عاجل
المقالات

المنافسة بين التكنولوجيا الاحتمالية وجسد لا يشيخ

«تذكروا، إذا تراءى لكم أن الرعب تملّكني، فمعنى هذا أنني أؤدي الدور، فلا تقطعوا أبداً التصوير». هذا القول تنسبه صحيفة «يو أس إي توداي»

«تذكروا، إذا تراءى لكم أن الرعب تملّكني، فمعنى هذا أنني أؤدي الدور، فلا تقطعوا أبداً التصوير». هذا القول تنسبه صحيفة «يو أس إي توداي» إلى طوم كروز يوم الشروع في تصوير المشهد الأول من شريط «مهمة مستحيلة- الأمة المارقة». ففي هذا المشهد، وهو فاتحة الجزء الخامس من الإنتاج الهوليوودي الذي بدأ العمل به في 1996، يحاول فريق العملاء السريين الحؤول دون إقلاع طائرة إرباص أ400م يقودها إرهابيون وتنقل حاوية متفجرات. وحين يظهر عجز زملائه عن منع الإقلاع يقفز إيثن هانْت (أي كروز) على جناح الطائرة، ويتعلق بمقبض، فيما الآلة تحلق. وتذهب حملات التسويق لإنتاج بلغت تكلفته 150 مليون دولار إلى أن الممثل أدى بنفسه المشهد البهلواني وتعلق بجناح الطائرة المنطلقة بسرعة 300 كلم.

ويزعم إعلام الترويج ان مشهداً آخر، تحت الماء، اضطُر كروز إلى حبس تنفسه مدة 6 دقائق، وهذا قريب من الاستحالة، بعد أن قفز من علو 35 متراً إلى الماء. وقد يكون ذلك كله حصل فعلاً. وقد لا يستحيل على كروز نفسه، في شريط قادم، أن يسيطر على دب أو على طائر رخ من غير أن يُعمل يديه. ويصدر هذا، وغيره مثله، عن منطق المزاودة والمبالغة الذي غلب على إنتاج سلسلة الأشرطة المتعاقبة. وحمل هذا المنطق كل شريط منها على إبراز تخطيه الشريط السابق، وتفوقه عليه تفوقاً لا جدال فيه، ففي الحلقة الرابعة، وهي أنجزت قبل 4 سنوات، تسلق طوم كروز برج خليفة، وهو أعلى مبنى في العالم، عاري اليدين. وأرادت الحلقة الأخيرة، الخامسة، تجاوز الإنجاز البهلواني، فكان مشهد التعلق بجناح الطائرة المقلعة تحقيق هذه الإرادة.

وفي سباق الإنجازات القياسية، تتكرر الحوادث والوقائع من غير احتساب ما مضى منها. فشريط «الأمة المارقة» يستعيد بداية «البروتوكول الطيفي» وكأن شيئاً لم يكن. والشيء الذي كان فعلاً هو إقدام مدير وكالة الاستخبارات المركزية (أليك بالدوين) والسلطات الأميركية، على إلغاء وكالة وحدة المهمات المستحيلة آي. إم. أف. (إمباسيبيل ميشينز فورس)، جزاء تهورها وتسترها على نهجها وتهربها من الامتثال للأوامر.

وتضرب الحلقة الخامسة صفحاً عن قرار الإلغاء، وتعهد إلى الفارس الوحيد إيثن هانْت بالبرهان على وجود «النقابة»، وهي منظمة جريمة وضعت نصب سعيها نشر الفوضى العامة. وتتعقب وكالة الاستخبارات المركزية هانْت المتمرد على أوامرها، وتلاحقه النقابة الغامضة، فيقفز هو بين لندن وفيينا والمغرب، وينقذ المستشار النمساوي من محاولة اغتيال مدبرة، ويتحرى عن لائحة أعضاء المنظمة. ويضطر في دوامة المطاردات المتبادلة إلى طلب النجدة من قدامى زملائه في وحدة المهمات المستحيلة الملغاة. ويلتقي مرات كثيرة إلسا خوست، العميلة المتسللة إلى صفوف النقابة والعاملة في إمرة الجهاز البريطاني. وهذا عود على بدء.

ولكن «الأمة المارقة» تنعطف بإخراج سلسلة الأشرطة المتعاقبة نحو صنف جديد من المخرجين والمنتجين. فبعد عشرين عاماً حرص طوم كروز في أثنائها على تعليق أسماء المخرجين والمنتجين أوسمةً على صدره، أوكل إلى رجل مغمور رعاية مصائر إيثن هاْنت المحلقة. والمخرجون والمنتجون اختارهم كروز من قبل، أي في الحلقات الأربع السابقة، في ضوء معيارين: الأول هو صناعتهم، والآخر هو دلالتهم على المثال المشهدي الهوليوودي يوم إخراج الحلقة. فاختار بريان دي بالما (م11) علماً على ما بعد حداثة فصامية وهاذية. وندب براد بيرد (م14) إلى تحريك صور مشهدي ورقمي متحرر من جاذبية العالم. وأوكل إلى جون وو (م12)، بين العملين السابقين، تلقيح سينما الحركة الأميركية في التسعينات بدم مصدره «سينما هونغ كونغ»، وإلى ج.ج. أبرامز (م13) التمثيلَ على أثر المسلسلات المتلفزة.

فمن تولى صنع الحلقة الخامسة هو كريستوفر ماكواري. واسمه لا يقارن بأسماء من تقدموه. وسبق له أن وقَّع تصميم «يوجوويل ساسبيكتز» (متهمون عاديون)، وعمل مع طوم كروز في أشرطته الثانوية الأخيرة، مثل «جاك ريتشير»، واقترح سيناريو «إيدج أوف تومورو» (حافة أو مشارف الغد) المتألق في إخراج دوغ ليمان. أكان اختيار المنتجين، وكروز منهم، بداهةً سبباً في تواضع «أمة مارقة» أم كان عرضاً، فالحق يقال إن الأشرطة السابقة كانت آلات ذهنية بالغة التعقيد، وسعت في تجديد جغرافيا سينما الحركة المعاصرة وعواملها. وحمل هذا العملَ الخامس على تعقب أدوار الأقنعة المزدوجة وخداعها، وعلى اقتفاء اثر التنازع الذي لم ينفك يلهم سلسلة الأشرطة منذ بدايتها: التنافس على حل عقد الحوادث بين تكنولوجيا احتمالية، تفوق سرعة تطورها محاكاتها السينمائية، وبين الإنجاز الجسدي الذي يضطلع به طوم كروز، أو جسده الشامخ والمتحرر من الجاذبية الكونية ومن الحدود والقوانين الفيزيولوجية.

وهذا النهم الجسماني والمادي هو أول ما يستوقف المشاهد في الحلقة الأخيرة من «المهمات المستحيلة». فهو العامل البارز والطاغي الذي يضج بالحياة، ويقوم مقام المادة السينمائية. فيتقدم على الدراجات البخارية المتناثرة قطعاً على أسفلت الطرق السريعة المغربية، وعلى الغواصة المرقمنة والمحللة بالمسابير. وكروز، وهو كان فتى أميركا البهي وولدها المدلل يبلغ اليوم من العمر 53 عاماً، وخلفت فيه العمليات الجراحية ندوبها الظاهرة والخفية. ولا تغيب هذه الندوب عن بال المشاهد وهو يرى النجم طائراً ومتنقلاً بين قفزة بهلوانية هنا وحركة خارقة هناك، قاصداً البرهان القاطع على شباب لا يزول ولا ينقضي.

لكن طوم كروز ليس مايكل جاكسون، وهو لا يبتكر نفسه ابتكاراً جديداً، ولا يصنع هوية مختلفة لنفسه. والتباس قامته، أو قوته الصارخة مصدرها تعظيمه طاقاته الشخصية، وتمدد جسده وانتفاخ فكيه. والنجم الذي جسَّم جمال الثمانينات الأخاذ وأسنانه البيض في «توب غان»، يتوسط اليوم منزلة بين منزلتي هَالْك (الرجل الأخضر) ودوريان غراي («بطل» أوسكار وايلد الذي لا تشيخ صورته في المرآة). فهو ولي هوليوودي، أدمن هوام الجمع المهجن إلى الأبد بين هارولد لويد وغاري غرانت وأسطوانة مدمجة ذات سعة عظيمة. وتسند نصبَ الجسد الأسطوري الهوليودي المزمن مراجع ومشاهد مستقاة من السينما الهوليوودية الكلاسيكية، على شاكلة التلميحات الهتشكوكية (فتحاكي بدايةُ الشريط مشاهد من فيلم هتشكوك «الموت في الأعقاب»، ويحاكي مشهد القتلة في أثناء أداء أوبرا «توراندو» «فقرة من شريط هتشكوك «الرجل الذي عنده فضل معرفة» الذي يؤدي جايمس ستيوارت ودوريس داي دورَيْه الأولين). ويبرزه التعريجُ على الدار البيضاء (كازابلانكا)، حيث يلتقي مسير إيثن هانت طريق العميلة المزدوجة إلسا، ويوقظ ذكرى امرأة متنازعة أخرى سابقة، إنغريد بيرغمان، في فيلم مايكل كورتيز في 1942.

واختيار الممثلة الإنجليزية– السويدية المبتدئة تقريباً، ريبيكا فيرغسون، يفاقم كثافة الابخرة الارتجاعية التي تحيط بالفيلم. فهي تحيي إطلالة جين تيرنر وحركاتها، وتلبسها جسداً أكثر نحلاً. وتبعث أنف إنغريد بيرغمان، على ما مر. ويشبه ظهورُها ظهور أورسولا أندريس في «دكتور نو». وعلى خلاف الأداء الشكلي والتزييني الذي فرض على تلك الممثلات وكان عليهن التخفف منه، تجلل المشاهد التي تؤديها فيرغسون الممثلة بهالة مغناطسية، وتشركها في الوقائع والحوادث إشراكاً قوياً يسرق الصدارة في بعض الأوقات، من كروز/هانْت. وهذا الذي قلما رآه المشاهد في أفلامه السابقة على محك الاختبار الحاد، شأنه في «الأمة المارقة»، يبدو في بعض مشاهد الشريط الأخير متفرجاً على فعل أو حركة يقحم نفسه عليها إقحاماً، وهما في غنى عنه أو يكادان. وعلى رغم أن هذه اللحظات خاطفة ومنتزعة، فثمة جمال طاغ في مشهد بطل متفوق لا يكل ولا يمل، يرده إلى إنسيته تأملُه تجاوز العميلة المزدوجة اجتراحاته وإنجازاته.

 

 

* ناقدان سينمائيان، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 12/8/2015، إعداد منال نحاس

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك