلدان لا تتمتع بحرية التعبير حيث الحكومة هي التي ترخص وسائل الإعلام أو تملكها مباشرة — هو أن تزيل «أمريكا» مقطعي الفيديو من موقع يوتيوب.
فماذا كان على جوجل أن تفعل؟ كما يوضح لاجونيس فإن الشركة تستشعر القلق حيال طلبات الرقابة على أي شيء؛ فرغم كل شيء، مهمة الشركة هي «تنظيم معلومات العالم أجمع». بوجه عام، تمتثل الشركة للقوانين المحلية، حيث تحجب نتائج البحث أو المحتويات التي تعتبر غير قانونية في بلد بعينه، باستثناء حينما تكون القوانين متعارضة بشدة مع مبادئ الشركة، فتشعر الإدارة العليا بأنها لا تستطيع العمل في ذلك البلد (وكان هذا هو الحال في الصين، التي انسحبت منها جوجل في مارس من عام 2010؛ واليوم تملك الشركة قسمًا للبحث داخل الصين، لكن طلبات البحث يُعاد توجيهها إلى Google.com.hk في هونج كونج). أما الطلبات الخاصة لإزالة معلومات بعينها فتُعامل على نحو مختلف بناءً على ما إذا كانت ستؤثر على عمل البحث لدى جوجل، أو على الشبكات الإعلانية، أو على منصاتها يوتيوب وبلوجر. فعند حجب نتيجة ما، تظهر جوجل للمستخدم أن النتيجة قد أُزيلَت. كما ينبغي أن تلتزم الإعلانات على الشبكات الإعلانية الخاصة بجوجل — آدووردس وآدسينس — بتعليمات الشركة. والمواد التي تُنشَر من قبل أي أطراف ثالثة على يوتيوب أو بلوجر يجب أن تخضع لشروط الخدمة الخاصة بالمنصات. (على سبيل المثال: تحظر المبادئ الحاكمة لمجتمع يوتيوب الصور الجنسية الفاضحة، والخطابات المفعمة بالكراهية، و«المحتوى السيئ مثل: سوء معاملة الحيوانات، أو تعاطي المخدرات، أو شرب الخمر والتدخين للقُصَّر، أو تصنيع القنابل».) ثمة كثير من الأشياء تنشر على يوتيوب وبلوجر حتى إن الشركة تقبل فقط تحمُّل «مسئولية وسيطة محدودة»، منتظرةً من مجتمعها تمييز المواد التي تنتهك مبادئها الحاكمة. وتتسم جوجل بالشفافية البالغة فيما يتعلق بكل طلبات إزالة المعلومات؛ إذ تنشر الشركة «تقرير شفافية» يوضح طلبات مقدمة من مالكي حقوق النشر أو الحكومات لإزالة معلومات من خدمات الشركة (علاوةً على طلبات من الحكومات والمحاكم لتسليم بيانات مستخدمين).
قدَّمت شركات الإنترنت الأمريكية حلًّا وسطًا مرضيًا؛ حلًّا صممه مهندسو وادي السليكون.
رفضت جوجل الطلب الذي قدمته لها الولايات المتحدة بحذف فيلم «براءة المسلمين»؛ لأن مقطعي الفيديو لم ينتهكا شروط الخدمة الخاصة بموقع يوتيوب (على الرغم من أن حظر يوتيوب لخطاب الكراهية يتضمن أي أسلوب تعبير من شأنه ازدراء جماعة بعينها «على أساس … الدين»؛ فقد قررت جوجل أن مقطعي الفيديو ينتقدان نصوص وقصص وأنبياء الإسلام وليس المسلمين أنفسهم — يا له من فارق دقيق في نظر ملايين المسلمين الذين شعروا بالإهانة). حجبت الشركة بالفعل مقطعي الفيديو على يوتيوب في المملكة العربية السعودية والهند وإندونيسيا؛ حيث كانت هذه المادة تعتبر مخالفة للقانون. وحجبت بعض البلدان المسلمة الأخرى موقع يوتيوب بأكمله. لكن في منتصف سبتمبر، قررت جوجل تقييد الوصول إلى مقطعي الفيديو بشكل مؤقت في مصر وليبيا؛ لقلقها إزاء «الموقف شديد الحساسية في هذين البلدين»، ولأقل من ثلاثة أسابيع، لم يستطع المصريون أو الليبيون مشاهدة فيلم «براءة المسلمين». وقد كان هذا القرار غير مسبوق، وبينت جوجل عمليًّا أنه إذا ما اعترض المحتجون على شيء بدرجة كافية من العنف، فإنها ستمنع التعبير المشروع عن الرأي الذي يتسق مع المبادئ الحاكمة لمجتمعها.
