عاجل
المقالات

ثورة رقمية تَقلب السياسة والاقتصاد والاجتماع رأساً على عقب

يجنّد موقع «أوبير» مليون سائق في 60 دولة، وحجم أعماله فاق 50 بليون دولار. وثمة حركات اجتماعية ودعاوى كثيرة نشأت رداً على توسعه.

وهو يؤذن بثورة رقمية ومرحلة انتقالية إلى عصر حضارة المعلومات. وانتشار أوبير هو علامة على الاضطراب الذي يحمله العصر الرقمي وتغييره سير الأمور السائر والمألوف.

وقلبت ابتكارات مثل الآلة البخارية، وسكك الحديد، والسيارات، و (استخراج) النفط و (توليد) الكهرباء سلم تراتبية القوى الاقتصادية والشركات رأساً على عقب. ولكن الثورة الرقمية تتسم، على خلاف ثورة العصر الصناعي، بخمس سمات:

1) تؤثر هذه الثورة في قطاعات النشاطات على اختلاف انواعها، من وسائل الإعلام والنقل والطاقة وصولاً الى قطاع المال والخدمات العامة. 2) تخلف أثرها في المهن كلها، وضمنها تلك العالية الكفاءة ولا تقتصر على قطاع انتاج المواد الأولية او السلع. 3) هي جسر كل شخص، اي المستهلك، الى ولوج عالم الإنتاج على ما يحلو له أو على ذوقه، من طريق تأمين خدمات سيارات أجرة «أوبر- بوب» أو تأجير غرف منزله بواسطة موقع «آربيأنبي» Airbnb. وهذه الإمكانات تغير العلاقة بسبل تحصيل العيش والمعاش. 4) هذه الثورة تسري سريان النار في الهشيم، ولا يقتصر انتقال عدواها على مكان او زمان. وهي تعم الدول كلها. وخير مثل على ذلك تحول نيروبي الى مركز بارز للشركات الصغيرة والجديدة، «ستارت - آب». 5) والثورة هذه هي نقطة التقاء عالم المعلومات بالأشياء وعلوم البيولوجيا وعلوم الأعصاب، وهي تساهم في تغيير علاقة الإنسان بالآلة. ففي الأمس القريب، كانت الآلة امتداد الإنسان ويناط بها تنفيذ مهمات متكررة. ولكن الآلة، اليوم، تستطيع التربع محل البشر، وتشخيص الخلل أو المرض وإنجاز عمليات معقدة، على غرار اجراء عملية جراحية طبية. وفي امكان الآلة زيادة قدراتها وتسريع وتيرة عملها.

ونتائج هذه الثورة هائلة وما يترتب عليها لا يستهان به. فعلى المستوى الاقتصادي، يختل سلم القيم الصناعية والتجارية والخدماتية (التي تحدد الأسعار وتوزع الحصص على القطاعات)، فتحتكر الأرباح المنابر التي تعرف كيفية بلوغ المستهلك من طريق ادارة المعلومات، وترجح كفتها على كفة منتجي السلع أو مقدمي الخدمات.

وهذا ما يحصل في قطاع الفنادق. فالتوتر بلغ أقصاه بين الشركات التقليدية، التي تعمل في اطار تحكمه معايير صارمة وتقيده الضرائب، وبين الناشطين/الفاعلين الرقميين. وتخلف الثورة الرقمية أثرها كذلك في تنظيم العمل. وقد تلغى نصف الوظائف في 2030. وعلى سبيل المثل، يفوق عدد السائقين في الولايات المتحدة 4 ملايين سائق. ولكن هذه الوظيفة قد تلغى وتتبدد حين توجه السيارة آلياً، ويؤتمت سيرها.

والثورة الرقمية تخلف أثراً كبيراً في عالم السياسة، وارتدادتها هي الأعنف في هذا المجال. ففي وقت يتعثر قادة الديموقراطيات في جبه آثار الأزمات الأخيرة، يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات مروعة، أولها هو تحدي النجاعة أو تحدي بلوغ المأرب: فلا يسع السياسة بلوغ اهدافها من غير معايير وعائدات تجبى من المواطنين. ولكن العالم الرقمي يلتف على وسائل التدخل التقليدية المتعارف عليها، أي على المعايير والضرائب. ففي هذا العالم تتحرر المواقع الإلكترونية والمستهلكون من الحدود وقيودها. وثانيها هو تحد مالي: قطع الموارد عن السياسات العامة وأنظمة الحماية الاجتماعية. وثالثها تحد ديموقراطي: يطيح تبدد الطبقات الوسطى وطبقة المأجورين يطيح أسس الأمم الحرة الاجتماعية (السوسيولوجية) والسياسية. ورابعها استراتيجي: غلبة عدد قليل من شركات التكنولوجيا الأميركية على الثورة الرقمية.

ولا شك في ان اوروبا تحتاج الى التكيف إذا أرادت الحفاظ على مستوى عيش المواطنين والخدمات العامة وشبكة الحماية الاجتماعية. وهذا يقتضي اللحاق بركب الولايات المتحدة والصين وإسرائيل، وسد ثغرة التأخر عن هذه الدول في الحيز الإلكتروني.

 

 

* عن «لوفيغارو» الفرنسية، 29/6/2015، إعداد منال نحاس

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك