المقالات
مئة عام على كاميرا لايكا ... وولادة الصورة الحديثة
«حين اكتشفت (كاميرا) لايكا أو ليْكا، سرعان ما صارت امتداد عيني، ولم تعد تفارقني»، كتب هنري كارتييه– بريسون في «إيماج آ لا سوفيت»
كلير غييو
الأحد,22 نوفمبر 2015 - 07:53 ص
مشاهدات: 418
«حين اكتشفت (كاميرا) لايكا أو ليْكا، سرعان ما صارت امتداد عيني، ولم تعد تفارقني»، كتب هنري كارتييه– بريسون في «إيماج آ لا سوفيت» في 1952. «كنت أتجول طوال اليوم وأنا أبحث في الشوارع عن أفعال ألتقطها لحظة حصولها كما لو أنني أمام متلبس بجريمة». وساهم شغف المصور الفرنسي كارتييه – بريسون المعلن بكاميرا التصوير الألمانية الصغيرة في سبغ «لايكا» بهالة الأسطورة. والتقط صورة عنوانها طورائ محطة سان– لازار (1932)، وهي خير مجسد لمزايا الكاميرا الأثيرة على قلبه: السرعة والخفة والسرية.
وفي معرض ينظم في ذكرى مئة عام على هذا الجهاز، لايكا، تعرض مجموعة واسعة من الصور في ألمانيا. ويعرض المؤرخ هانس– مايكل كوتزل كيف ساهمت هذه الكاميرا الصغيرة التي تلتقط الحركة والسرعة في حداثة عالم الصور. وتعثرت عملية التسويق التجارية لهذا الجهاز باندلاع الحرب العالمية الأولى، واستؤنفت في 1925. وفي هذا العام نظم معرض الفن الهندسي والصناعي الحديث في فرنسا، وصدر فيلم «رسوم، صور، فيلم» للمؤلف لازلو موهولي– ناغي، وهو رائد في مدرسة البوهاوس الألمانية الفنية. وإلى حين أبصار لايكا النور، كان جهاز التصوير يأتلف من صندوق خشبي ثقيل الوزن يستند الى ركائز طويلة. وعلى خلاف الفن على أشكاله، لم يكن هذا الجهاز يواكب ميول العصر: السرعة والآلة والحياة المدينية والصناعة. و «وولد من رحم تقدم كاميرا لايكا التقني رؤية جديدة ونوع جديد من الصور»، يقول المؤرخ كوتزل.
ومخترع لايكا هو أوسكار بارناك، وهو مصور يعمل في شركة ليتز المختصة في العلوم البصرية. وهو سعى الى صناعة جهاز يستقر في الجيب، فبدأ مسعاه بصناعة صندوق صغير ليودع فيه كل تقنيات التصوير، ثم زود الصندوق بعدسة سينمائية 35مم، وهي غير باهظة الثمن. وهذا اليسر في الاستعمال وخفة الوزن هما وراء انتخاب رواد التصوير في عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته لايكا في إنجاز أعمالهم.
وطورت كاميرا لايكا. وصار في الإمكان التقاط صور في سيارة تتحرك، وفي قطار أو من أعلى مبنى أو رافعة، فوسع المصور هنريش هيديرسبيرجر التقاط صورة دراجين في كوبنهاغن في لوحة تظهر ظلهم رشيقاً كما لو انه ظل راقصي باليه. وأطلق المصور ألكسندر رودوشنكو اسم لايكا على صورة من صوره الذائعة الصيت، ووسمها بـ «فتاة اللايكا» (1934). «إذا نظرنا من كثب إلى الصورة يجد المرء أن الفتاة تحمل حقيبة يد صغيرة وليس كاميرا لايكا! والصورة التقطت بواسطة لايكا من غير شك»، يقول هانز- مايكل كوتزيل. ولم تجذب نجاعة لايكا أصحاب الرؤى الثورية في التصوير فحسب. ويحفل معرض برلين بصور التقطت بواسطة لايكا ونشرت في مجلة «سينيال» التي كانت أداة من أدوات البروباغندا النازية. وكانت المجلة تصدر في 3 ملايين نسخة. ووزع جوزيف غوبلز (وزير البروباغندا النازية) آلافاً من كاميرا لايكا على المصورين– الجنود لتصوير غلبة النظام وانتصاراته.
وفي وقت أول، كانت عدسة لايكا بسيطة مؤتلفة من إطار معدني صغير، ولم تكن في مثابة عدسة مجهرية. وكان المصورون حين يستخدمونها يرون الأشياء مباشرة وليس من خلال زجاجة أو مرآة، وكان في الإمكان احتساب ما هو خارج الإطار وتغيير الإطار بسرعة، يقول هانز- مايكل كوتزيل. وهذه الكاميرا، لايكا، كانت إداة المصور ويليام كلاين في الخمسينات إلى رسم لوحة نابضة بالحياة عن مدينة نيويورك. فبدا الناس في نيويورك متحركون وكأنهم يدخلون في الصورة ويخرجون منها.
ولم تجد لايكا كاميرا منافسة لها قبل الستينات. لذا، صارت أداة الصحافة الأبرز. وكانت أثيرة على قلوب أعضاء وكالة التصوير «ماغنوم» التي أبصرت النور في 1947. وفي معرض برلين سلسلة من صور لايكا التي ارتقت الى مصاف الأيقونة: ومنها صورة روبرت كابا للجمهوري الإسباني وصورة الفتاة الصغيرة بعدسة نك أوت، أو البحار إذ يقبل ممرضة في نيويورك في نهاية الحرب الثانية في 1945.
وطوال أعوام، كانت لايكا صنو الحرية والحداثة. واستخدمها مصورو الموضة في الخروج على تقاليد التصوير السائدة. وفي الخمسينات، وظف المدير الفني في مجلة فوغ مصورين يستخدمون لايكا، منهم فرانك هورفات وويليام كلاين وفرانتز- كريستيان. ومع مرور السنوات، خسرت لايكا أبرز سماتها: السرعة والقدرة على التقاط اللحظة الفورية.
* صحافية، عن «لوموند» الفرنسية (ملحق «كولتو ايه ايديه»)، 7/11/2015، إعداد م. ن.