أما الحادث الثاني فقد أوقع تويتر في شرك مفاهيم أوروبا الغريبة عن حرية التعبير. فقد حاولت الشركة الامتثال إلى الحل الوسط المرضي؛ ومن ثم، في يناير من عام 2012، أعلنت عمَّا أسمته «حجب المحتوى وفقًا للبلد»؛ حيث يتم حجب تغريدات بعينها في بلدٍ ما كاستجابة ل «أي طلب قانوني ومدروس جيدًا صادر عن جهة معتمدة.» وتأمل تويتر في أن تتمتع بقدر شفافية جوجل أيضًا؛ حيث يجب أن يعرف المستخدمون أن التغريدة قد تم حجبُها. وكان أول تطبيق لهذه السياسة هو حجب بيسريس هانوفر، وهي منظمة محظورة تتَّسمُ بمعاداتها للسامية وكراهيتها للأجانب، استجابةً لطلب من السلطة التشريعية لجنوبي مقاطعة ساكسونيا. وبدءًا من أكتوبر الماضي، ظهر لدى المتابعين الألمانيين لبيسريس هانوفر مربع رمادي مكتوب بداخله: @hannoverticker withheld (بمعنى أن صفحة هانوفرتيكر محجوبة) و«هذا الحساب حُجِب في: ألمانيا». وقد أطلق محامي الشركة أليكس ماكجيليفري @amac تغريدة يقول فيها: «لم نرد أبدًا حجب المحتوى، ولكن من الجيد القدرة على القيام بذلك على نطاق محدود وبشفافية.»
ولم يشعر أحد بكثير من الغضب عند حجب جماعة مغمورة من النازيين الجدد من هانوفر، لكن استخدام تويتر لسياسة حجب المحتوى وفقًا للبلد في المرة التالية كان أكثر إثارة للمشاكل؛ لأنها طُبِّقَت على نطاق أوسع. فبعد فترة قصيرة من حجب بيسريس هانوفر، وفي استجابة لشكاوى مقدمة من اتحاد الطلاب اليهود الفرنسيين، قررت الشركة وضع رقابة داخل فرنسا على التغريدات التي تستخدم الهاشتاج أو الوسم #UnBonJuif (والتي تعني «يهودي صالح»). فقد كان مغردون فرنسيون يستخدمون هذا الهاشتاج كفرصة لإطلاق مجموعة متنوعة من النكات المعادية للسامية والاحتجاجات ضد إسرائيل. (على سبيل المثال: «اليهودي الصالح ليس سوى كومة من الرماد»، و«اليهودي الصالح هو يهودي معادٍ للصهيونية».) لم تكن التغريدات مغمورة؛ فحينما حجب #UnBonJuif كان ثالث أشهر مصطلح في فرنسا، لكن التعبيرات المعادية للسامية تعد جرائم فعلية في الجمهورية الخامسة؛ لذا طالب اتحاد الطلاب تويتر بكشف المعلومات التي يمكن استخدامها لتحديد المستخدمين المذنبين، لكن الشركة رفضت؛ فرفع الاتحاد القضية إلى القضاء المدني. وفي شهر يناير، قضت المحكمة الابتدائية الكبرى بأنه يجب على تويتر الكشف عن أسماء المستخدمين الفرنسيين الذين نشروا تغريدات معادية للسامية حتى يمكن محاكمتهم، كما قضت المحكمة كذلك بأنه ينبغي للشركة أن تبتكر آليةً ما تسمح للمستخدمين بتمييز «المحتوى غير القانوني، خاصةً ذلك الذي يقع في نطاق الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية والتحريض على الكراهية العرقية» (مثل الآلية المتاحة على موقع يوتيوب). وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور لا يتبقى أمام تويتر سوى أسبوعين للاستجابة. فإذا لم تُسلِّم الشركة معلومات مستخدميها أو تنسحب من فرنسا (وهو ما ليس مرجحًا إلى حد كبير أيضًا)، فإنها إذن غير قادرة على تطبيق الحل الوسط المرضي بثبات. بدلًا من ذلك، ستمتثل تويتر إلى القوانين المحلية التي تراها ملائمة.
أما الحادث الثالث، فقد أثار استياء المراقبين الذين يقدرون قيمة الخصوصية ويحترمون المرأة ويقلقون بشأن الاعتداء الجنسي. يستضيف موقع ريديت — وهو مجتمع أخبار إلكتروني، حيث مجتمع المستخدمين هو مصدر الروابط والمواد المنشورة عليه — منتديات يطلق عليها «سب ريديتس» — أو منتديات فرعية؛ وكان عدد من هذه المنتديات حتى وقت قريب مكرس لمشاركة صور الفتيات البالغات والمراهقات. كانت هذه المنتديات جزءًا من مجموعة أكبر من المواقع لها اتجاه يرضي الأذواق المولعة بصور الفتيات اليافعات اللاتي لم توافقن مطلقًا على التعري على الملأ (تتضمن أمثلة ذلك: «اللقطات الذاتية»؛ حيث تجد الصور العارية التي تلتقطها الفتاة لنفسها بهدف إثارة رفيقها جنسيًّا طريقها إلى الإنترنت، و«الصور الإباحية الانتقامية»؛ حيث تُحمَّل صورٌ جنسية فاضحة لنساء على الإنترنت من قِبَل رفاقهن السابقين الذين يشعرون بالمرارة). لم يكن أشهر منتديين لنشر صور الفتيات اليافعات — «آر/جيلبيت» r/jailbait و«آر/كريبشوتس» r/creepshot — يتعاملان في الصور الإباحية غير القانونية للأطفال، وكان مستخدمو موقع ريديت المسجلون يقدرون كثيرًا مشرف المنتديين، وهو ترول إنترنت (أو متصيد) يُعرف بلقب فايولنتاكريز؛ لاجتهاده في إزالة أي محتوًى غير قانوني (أتحدَّث هنا بناءً على ما ورد إلى مسامعي؛ إذ لم تسبق لي زيارة آر/جيلبيت أو آر/كريبشوتس). على العكس، كانت صور الفتيات القصر تُظهرهن بكامل ملابسهن أو جزء منها، وكانت الصور ملتقطة في أماكن عامة (حيث لا يتوقع أحد منطقيًّا التمتُّع بالخصوصية وفقًا لما قررته المحاكم الأمريكية). وقد جذب منتديا آر/جيلبيت أو آر/كريبشوتس — بالطبع — نطاقًا واسعًا من الانتقادات القاسية (وهذا شيء غير مستغرب على الإطلاق؛ إذ كان من اللقطات الشائعة لقطة «ما أسفل التنورة»)، وقد حدد أرديان تشين — كاتب بمدونة جوكر — هوية فايولنتاكريز بأنه يدعى مايكل بروتسك — مبرمج كمبيوتر من تكساس يبلغ من العمر 49 عامًا. وعلى الفور، فقد بروتسك وظيفته وفقد مكانته.
بيَّنت جوجل أنه إذا ما اعترض المحتجون على شيء بدرجة كافية من العنف؛ فإنها ستحجب التعبير المشروع عن الرأي.
أثار هذا الموقف استياء مستخدمي ريديت، الذين ذهبوا إلى أن الكشف عن معلومات فايلنتاكريز الشخصية ينتهك خصوصيته، ويخون مبادئ حرية التعبير التي يلتزم بها موقع ريديت. وشجب مشرفو منتدى آر/بوليتيكس ما حدث، دون تهكمٍ واضح قائلين: «إننا نشعر أن تصرفًا كهذا لا يمكن تحمُّله. إننا نتطوع بوقتنا من أجل ريديت لنجعل منه مكانًا أفضل للمستخدمين، ولا ينبغي أن نتعرض للمضايقات والتهديدات من أجل ذلك. إن موقع ريديت يتباهى بأن له منتديات فرعية لشتى الموضوعات، وبغض النظر عن مدى رفض شخص ما لشيء يؤيده مستخدم آخر، فهذا ليس أبدًا سببًا لتهديدهم.»
وانتقامًا من مقال تشين، عطل مشرفو آر/بوليتيكس كل الروابط المؤدية لمدونة جوكر — وهو نوع من الرقابة على جوكر داخل حدود موقع ريديت. وأشار ييشان وونج — المدير التنفيذي لموقع ريديت — بأسلوب ودود أن إلغاء الروابط «جعل ريديت يظهر في صورة سيئة إلى حد ما»، لكنه أكد في مذكرة لمستخدمي الموقع: «إننا نؤيد حرية التعبير. وهذا يعني أننا لن نحظر المنتديات الفرعية المستهجنة.» بعد ذلك، حظر ريديت منتدى آر/جيلبيت ومنتديات أخرى مشابهة، دون مراجعة قواعد الموقع.
لقد صُدِّر معيار وادي السليكون المستبد — على ما يبدو — الخاص بحرية الرأي، والذي يستند إلى تعريف ضيق النطاق للضرر إلى أجزاء العالم التي لم تستوعب هذا المعيار أو لم ترغب فيه. وفي الحالات الثلاثة التي وصفتها، وضعت الأطراف المتضمنة الحل الوسط المرضي في اعتبارها، لكن هذا الحل الوسط انهار تحت وطأة التحديات.
أهمية حرية التعبير
جون ستيوارت مِل، إن شبكة الإنترنت نفسها منحازة لصالح حرية التعبير، علاوة على أن تقنيات الإنترنت تدعم حرية التعبير، حيث تنشر على نطاق واسع أفكارًا وتوجهات لولاها ما سمع أحد بها مع إخفاء هويات المتحدثين تحت أسماء وهمية، أو بعدم ذكر أسمائهم. وسوف تتلاعب شركات الإنترنت الأمريكية بالحل الوسط المرضي لكي تبدو بريئة، ولكن هذا تصرفٌ غير مُرضٍ. إن دعم الإنترنت لحرية التعبير سيثير استياء هؤلاء الذين لا يحبذون حرية التعبير، أو هؤلاء الذين يتبنون شعار: «حرية التعبير من حقي، لكنها ليست من حقك». وسيؤدي ذلك كله إلى الفوضى، وأحيانًا إلى العنف. ثمة أشخاص يكرهون حرية التعبير في جميع أنحاء العالم؛ لأنها خيرٌ يبدو متناقضًا مع ما يوحي به المنطق السليم.
من يكره حرية الرأي إذن؟ الأقوياء والضعفاء، الأحزاب الحاكمة والأديان الراسخة، هؤلاء الذين يخرسون الآراء من أجل الحفاظ على السلطة، وهؤلاء الذين يغيرون ما قيل لتغيير علاقات القوة. ومن أيضًا؟ هؤلاء الذين لا يرغبون في الشعور بالإزعاج يبغضون كذلك حرية التعبير. وقد يقول الفرد من هؤلاء شيئًا من قبيل: لمَ ينبغي عليَّ أن أكترث لحرية التعبير؟ فليس لديَّ ما يقال، وإذا كان لا بد أن يقال شيء، فلا أرغب في سماع سوى ما يقوله أمثالي من الناس. لمَ ينبغي أن أسمع أشياء بذيئة أو لا أخلاقية أو حتى مزعجة ولو قليلًا؟
في كتابك «عن الحرية»، قدمتَ أجوبة لهؤلاء الذين يبغضون حرية التعبير. كان شرحك الأساسي نفعيًّا حيويًّا، جدير بابن جيمس مِل. لقد كتبتَ تقول إننا نقدر حرية التعبير لأن البشر خطَّاءون نسَّاءون، ولا بد من اختبار أفكارنا بالجدل. يجب عرض الرأي الخاطئ وإجبار الحقيقة على الدفاع عن نفسها؛ مخافة أن «تصبح عقيدة ميتة، وليس حقيقة حية.» (وقد ذكر أتباعك من معتنقي مذهب العواقبية أن سوق الأفكار المزدهر شرط مسبق للديمقراطية التشاركية وحتى للاقتصاد المبتكر.) لكن بعد أزمة الثقة التي واجهتك في شبابك، حينما رفضت نظام الفكر الخاص بوالدك، لم تعد نفعيًّا صعب الإرضاء؛ ففي سنوات نضجك دائمًا ما كنت تصف النفعية، بوجه عام، بأنها مذهب ينزع إلى تشجيع السعادة، وعرَّفت السعادة بحيث تتضمن المتع العقلانية والعاطفية. وكنت تؤمن بأننا يجب أن نكون أحرارًا في «[السعي وراء] مصلحتنا الخاصة بطريقتنا الخاصة، ما دمنا لا نحاول حرمان الآخرين من تحقيق مصالحهم، أو إعاقة جهودهم في الوصول إليها.» إن حرية التعبير مبدأ مفيد وأخلاقي، وتبريرات مؤيدي مذهب العواقبية ومذهب الأخلاق لحرية التعبير «تبلغ ذات الغاية، ولكن من دربين مختلفين.»
نظرًا للأهمية الشديدة لحرية التعبير، ونظرًا لأن الإنترنت سيستمر في دعم صور هذه الحرية، ينبغي لشركات الإنترنت الأمريكية تطبيق معيار ثابت في كل مكان لتحديد ما ستحجبه عند الطلب (إن شروط الخدمة الخاصة بهذه الشركات هي شأنها الخاص، طالما أنها تُطَبَّق على نحو منصف). لا يمكنني تخيل أي مبدأ صالح للتطبيق بخلاف مبدئك؛ حيث يُفسَّر «الضرر» على أنه يعني الضرر الجسدي أو التجاري، ولكنه يستثني الإهانة الشخصية أو الدينية أو الأيديولوجية. وينبغي أن تمتثل الشركات للقوانين الأمريكية فيما يتعلق بصور التعبير المشروعة، وتمتثل للقوانين المحلية فقط حينما تكون متسقة مع مبدئك، وإلا ترفض العمل داخل البلد. وبعد كل ما ذكرناه، يمكننا القول إن البشر، الذين يميلون إلى الاستقامة المتشددة، يحتاجون إلى أقصى درجة من حرية التعبير يُمكنهم تحمُّلها.
ينبغي لشركات الإنترنت الأمريكية تطبيق معيار ثابت في كل مكان لتحديد ما ستحجبه عند الطلب.
أعلم أن الله هو من يتحكَّم في شئوننا دون رئيس تنفيذي، ولكن عن طريق لجان متعاقبة من الأرواح (يشترك الروائي العظيم فلاديمير نابوكوف ورائد فيزياء الكم ريتشارد فاينمان في رئاسة لجنة الضوء والمادة، حيث يشرف نابوكوف على اللجنة الفرعية المعنية بحركة ظل أوراق الأشجار على الأرصفة(. كان هذا رأيك طوال الوقت. هنا على الأرض، يجب أن نحذو حذوك على الرغم من أن ظروفنا مختلفة. إن لدينا الحق في قول ما نشاء طالما أننا لا نضر الآخرين، لكننا لا يمكن أن نجبر الآخرين على الاستماع، أو نتوقع ألا تُوجَّه إلينا الإساءة مطلقًا.